الاعتذار خلق نبيل، وبرهان صدق للقلوب الحية، وسجية محمودة لا يتمتع بها إلا من كان ذا فطرة سوية لم تفسدها التقاليد البالية، والعادات الاستعمارية المتعجرفة، بحيث يأنف المتكبرون وتلامذتهم من الاعتذار عن أخطائهم التي يرتكبونها في حق غيرهم من الناس، اعتقاداً منهم أن ذلك سيجعلهم صغاراً في أعين من يبجلونهم ويذوبون في تقديرهم واحترامهم.
وهناك من لا يقبل الاعتذار من إخوانه، ولا يرفع به رأساً، ولا يقيم له وزناً، وكأنه كان ينتظر بفارغ لؤمه خطأ أخيه في حقه، لتكون النقطة التي تفيض كأس العداوة في قلبه المريض، وقد قال الشاعر:
إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه
وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب
تخطئ المرأة في حق زوجها فلا تعتذر، ولا تحدث نفسها بذلك، وقد تكون لها أم شرسة الأخلاق، تحرضها على ذلك، بدعوى أن الاعتذار قد يدفع الزوج للعجب بنفسه، والنظر في عطفيه زهواً وافتخاراً، وكذلك الزوج لا يعتذر لزوجته إن أساء إليها، ظاناً أنه أكبر من أن يعتذر لها، ويطلب منها الصفح والعفو.
لقد اقتصر الاعتذار بين العامة على الأشياء العابرة الخفيفة، مثل الاصطدام الخفيف أثناء المشي، أما في المواقف الجادة والحقيقية، التي تحتاج الاعتذار حتى تستمر عجلة الحياة، ويستقر التعامل بين الأقران، فنرى التجاهل وعدم المبالاة، والواقع يؤكد ما نقول.
قال ابن عبدالبر الأندلسي في عقده (ومن الناس من لا يرى الاعتذار، ويقول: إياك وما يعتذر منه)، وقالوا: ما اعتذر مذنب إلا ازداد ذنباً.
لكنه منهج غير سوي، لا يقبله إلا من شرب من كأس الضياع حتى ثمل، فعندما يأتيك الإنسان معتذراً يا أخي، معترفاً بذنبه الذي ارتكبه في حقك، ومقراً أن الغضب قد حال بينه وبين إنصافك، فتقبل عذره بصدر رحب، وقلب أبيض، لا يمت للحقد والإحن بصلة، مستحضراً أن خيره أكثر من شره، والماء إذا بلغ القلتين لا يحمل الخبث، وراسماً على محياك ابتسامة الرضا التي تجبر خاطره، وتروي ندمه، عندها تستحق وبجدارة أن تكون أخا وعي في نعيم ينعم، يغبطك عليه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
هذا، وقد عقد كثير من الأدباء والعلماء قديماً في تآليفهم الأدبية باباً خاصاً بأدب الاعتذار لأهميته، ساقوا فيه الكثير من الآثار والأحاديث، والحكم والأشعار التي لو قرأها الواحد منا بتجرد، لاستحال إلى رماد إزاء معانيها التي تقطر سمواً وأدباً رفيعاً لا يليق إلا بمسلم يخاف الله، ويجعل نصب عينيه اليوم الآخر.
فما المانع من تقديم الاعتذار عن خطأ إن صدر منا، وما الضير في طلب الصفح من إنسان إن أسأنا إليه، فهل نحن أفضل من الأنبياء والمرسلين الذين كانوا يسارعون في الخيرات بقلوب ملؤها الإيمان واليقين، ثم إذا أخطؤوا أخطاءً غير متعمدة رأيتهم يسابقون في طلب الصفح والعفو من ربهم، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا يبررون أخطاءهم، ولا يجادلون فيها كما يفعل الذين لا يعلمون، فهذا أبونا آدم يأكل من الشجرة المحرمة، فيشعر بحرج شديد هو وزوجه أمام ربه، وهو يعاتبه على مخالفته لأمره، فيطلبان العفو والغفران، معتذرين ومقدمين بين يدي اعتذارهما عبارات الذل والاستكانة والخنوع، التي إن دلت على شيء، فإنها تدل على كمال العبودية وتمامها، (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف: 23).
وكليم الله موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، يقتل رجلاً غير عامد، فيكاد يخترقه الحزن والهم، وتضيق به الدنيا بما رحبت، وهو الفتى المدلل في قصر فرعون، فلا يجد أدنى حرج في طلب العفو والصفح من ربه الكريم، قائلاً: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (القصص: 16).
والمطالع لكتب العلماء والأدباء يرى بوضوح في مقدمة تواليفهم حسن أخلاقهم وأدبهم، وهم يعتذرون في مقدماتهم عن زلاتهم وهفواتهم وأخطائهم إن وجدت، وقد أفرد بعض طلبة العلم رسالةً لطيفة الحجم، جمع فيها بعض اعتذارات الأئمة في مقدماتهم، لذا يروق لي في هذا المقام أن أسجل أنموذجين من اعتذارات أئمتنا كخاتمة مسكية لمقالنا هذا، الأول: لياقوت الحموي، في مقدمة كتابه المعطار: (معجم الأدباء)، والثاني للعلامة ابن قيم الجوزية - رحمهما الله:
يقول ياقوت: (وأنا فقد اعترفت بقصوري فيما اعتمدت عن الغاية، وتقصيري عن الانتهاء إلى النهاية، فأسأل الناظر فيه ألا يعتمد العنت، ولا يقصد قصد من إذا رأى حسناً ستره وعيباً أظهره، وليتأمله بعين الإنصاف، لا الانحراف، فمن طلب عيباً وجدّ وجد، ومن افتقد زلل أخيه بعين الرضا فقد فقد....).
ويقول ابن القيم في كتابه الرائع: مدارج السالكين: (فيا أيها القارئ له، لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه، لك ثمرته وعليه تبعته، فما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله، ولا تلتفت إلى قائله، بل انظر إلى ما قال، لا إلى من قال، وقد ذم الله تعالى من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه، ويقبله إذا قاله من يحبه، فهذا خلق الأمة الغضبية، قال بعض الصحابة: اقبل الحق ممن قاله، وإن كان بغيضاً، ورد الباطل على من قاله، وإن كان حبيباً.
وما وجدت فيه من خطأ، فإن قائله لم يأل جهد الإصابة، ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال، كما قيل:
والنقص في أصل الطبيعة كامن
فبنو الطبيعة نقصهم لا يجحد
وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلوماً جهولاً؟ ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصواب ممن عدت إصاباته).