مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الفلسفة بالفعل.. بين التأصيل والتصريف

 لقد ترددت كثيراً في الكتابة عن أحد أركان الفكر المغربي المعاصر٬ ألا وهو الأستاذ (المشاغب)، والفيلسوف (الرحال) عبد السلام بن عبد العالي٬ الذي لا يمكن أن تقرأ له أو تحضر لإحدى حلقاته الدراسية٬ إلا وترغب في عدم الانتهاء من القراءة له٬ والإنصات إليه٬ بكل هواجسك٬ وأسئلتك٬ وقلقك٬ وتوترك٬ ومتعتك أيضاً. ويرجع هذا التردد في اعتقادي إلى طبيعة نصوص الأستاذ بن عبد العالي ذاتها٬ التي لا يمكن تصنيفها أو إخضاعها لمنطق معين أو مدرسة مخصوصة٬ بل هي ضد كل تصنيف تحت أي لواء، لواؤها ما تولده من أسئلة وفراغات وتوترات٬ تعبر عن معيشنا اليومي٬ ولحظتنا التاريخية٬ وصيرورتنا الوجودية٬ وتتجاوزه لتخلق لنا إمكانات للتفكير والتساؤل٬ والوجود أيضاً، نصوصه حينما تقرأ٬ تلزم قارئها على تعليق الحكم وإعادة النظر في كل ما قرأ من قبل٬ كما تعمل على تغيير رؤيته إلى الأشياء. إن المتتبع لمسار الإنتاج الفكري للأستاذ بن عبد العالي٬ يكتشف أن الأمر لا يتعلق بمسار٬ بل بمسارات ودروب لا تقف عند مضامين النصوص٬ بل تفكر في شروط التفكير٬ وإنتاج السؤال وتوليد المفاهيم، وتتحدد إنتاجاته من خلال لحظتين أساسيتين: لحظة التأصيل الفلسفي: والتي توجت بنصين أصيلين: (الفلسفة السياسية عند الفارابي) و(أسس التفكير الفلسفي المعاصر)٬ حيث يمكن اعتبارهما من النصوص التي تطبع الفكر الفلسفي المغربي المعاصر في بعديه التراثي والمعاصر٬ وتجعله يؤسس لحركة فلسفية مغربية إلى جانب مفكرين آخرين٬ داخل سياق خاص ومنفتح على سياقات أخرى٬ عربية وغربية. إن هذين النصين وما ارتبط بهما من دراسات وترجمات٬ جعلت الأستاذ بن عبد العالي يرتحل في زمن الفكر الإنساني وفي فضاءاته المتنوعة٬ الأمر الذي مكنه من الإمساك بمختلف المتون الفلسفية٬ وقضاياها المؤسسة لها في سياقاتها الخاصة: كالهوية والاختلاف٬ والتراث والحداثة٬ التاريخ والميتافيزيقا.. جعلته يقدم حوارات مركبة ومتعددة الجوانب٬ عبر تأويلات تنقل من كشف إلى كشف. فإلى جانب الفارابي٬ الغزالي٬ ابن رشد٬ ابن خلدون٬ الجابري٬ العروي٬ الخطيبي٬ وكيليطو.. نجد هيغل٬ نيتشه٬ فرويد٬ ماركس٬ هيدغر٬ فوكو٬ دولوز٬ ودريدا.. يستنطقهم ويفكر معهم وبهم ومن خلالهم٬ ويطبق عليهم تقنياتهم في التأويل٬ وفي إنتاج المعنى٬ ليكشف عن شروط إمكان تحققه؛ فتاريخ الفلسفة عند الأستاذ بن عبد العالي٬ ليس مجرد عرض لآراء مضت وانقضت٬ كما أن الفلاسفة ليسوا شيوخاً يروون عنهم الأفكار والأخبار والحوادث٬ وليسوا كذلك معلمين يوضحون لهم المعاني الفلسفية كتيارات ومدارس فكرية٬ بل يحيلون إلى إشكالات وتوترات وصيرورات مفهومية لا متناهية متفردة٬ توهم أنها تيارات ومدارس. ولحظة التصريف الفلسفي لليومي: يجسد الأستاذ بن عبد العالي الفلسفة بالفعل٬ كممارسة ترتبط باليومي٬ وبالمعيش٬ وبمختلف القضايا والأسئلة التي تؤسسه وتنبثق عنه٬ حيث يحلل المظاهر الحياتية بنفس فلسفي عميق ومرح. وتشهد على ذلك كل نصوصه التالية: (ثقافة الأذن وثقافة العين)٬ (بين بين)٬ (ميتولوجيا الواقع)٬ (ضد الراهن)٬ (لعقلانية ساخرة)٬ (منطق الخلل). هذه النصوص لا تقل أهمية عن النصوص السابقة٬ بل هي صدى لها٬ وتصريف لقضاياها في ارتباطها بالحدث التاريخي٬ وبمختلف تمظهراته الواقعية الهامشية، فهي ليست إجابات نهائية٬ بل تشخيص وتوليد لأسئلة ما يفتأ الواقع اليومي يطرحها٬ فتثقل كاهله٬ ويصبح معتماً هلامياً٬ لكن بفضل إستراتيجية الحفر التي تنصب على اليومي٬ من خلال الاهتمام بالملبس٬ المأكل٬ الإعلام٬ السينما٬ الإشهار٬ التسامح٬ الإرهاب٬ والاستهلاك.. عبر هذه الموضوعات وغيرها٬ يسعى الأستاذ بن عبد العالي إلى الانفصال عن الدوكسا٬ والوقوف ضد الراهن٬ واستعادة الزمن التاريخي للأحداث والوقائع٬ ومتابعتها كسيرورات لا متناهية٬ لا كوقائع جامدة وجاثمة تطبق على عقولنا ونفوسنا٬ فتجعلنا مفعولات لها٬ ندور في فلكها٬ تقذفنا خارج الزمن وخارج التاريخ. إن هاتين اللحظتين تجسدان الفلسفة بالفعل٬ فلسفة جديدة وأصيلة وممتعة٬ لا تقدم خلاصات ومضامين٬ بل فقط أسئلة ما تفتأ تتوالد٬ وما تنفك تخلق أزمات بين الفكر وما يواجهه.
ذو صلة