في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر أبدع وليام شكسبير (1564 - 1616) مسرحياته المتميزة الخالدة. حيث اتسمت أعماله (الكوميدية، والتاريخية، والتراجيدية... إلخ) بعمق الفهم الشامل للشخصية والطبيعة البشرية. وبالمقارنة بغيره من كتاب المسرح والشعر.. ترجمت أغلب مسرحياته وأعماله إلى عدد من اللغات الحية. وتم تأديتها، ومازالت، بوتيرة أعلى كثيراً من مؤلفات أي كاتب مسرحي آخر. ولا تزال مسرحيات (شكسبير) تتمتع بشعبية كبيرة حتى اليوم. حيث يعاد دراستها وتنفيذها واكتشافها وتفسيرها في مختلف السياقات الفنية والأدبية والثقافية في جميع أنحاء العالم. ولعل هذا (الترحال) لمسرحيات (شكسبير) لا يشير فقط لتبني عنصر ثقافي من الحضارة الغربية، بل من شأنه أيضاً أن يقود المجتمعات إلى جذورها الخاصة مرة أخرى. وإعادة اكتشاف (البهجة) الفنية والثقافية والفنية في لغتها الخاصة.
وكانت (كابول)، ذات التاريخ العريق، قد لمع نجمها (في القرن الـ 13 الميلادي) في سماء عالم التعليم والثقافة والجمال الجغرافي. ولكن لحق بها ما لحق من أضرار جراء هطول الأمطار الغزيرة، والثلوج الكثيفة، والفيضانات، والحروب والاحتلالات المتتالية للإنجليز والروس والأمريكان. وكان قد تم، بداية الستينات من القرن الفائت، بناء مسرح وطني من تصميم مهندس معماري ألماني. وجعله يستجيب لمتطلبات عرض عالية بخشبة دوّارة وركح أوركسترا منخفض وبـ 700 مقعد، لكن اختفى مع الأحداث.
لكن في صيف 2005 بدأت في العاصمة الأفغانية (كابول) (كابل: بالباشتو والفارسية) باكورة إخراج مسرحية تُعد الأولى من نوعها. وكانت تحت إشراف المخرجة السورية الكندية (كورينه جابر). حيث تم تدريب مجموعة من الممثلين الأفغان (من الجنسين) على أداء مسرحية (خاب سعي العشاق - Love´s Labour´s Lost) لشكسبير.
وثمة صعوبات عدة واجهت فريق العمل في نقل النص من الفارسية والإنجليزية إلى اللغة الدارية. فعلى الرغم من ثراء الثقافة الأفغانية بالقصص الشعرية، المكتوبة على هيئة أبيات لا تختلف عن تلك الخاصة بشكسبير في ازدواجيتها؛ إلا أن الممثلين الأفغان وجدوا صعوبة في فهم تلك الدراما المترجمة بما تحويه من لغة منمقة وسخرية متوارية، ومع ذلك وصف أحدهم النص بقوله: (إن مسرحية خاب سعي العشاق توضح أن القيود التي تُفرض على نمط الحياة، تعد كأنما بُني سور في منتصف طريق حيوي).
وكانت هناك أيضاً صعوبات جولات العروض والتنقل في المحافظات الأفغانية. وما بين هذا وذاك عانى المبدعون المسرحيون الأجانب، في غمرة الإيقاع الأفغاني. فتجارب الأداء المسرحي هذا.. لا تبدأ قبل الساعة الرابعة عصراً نظراً لانشغال الممثلين في وظائف أخرى يتكسبون منها معيشتهم. وأن أعضاء الفرقة من السيدات يتعين عليهن العودة إلى المنازل قبل حلول الظلام، مما يترك نافذة زمنية من ثلاث ساعات فقط لتجارب الأداء. ولم تخل فترة التجارب الأدائية من الرنين المتواصل للهواتف المحمولة للممثلين. حيث قلقهم المتواصل بشأن عودة أبنائهم من مدارسهم، فضلاً عن الخوف على حياة الأقارب والأصدقاء.
إعادة الإعمار الثقافي
في الوقت الذي لاقت فيه العروض الأولى للمسرحية صدى كبيراً في كابول، بدأت رحلة للبحث عن المزيد من السبل والوسائل لتقديم العرض في مناطق أخرى من أفغانستان. وفي عام 2012، أي بعد سبع سنوات من مسرحية شكسبير الأولى.. تم تقديم عمل آخر من أعماله، واستعانت (كورينه جابر) بممثلين أفغان وأخرجت مسرحية (كوميديا الأخطاء)، وكانت أغلب تجارب الأداء تجرى في الهند لدواعٍ أمنية، كما لم تُعرض المسرحية إلا خارج كابول.
وتتنامى مشاريع إعادة الإعمار الثقافي والتي تشمل الرجوع إلى التراث الثقافي الأفغاني وهو غني بالعديد من الفنون. ومع مرور الوقت يشهد المسرح الأفغاني صحوة فنية. وهناك فرق عدة تم تأسيسها في كابول وعواصم المقاطعات، كما قامت الحكومة من جهتها بانتداب مجاميع من الممثلين أوكلت إليهم مهمة التنقل بين القرى للقيام بعمل توعية متنوعة الجوانب بين الجماهير.
(إنه من واجب كل ممثل أفغاني أن ينخرط في خدمة الأمة)، هكذا يلخص (مجيد غيازي) مدير المسرح الذي كانت فرقته عائدة للتو من جولة طويلة عبر البلاد. وبوجه متهلل يتذكر نجيب رحيمي الممثل الرئيسي في فرقة غيازي مدى اللهفة التي كان سكان القرى يتوافدون بها على المسرح: (فهم على استعداد لتعلم ما ينقله إليهم المسرح. وعندما تقدم لهم رسالة داخل غلاف مسرحية درامية أو كوميديا فإنه يتم تقبلها بسهولة أكثر وبرغبة أكبر).
ويبدو أن المسرح وسيلة إيصال ناجعة: (فكل ما يُحتاج إليه يمكن أن ينقل داخل حافلة، وبإمكانه أن يبلغ أقصى المناطق النائية من البلاد). وقد تبارت نحو 20 فرقة مسرحية من كابول ومن المقاطعات على عرض ما يقارب 50 مسرحية خلال الأيام العشرة للمهرجان المسرحي الأول. واحتضنت هذه العروض قاعتان صغيرتان. وانحصر جمهور المتفرجين على المدعوّين فقط.
دَفعة مسرحية جديدة
في دفعة جديدة لعودة الحياة إلى المسرح الأفغاني عادت لموطنها (جوليا عفيفي) المخرجة الألمانية الأفغانية الأصل (34 عاماً). وذلك لتسلم منصب أستاذة محاضرة في جامعة كابول وتؤسس (مركز بحوث في العلوم المسرحية) هناك. وقامت عفيفي بمعية فريقها الأفغاني بإعداد أربع مسرحيات أوروبية متنوعة: (الأخوات الثلاث لتشيخوف، وهوراس لهاينر ميللر، والساحرة الصغيرة لأوتفريد برويسلر، وإعصار للكاتبة سارا كاين). وكانت مسرحية (إعصار) قد أثار عرضها الأول عام 1966 زوبعة في بريطانيا ذاتها. لكن أن تقدم في كابول فيمكن اعتبار ذلك دليلاً على أن النشاط المسرحي بإمكانه أن ينتعش دون تدخلات.
كما أن المؤلفين المسرحيين الأفغان الذين قدمت أعمالهم بمناسبة المهرجان قد تطرقوا أيضاً إلى مواضيع شائكة مثل انتشار الفقر، ومظاهر الفساد، ونهب التراث الثقافي ومشاكل المخدرات، ووضع المرأة... إلخ. وكانت بعض المسرحيات ذات الطابع النقدي من تأليف أبو المسرح الأفغاني (عبدالقيوم بسيد) 76 عاماً، والذي استمر رغم كل الصعوبات يواصل التدريس وتقديم العروض في مدينة (شيبرغان) بشمال البلاد.. ومن بين مظاهر الدفع التجديدي محاولات رائدة لتقديم مسرح نسائي. عبر فرقة (Mediothek Girls Theater) من مدينة (قندز) في عرض يدوم 30 دقيقة. وقد أخرجت هذا العمل الفتاة (غلام محمد) 16 عاماً، وتمتلك رصيداً من الأعمال الناجحة. أما (آنيتا باباثنسيو)، فممثلة مسرحية ومخرجة يونانية تقود مشروعاُ ثقافياً بالعاصمة كابول، وتقدم محاضرات تطبيقية في قسم المسرح التابع لكلية الفنون الجميلة. ولكن يبقي (شكسبير) رائداً في كابول.