وهناك العديد من المسلسلات العالمية عن شخصيتي السندباد وعلاء الدين، وغيرهما من شخصيات ألف ليلة التي تربعت على عرش التراث الإنساني، وفاقت أهميتها (الإلياذة) و(الأوديسة) بكل المستلهم منهما، للسبق في إنتاج مئات الأفلام والمسلسلات التي اعتمدت على حكاياتها وتقنياتها الفنية. كما حرصوا على تخصيص جزء منها للأطفال بسلسلة أفلام السندباد لراي هاري هاوش، والفيلم الذي أنتجته ديزني لرسوم التحريك عن علاء الدين
السندباد البحري
خلال الفترة من عام 47 إلى 2007م أبدعت أكثر من 20 فيلماً عن السندباد، من هولندا إلى اليابان، مروراً ببوليوود الهندية، لعل أقدمها فيلم التحريك القصير (سندباد البحار) و(سندباد) و(ابن سندباد) أعوام 35 - 36 - 55، وأفلام (مغامرات السندباد) (1962م) و(كابتن سندباد) و(سندباد وعلي بابا وعلاء الدين) (1963) و(سندباد الابن) (1965) و(ليالي سندباد العربي) (1975م)، و(سندباد والبحار السبعة) 89 و(سندباد) 92 و(رحلات سندباد البحرية العجيبة) 96، و(مغامرات سندباد) 98 و(سندباد ما وراء البحار) 2000م و(سندباد أسطورة البحار السبعة) 2003م وهو فيلم رسوم متحركة، قام بالآداء الصوتي عدة نجوم كجوزيف فاينز، إخراج تيم جونسون وباتريك جيلمور، تأليف جون لوجان، إنتاج جيفري كاتزيتبرج وميريل سوريال، بتكلفة 60 مليون دولار! أما فيلم (سندباد يبحر وحيداً) فأنتج عام 2007م، وهناك المسرحية الموسيقية الناجحة (سندباد المغامرة الأخيرة) التي كتبها فرانك هاوسن (1982) وأعيد إبداعها عام 1984م، كما جسد الممثل الأمريكي (كيانو ريفز) دور السندباد في فيلم من إخراج روب كوهين، القصة تدور أحداثها في الصين خلال ق 8م، بحثاً عن مصباح علاء الدين وفي طريقهم، وإلى جانب لقائهم الإمبراطورة، يحاربون مخلوقات غريبة تهدد المملكة الصينية، وهناك العديد من الأفلام الهندية، يلتقي في أحدها البطلان سندباد وعلاء الدين فيتشاركان المغامرات ويفاجأ علاء الدين بخروج جنية من مصباحه فيتزوجها بدلاً من الأميرة. كانت شخصية السندباد محط اهتمام عدد من المخرجين الذين كان لهم رؤيتهم الإبداعية مثل الأمريكي ريتشارد والاس بفيلمه (سندباد البحار) (1947)، وناثان جيرار في (رحلة السندباد السابعة) (1954) وأيضاً الهندي بريم نارايان أرورا الذي جمع الأبطال الثلاثة بفيلمه (سندباد وعلي بابا وعلاء الدين) (1963)، فكانت معالجاتهم السينمائية للحكايات السبعة للسندباد البحري، والتي حولته من تاجر بالحكايات الأصلية إلى بحار مغامر ذو قدرات خاصة يواجه الشدائد، يقاتل الوحوش، خاصة في أفلام التحريك، ولعبت المؤثرات والتقنيات السينمائية دوراً مهماً، فاختيرت أشكال الوحوش والأزياء والمناظر باصطفائية تثير البهجة، حيث تؤشر الاكسسوارات الشرقية لعوالم خيالية، فلاحظ مثلاً راي هاوش أثناء إبداعه لسلسلته أن هناك أشياء معينة تتكرر ينبغي أن يضعها السينمائيون في اعتباراتهم كالسيف والعمامة، لإدراكه أن مبدعي الليالي أدمجوا خطوط الحكايات الأصلية، لتتداخل وتتفاعل وتعبر عن علاقاتها بحكمة الشرق الفنان، وارتباطها بالثقافة الشعبية العربية عامة وانعكاس مفرداتها وعاداتها ومعتقداتها ومعارفها، بل وأمثالها وحرفها الشعبية، كإدخال سندباد صناعة السروج إلى إحدى البلاد في رحلته الرابعة، ولربما كانت المفردات الفولكلورية السبب الرئيس في نجاح استلهاماتها، بين الكبار والصغار بتقديمها متعة معرفية تحاكي الطبيعة، لتظل سلاسلها الإبداعية مؤهلة للامتداد، ومنها تجسيدات رسامي الجرافيك باليابان عام 2000م لسلسة سندبادية أخرى، كفيلمي التحريك القصيرين اللذين وقعهما مايك سميث (علاء الدين والمصباح السحري) و(السندباد ولص بغداد)، وتعد بوليوود الأكثر اقتباساً لحكايات الليالي والسندباد، متأثرة في إنتاجها بقوة بالعديد من تقنيات ومؤثرات السينما الأمريكية.
الحداثة البصرية
يبدو أن السينما لم تزل تختبر قدراتها على استيفاء شروط الحداثة البصرية، فرغم توجيه فيلم التحريك الألماني (مغامرات الأمير أحمد) للأطفال، لم يزل يحقق مزيجاً إبداعياً ثرياً بالاعتماد على تقنية خيال الظل العربي والموسيقى التي تستحضر مفاهيم الشرق بموسيقى سجالية تقودها الموسيقى الشرقية عند مجموعة نوزان والأوركسترا الغربية مع المجموعة الكلاسيكية. عام 1962م أبدع أوسامو تيزوكا فيلماً طويلاً للأطفال عن السندباد، على غراره أبدع سينيا ايشيا مونو جاتاري (1969) فيلم تحريك طويل للكبار. عربياً هناك أفلام قليلة تستلهم حكايات السندباد، تستعير أسلوب السرد بالليالي، حيث تمتزج الخرافة بالواقع، وتقود الحكاية إلى حكايات جديدة، فيما اكتفت أفلام أخرى باستعارة الحكاية الإطارية. استفاد المخرج الجزائري مرزاق علواش فنياً من تقنيات الليالي في فيلمه (مغامرات بطل) (1974)، أما الفيلم الوثائقي (سندباديون)، فيتصل بحكايات السندباد البحري، حيث يروي مخرجه العراقي هادي ماهود قصة تهريب لاجئين عراقيين من إندونيسيا إلى أستراليا وغرقهم في البحر ويتابع ناجين من الموت يدلون بشهاداتهم، في عدم إجادتهم السباحة، وكضحايا للسياسة التي جعلتهم تحت رحمة مافيات تجارة البشر المنظمة، بل وشاركت أنظمة في جريمة تهريبهم للقضاء على العراق، يبدأ الفيلم بمشهد عن حكايات السندباد البحري للدلالة على غرابة الحادثة، باستخدام عنصر الحكي للإشارة لوقوع قصة الموت في مكان ما والاختتام بذات المشهد التمثيلي لينسجم مع التراث في عرض القصة بشكل موفق، لكنه -طبقاً للناقد علي البزاز- لم يستفد منه كمعالجة سينمائية تؤطر السيناريو وتغني عناصره، اعتماداً على أسلوب الحكاية في ألف ليلة، لذا ظل المشهد هامشياً وعائماً مثل لوازم الضحايا في البحر عنوان الفيلم (سندباديون) يتصل بشكل معاصر مع حكاية السندباد البحري من حيث موطنها العراق، والبحر هو وسيلة السفر في القصتين لكن السندباديين المعاصرين (المهاجرين) حصدوا الموت في النهاية وقهرهم البحر على خلاف الحكاية الأصلية، تحاشى الفيلم التعليق واكتفى بشهادات الناجين، فعندما تحضر المأساة في أوجها يبطل الكلام وتكف وسائل التعبير الأخرى عن الدلالة، ولإعطاء المأساة طابع الخصوصية اختيرت أغنية عراقية حزينة بدلاً من الموسيقى التصويرية لتكمل إنجاز الألم بكلماتها ولحنها، رافق بعض اللقطات الغربية التي اعتمدها الفيلم كمادة أساسية، ضعفت الإضاءة الداخلية، كما لم تتم متابعة قضية المهاجرين لاحقاً ليضمن التسلسل الموضوعي للحدث، إذ أعطيت الأولوية إلى شهادات الناجين لعلها تكون مقدمة لنجاة العراق ومن لم يشاهد مأساة غرق تايتانك يعوضه (سندباديون) فهما يتشابهان في الغرق ويختلفان في المسبب. من ناحية أخرى هناك سلسلة أفلام ثلاثية الأبعاد لم تزل في طور الإعداد والتصوير، بطولة غادة عادل وعمرو واكد، أحدها عنوانه (سندباد) وآخر(مصباح علاء الدين)، كما تلقت الرقابة المصرية نصوصاً لخمسة أفلام لهذه النوعية، يجري التنسيق المادي والفني بين الجهات المختصة لإنتاجها.
علاء الدين والمصباح السحري
كانت هوليوود قد انتبهت مبكراً لصلاحية ألف ليلة لأفلام التحريك الموجهة للطفل، فعرضت أفلاماً بطلها علاء الدين ومصباحه السحري، مثل فيلم المخرج الأمريكي سدني فرانكلين، القصير الصامت عام 1906م، وفيلم الفرنسي ألبير كابلاتي عام 1917م، وأيضاً (مصباح علاء الدين) للروسي بوريس ريتساريف. أواخر ثلاثينيات القرن20م، أنتجت شركة بارامونت ثلاثة أفلام تحريك ملونة قصيرة هي (البحار بوباي يلتقي البحار سندباد) و(البحار بوباي يلتقي علي بابا والأربعين حرامي) و(علاء الدين والمصباح السحري)، أعقبته بالعديد من سلاسل أفلام التحريك الموجهة للأطفال، وهناك العديد من الأفلام اليابانية والروسية والأمريكية ثلاثية الأبعاد، مثل (علاء الدين والمصباح السحري) المدبلج باللغة العربية، إنتاج 1982م ومدته 65 دقيقة. أما فيلم (السيف الذهبي هارون الرشيد) الذي يضم القصة التقليدية للملك الطيب مع جعفر البرمكي، والفارس محرر البلاد من قبضة الوزير الشرير، الفائز بقلب الأميرة الجميلة، بطولة روك هدسون، فقد أعيدت نفس قصته في فيلم التحريك الشهير (علاء الدين) (1992) أنجح الأفلام، ويرى روبرت إروين في دراسته (الليالي في الإعداد السينمائي) (بستان الترجمة -العدد 1111- ملحق أخبار الأدب - الهيئة المصرية للكتاب - ص25) أن الفيلم كان له هدفان: ففي الوقت الذي كان يمكن فيه لعلاء الدين المبهج والمرح والأميرة، ومجموعة الحيوانات الفاتنة المساعدة، والبساط السحري العاطفي أن تشبع رغبة الأطفال، كانت لأشكال المحاكاة الساخرة والتلميحات العصرية للآداء الصوتي لروبين ويليامز، وسكوت وينجر، مثلاً لدور (العفريت) المميز بسرعة كوميديا الحمقى Screwball، ما جعله يحظى بتقدير جمهور الكبار، لقد تحول علاء الدين إلى وغد محبوب، طفل محنك يتمتع بالذكاء، في حين لم يكن علاء الدين الأصلي يتمتع بهذه الحنكة وهذا الذكاء، وبالمثل يظهر العفريت كشخص كوميدي محبوب، جرد بشكل يبعث على الاطمئنان من الألغاز والتهديد، رغم ذلك يتمتع الفيلم بالمزيد من الطاقة والظرف، فضلاً عن حبكة أكثر منطقية من حكايات جالان الأصلية، غير أن الفيلم تلقى نقداً كبيراً في بعض الدوائر، كالعنصرية والنمطية، كما كان يتعين إعادة كتابة أشعار أغنيته الافتتاحية التي صيغت كلماتها سلبياً: (أتيت من مكان قصي حيث تتجول قوافل الجمال/ حيث يقطعون أذنك إذا لم يرق لهم وجهك/ إنه لأمر وحشي، ولكن مهلاً، إنه الوطن)، فضلاً عن ربط البعض بين دوافع الفيلم وحرب الخليج عام 1991م، وقراءته بوصفه قصة رمزية (أليجوريا) حول مطامع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، رغم ذلك أدى نجاح الفيلم إلى إنتاج أجزاء عديدة، إضافة للمسلسلات التليفزيونية.