مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الفكر العلمي من نظريات الإغريق إلى تجارب المسلمين

أدى اكتشاف الزراعة في الفترة من 6000 – 3000 ق.م واستئناس الحيوانات إلى استقرار الإنسان في الأرض وتكون الجماعات السكانية في بلاد ما بين النهرين ووديان الأنهار العظيمة، وكذلك انتشار المدينة الحضرية بين الجماعات الزراعية. وبفضل الزراعة التي انتشرت في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل فاقت المنتجات الزراعية حاجة الإنسان وأدت الوفرة الزراعية إلى تهيئة الظروف لنمو تقنيات أكثر تطوراً، كما أبرزت الحاجة إلى التخصص، هذا بالإضافة إلى أن الفائض من الغذاء أتاح إعفاء جزء من المجتمع من الاشتغال بالزراعة، ومن ثم إتاحة الوقت لبعضهم للتفكير بما يتعدى سد احتياجات معيشته وحياته.
وقد أبرزت إدارة الزراعة والتجارة أهمية تأسيس نظام محاسبة شبه مصرفي ورصد الحسابات وتسجيلها. ولهذا تم اختراع الحساب قبل الكتابة وهو أيضاً ما يبرر إلمام الإنسان بالرياضيات وسبقها لغيرها من العلوم الأخرى. فقد احتوت أقدم الوثائق من سومر ومصر على أرقام فقط.
أدى انتشار المدينة الحضرية إلى إنشاء مدن تعيش على التجارة والصناعة في بلاد ما بين النهرين ومصر وفي كريت واليونان وطروادة وغيرها.
كان سكان آسيا الصغرى على ساحل المتوسط بعيدين عن بابل ومصر فاستمر نظامهم الاجتماعي محتفظاً بكثير من الفردية ولم يتأثروا بالتقاليد الثقافية السائدة في مصر وبابل فاستغرقوا في التفكير النظري والتأمل العقلي مما كرس لديهم تقديس الفكر وسموه والاهتمام بالمنطق على حساب الحقائق المادية.
المادة والعقل عند الإغريق
كان من أوائل الأعمال العلمية العظيمة التي قام بها الإغريق ما قدمه Thales من مدينة ميليتس 624– 547ق.م تنبؤه بالكسوف وقوله إن العالم يتركب من الماء وهو في حالة مستمرة من التغير، لأنه يتركب من مادة بسيطة تنمو وتتطور من تلقاء نفسها. وتبنى هذه الأفكار مواطنه أنا كسيماندر (611 – 547ق.م). لقد كانت أعمال فلاسفة ميليتس نظرية فلم يقدموا أدلة على نظرياتهم وانحصرت أدواتهم لفهم كل ما حولهم بفكر متعطش للمعرفة مزود بخصوبة الخيال وعمق التأمل العقلي الصرف. وهذه الأدوات هي ينابيع علمي الرياضيات والفلك. لم يميز فلاسفة ميليتس بين الحواس والعقل.
في عام 535 ق.م ولد الفيلسوف هيراقليتس وابتدأ في ذلك الوقت من عهده بلورة الفكر النظري وتسفيه الحواس في القضايا الفكرية فقال إن الحقائق المادية مظللة لأن المادة غير دائمة والحقائق تدرك بالعقل لا بالحواس وحاستي البصر والسمع غير جيدة للمعرفة ما لم يستطع العقل تفسير دلالاتهما.
وقد أدى هذا التوجه إلى الاهتمام بالمنطق ومن ثم الانصراف عن المشاهدة في تكوين النظريات وأخيراً إلى فكرة فصل العقل عن المادة.
حين ابتدأ الإشعاع الحضاري ينطلق من أثينا (أهم المدن الإغريقية نتيجة قوتها الاقتصادية والحربية وبسبب انتصارها على الإمبراطورية الفارسية في موقعه سلاميس 480ق.م)، ابتدأ زعماؤها ينفقون الأموال على الثقافة مما استقطب كثيراً من الفلاسفة من إيطاليا والمدن الأيونية وأصبحت أثينا عاصمة الفكر والثقافة وأنجبت سقراط وأفلاطون، أشهر مفكريها وأبرز فلاسفة عصرهم.
كان سقراط مقتنعاً بأن العلوم الرياضية هي أساس علمي الطبيعة والفلك وقد تشبع بآرائه تلميذه أفلاطون. أسس أفلاطون بعد إعدام سقراط الأكاديمية لنشر فلسفة أستاذه وتعليمها للناس، ونادى بأن تبعد المشاهدات والتجارب عن العلم وتمسك بالمذهب الفلسفي الذي يعتبر الأشياء صوراً عقلية لا أجساماً مادية وكان يصر على ضرورة تعليم جميع أعضاء الحكومة العلوم الرياضية لأن في إدراكها استقامة للفكر وهادياً للإنسان في سلوكه للوصول إلى الحقيقة، وكان متيقناً أن العلوم الرياضية تعين الإنسان على معرفة مبادئ الخير المطلق.
كان من أهم أسس فلسفة سقراط وأفلاطون اعتبارهما بأسبقية العقل على المادة ورفض العلوم التجريبية والطبيعية. إلا أن تغييراً قد حدث في فلسفة أفلاطون في رؤيته الفلسفية للعلم فاعترف في أواخر حياته بأن التجربة هامة وأساس في تحصيل العلم ووضح دور كل من المادة والعقل. كان من تلاميذ أفلاطون في أكاديميته أرسطو ابن كبير أطباء مقدونيا وأعظم تلاميذه. وبما أنه كان أفلاطونياً مفتوناً بمعلمه لذلك كانت العلوم الرياضية والطبيعية أول ما درسه. وبعد موت أفلاطون هجر الأكاديمية وعكف على تنقيح نظريات أستاذه وتوغل في التيه الأفلاطوني واستنتج أن المشاهدة المنتظمة ضرورية لامتلاك العلم. وقد ظهر من كتاباته الأخيرة تسليمه بضرورة الملاحظة والمشاهدة قبل صياغة الأفكار العلمية.
الطبقية الاجتماعية تكرس للفكر النظري
كان النظام الاجتماعي السائد طبقياً قائماً على الأسياد والعبيد. فقد كانت العلوم النظرية والعقلية الصرفة مقتصرة على الأسياد في حين أن الأعمال اليدوية جميعها من اختصاص الرقيق. وقد علل كثير من الفلاسفة الإغريق والرومان القدماء مبدأ الرق في بناء المجتمع بما في ذلك أرسطو حيث قال «إن الناس فئتان فئة تصلح للحكم والجنود وفئة لا تستحق أن تتمتع بأدنى الحقوق وإن كانت ضرورية: فئة العبيد» ولم يتجرأ أحد على استنكار هذه الطبقية حتى القرن الثاني الميلادي وأول من انتقد ذلك هو الإغريقي ديوكريسوستم الذي قال: «إن الرق ينافي الطبيعة» مستلهماً هذه الأفكار من المبادئ المسيحية السمحاء التي ابتدأت تنتشر وتسود على قيم المجتمع الإغريقي والروماني. ونتيجة للطبقية التي سادت المجتمع الإغريقي فقد تكرس الفكر العلمي النظري الذي يحقر الأعمال اليدوية ومن ثم الطرق التجريبية ويهمش الإدراك الحسي مقابل تفعيل الإدراك العقلي الذي علا شأنه لأنه يعبر عن ثقافة الأسياد. ونتيجة لترفع الأسياد عن ممارسة الأعمال اليدوية التجريبية التي يزدرونها فقد تباطأت الابتكارات والاختراعات في العصرين الإغريقي والروماني. وقد غاب عن تاريخ العلم والتقنية أسماء غالبية المخترعين في تلك العصور لكونهم من الأرقاء. وهذا ما عزا بعض المؤرخين إلى القول بأن الفلاسفة هم الذين يقومون بهذه الاختراعات سراً ويعطونها للأرقاء لإخفاء ممارساتهم للأعمال. في حين انصب اهتمام الأسياد على المنطق لأنه فن الكلام الذي يلائم تفكير الطبقات الحاكمة والأعيان.
قامت الإمبراطورية الرومانية على أنقاض الإمبراطورية الإغريقية وفي كلتا الإمبراطوريتين كان النظام الاجتماعي واحداً قائماً على طبقة الأسياد والأرقاء، واستمرت الطبقية وبلغت ذروتها حتى عام 250 ميلادية حيث بلغت نسبة الأرقاء ثلاثة أرباع سكان الإمبراطورية الرومانية، وبلغ عدد العبيد الذين يعرضون في سوق Delos للبيع عشرة آلاف عبد يومياً. بعد هذا التاريخ ابتدأت المسيحية بالانتشار وسادت قيمها على قيم المجتمع الإغريقي والروماني وأدركت المجتمعات جذور أمراضها الاجتماعية نتيجة طبقيتها الجائرة. وتنامت طبقة الذين لا يؤمنون بالقيم القديمة، وشكلوا مع الطبقات الدنيا طبقة جديدة تحمل رؤية مخالفة للرؤية السائدة. ومن ثم أعيد الاعتبار تدريجياً للرقيق والعمال والصناع اليدويين، وتغيرت النظرة للأعمال والفنون وصار هناك قدراً أكبر لممارسة الأعمال غير الفكرية والنظرية، دون أن يفقد أصحابها مكانتهم الاجتماعية.
المنهج التجريبي العلمي في الحضارة الإسلامية
ابتدأ التأسيس العلمي للحضارة الإسلامية بالترجمة منذ فجرها الأول. فقد بدأت بوادر ذلك التأسيس حين استدعى خالد بن يزيد بن معاوية (حوالي عام 85هـ) ماريانس عالم الإسكندرية إلى دمشق في نهاية القرن السابع الميلادي ليشرح له بعض المسائل الكيميائية وليتلقى على يديه دروساً في الكيمياء التي كانت تسترعي اهتماماته الشخصية. إلا أن الخليفة العباسي المنصور حين قرر أن تكون بغداد عاصمة خلافته، استدعى العلماء والفلكيين والمهندسين لتخطيط وإشادة العاصمة عام 762م ليكون من هذا الاستدعاء موقفاً وقراراً بأن تكون الحضارة الإسلامية قائمة على العلم والمعرفة.
كانت البداية للنشاط العلمي لدى المسلمين هي الترجمة عن الحضارات السابقة في العلوم كالفلك والطب والرياضيات، ويرجع ذلك إلى عام 770م حين ترجمت أول الرسائل الفلكية إلى العربية من الهندية. ويرجع الاهتمام بالفلك وعلومه إلى مكانة الشعائر الدينية والعبادات لدى المسلمين فهي العمود الفقري لدينهم ويتوقف أداؤها (الصلاة – الصوم – الحج) على وجود جداول فلكية تبرز لهم التقويم الذين هم في حاجة إليه. ولهذا كان لهذا العلم أهمية خاصة لدى المسلمين، إلا أن الفلك لدى الحضارات السابقة (الهندية، الفارسية، والصينية) كان بغالبيته معارف أكثر من كونه علماً وقد اقترنت معارفه بالخرافات والأوهام والأساطير، واحتوى على طقوس تنجيمية. وبالرغم من إضافات المفكرين الإغريق القيمة لهذا العلم – مثل أفلاطون وأرسطو وبطليموس – غير أنه بقي أيضاً لديهم علماً نظرياً مجرداً من الملاحظة والرصد. أما العلماء المسلمون فقد ارتبط لديهم علم الفلك بالرياضيات ليكون قائماً على أركان علمية صحيحة وهو ما يفسر أيضاً انسحاب اهتمام المسلمين بالعلوم الرياضية. فحين ترجم العلماء المسلمون أعمال من سبقهم، أمعنوا النظر فيها معتمدين على الأدلة والبراهين. فوثقوا الجداول الفلكية الوافدة واستبعدوا ما اعتراها من خرافة وتنجيم وقاموا بأرصاد جديدة ووضعوا جداول (أو أزياج) تتسم بالدقة والملاحظة والمعلومات الموثقة، مما جعل هذا العلم رصيداً أسس لعلم الفلك الحديث الذي يقر المؤرخون بالفضل للمسلمين عليه، وبهذا يقول المؤرخ سيديو الفرنسي في مطلع القرن التاسع عشر (L.A.Sedillot): «لقد توصل فلكيو بغداد في نهاية القرن العاشر إلى أقصى ما يمكن أن يتوصل إليه إنسان في رصد السماء وما دار فيها من كواكب ونجوم بالعين المجردة دون اللجوء إلى عدسات ومناظير».
ولسنا في صدد استعراض إنجازات علمية ولكن دراسة منهج المسلمين في تعاملهم مع المعطيات الفلكية يوحي بأن هذا المنهج هو تأصيل وتأسيس لمنهج علمي جديد يمكن أن نطلق عليه (المنهج التجريبي العلمي). وقد عزا بعض المؤرخين أيضاً اهتمام المسلمين بالعلوم الرياضية إلى حرصهم على حساب إخراج الزكاة وامتهانهم للتجارة مما انعكس على دراستهم للحساب والجبر لعلاقتهما بمثل هذا النشاط الاجتماعي. لقد كان من فضائل العلماء المسلمين كما يعتقد المؤرخون إحياؤهم علوم الإغريق وإضافاتهم الكثيرة عليها وبخاصة في الرياضيات والكيمياء. فقد اهتم المسلمون بالكيمياء في وقت مبكر وتوصلوا إلى أعمال عالم الإسكندرية الكيميائي كوزيمس.
وحين ينعطف الحديث على المنهج التجريبي فلابد من البدء بالعالم الكيميائي جابر بن حيان (المولود عام 721م) فبالرغم من فضله على علم الكيمياء والذي دونه تاريخ العلم إلا أننا سنتناول في هذا البحث فضله على من سبقوه في تأسيسه للمنهج التجريبي واعتماده على قانون التجربة والنظرية القائم على أن تسبق النظرية التجربة. ويقول في هذا الشأن في كتابه السموم: «وإن كان الطب من الصناعات التي هي من ذوات العلم والعمل، وإن كان صناعتها انقسمت هذين القسمين فواجب أن يكون جزء العلم سابقاً لجزء العمل. إذ لا عمل إلا بعد تقدمه العلم».
ويظهر إيمان جابر بن حيان بالمنهج التجريبي في الكيمياء من قوله: «إن ألزم الأشياء في الكيمياء إجراء التجارب العلمية ولا يمكن الإبداع بدون إجراء التجارب. فعليك يا بني إجراء التجارب لتحصل على العلم، والعلماء لا يبتهجون لكثرة ما لديهم من المادة وإنما لما لديهم من طرق تجريبية ممتازة».
كرس الفارازي عام 770م المنهج التجريبي العلمي فأنشأ أول إسطرلاب كما أعد جداول فلكية للتقويم الإسلامي واستخدم الفلك بصورة عملية لتحديد المواقيت المضبوطة لشعيرتي الصوم والحج.
وبعد جابر بن حيان جاء الرازي أبو بكر محمد بن زكريا (عام 866 – 923م) ليواصل تأسيس هذا المنهج، فقد نسب إليه الفضل في تقسم المواد الكيميائية تقسيماً منتظماً قائماً على التجارب العلمية بصورة توحي بإدراكه العظيم لطبيعة المواد والعلاقات الكيميائية التي تربط فيما بينهما. ويظهر من نقد الرازي لجالينوس طبيعة اتجاهه العلمي التجريبي حيث يقول في كتابه الشكوك على جالينوس: «لكن صناعة الطب كالفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منهم ولا مساءلتهم وترك الاستقصاء عليهم».
وقد سجل الرازي أهمية التجربة في كتابه (الخوا) حيث حذر من قبول أية خاصية دون أن تثبتها التجربة. كما شدد على أن التجربة عنده كانت موجهة بفكرة يسعى للتحقق والتأكد من صحتها وليست اتفاقية كما هي عند أطباء اليونان. ومن الجانب الطبي فيرى الرازي أن الطب النظري هو قوام الطب التطبيقي ويؤثر للطبيب أن يجمع بين العلم النظري والخبرة العملية فإن اختلفا فالتجربة هي محك الصواب والخطأ. وقد تكرس المنهج التجريبي لدى العلماء المسلمين بعد جابر بن حيان والرازي ومن بعدهم محمد بن الحسن بن الهيثم (المتوفى نحو 1040م) فقد شدد على ضرورة الشك والتمحيص في أعمال العلماء السابقين لتطهير الفكر من الانحراف وعدم التسليم المطلق بالموروث، بل لابد من إعمال الفكر فيه وتدقيقه. ويقول في هذا الشأن في مقدمة كتابه (الشكوك على بطليموس).. ما نصه: «حسن الظن بالعلماء السابقين مغروس في طبائع البشر وكثيراً ما يقود الباحث إلى الضلال، ويعوق قدرته على كشف مغالطاتهم، وانطلاقه إلى معرفة الجديد من الحقائق، وما عصم الله العلماء من الزلل ولا حمى علمهم من التقصير والخلل».
ولو أردنا أن نستعرض الأمثلة التي تؤكد التزام العلماء المسلمين بعناصر المنهج التجريبي لضاقت مساحة البيان ولكن هذه الأمثلة التي ذكرت ربما تؤكد ترسيخ المنهج الذي أسسه علماؤنا السابقون الأفاضل.
عناصر المنهج التجريبي لدى المسلمين
يستند المنهج التجريبي الذي ابتكره ومارسه العلماء المسلمون على قواعد وأصول نوجزها بالتالي:
أولاً: تمحيص الأفكار السالفة لدى الأقدمين وهو ما نطلق عليه اليوم المسح المكتبي لو جاز التعبير. وفي هذا الإطار نجد أن العلماء المسلمين كانوا يقرون صحيح من سبقوهم بموضوعية تنأى عن التسليم المطلق أو الرفض المتعجل بل كانوا يطهرون عقولهم من الموروث الخاطئ الذي قد يضل توجهاتهم في البحث فيستخلصوا الصحيح ويثبتوه، ويستدركوا النقص ويستكملوه، وينقضوا الخطأ ويفندوه ثم يستبعدوه.
ثانياً: الملاحظة: كانت الملاحظة لدى العلماء المسلمين أهم أركان منهجهم التجريبي وقد سبق واستعرضنا ما ذكره المؤرخ الفرنسي سيديو عن قيمة إنجازات الفلكيين المسلمين حين كانت الملاحظة والرصد الأدوات الأساسية التي قادتهم إلى الاستدلال على بعض الكواكب والنجوم في السماء مما جعل علم الفلك لديهم في رأي البعض علماً رصدياً يبرز قيمة الملاحظة كأحد قواعد وأصول منهجهم التجريبي.
وفي مجال الطب فقد نسب إلى الرازي ملاحظاته التي جمعت من البيمارستانات (أي المستشفيات) وليس في نقله من كتب من سبقوه وذلك حسب ما يذكر علي بن العباس المجوسي المتوفى عام 1010م. فقد تحلى الرازي بدقة ملاحظته ونفاذ بصيرته وطول أناته وصبره الطويل. فهو أول من وضع التشخيص التعريفي في الطب. ولهذا فقد بقي هذا الحكيم الجليل وبعضاً من أقرانه من العلماء المسلمين مرجعاً رئيسياً يتداول مؤلفاته ومؤلفات أقرانه طلاب العلم في أوروبا حتى القرن السابع عشر الميلادي وبخاصة كتابه (الحاوي) وكتاب (القانون) لابن سينا وكتاب التصريف في الجراحة للزهراوي. وذكر عن Adelhard من مدينة Bath والذي ترجم خمسة عشر كتاباً لأقليدس من العربية إلى اللاتينية قوله عام 1126م في رفضه الإيمان المطلق بموروثات من سبقوه ومناصرته الشديدة للبحث العلمي وعزوفه عن الاعتماد الكلي على المراجع: «تعلمت عن أستاذي العربي أن أزن كل شيء بميزان العقل، وإذا أردت أن تسمع مني أكثر من ذلك فناقشني بالعقل لأني لست من الرجال الذين يجرون وراء الخيال. والعقل غير كاف لحل مشاكل الكون ولابد من الملاحظة والقياس».
ثالثاً: التجربة: أدرك العلماء المسلمون قيمة التجربة لبلوغ الحقيقة في المجال العلمي، ومارسوها كعلم. ولعلنا نقع على أقدم تعريف علمي يصف التجربة في كتاب مروج الذهب للمسعودي الذي عاش حتى عام 956 وفيه يقول: «التجربة علم يتكرر على المحسوس الواحد في أحوال متكررة».
وكما تمت الإشارة إليه فإن التجربة لدى العلماء العرب المسلمين كانت تقوم على قواعد وأسس علمية استخدمت فيها ضوابط للمقارنة والتثبت وهذا ما نطلق عليه اليوم التجارب البيضاء في الكيمياء أو الـ Controls في غيرها. وللدلالة على ذلك مثلاً نجد أن الرازي قد قام بإجراء تجارب علمية على القردة لإدراكه المسبق بقرب شبهها بالإنسان، كما استخدم نفسه مادة للتجربة في بعض الأحيان حيث قال: «جربت على نفسي ووجدت كذا وكذا».
كما قسم مرضاه في مجموعتين عالج إحداهما بإجراء معين وحرم المجموعة الثانية من هذه المعالجة ثم راقب المجموعتين ليرى أثر ممارسته الخاصة على المجموعة الأولى وهو ما نطلق عليه التجربة الضابطة Control. كما حدد ابن سينا في كتابه العظيم (القانون) سبعة شروط لتجربة الدواء فقد سن بحق دستوراً أو بروتوكولاً لتنفيذ الاختبار العلمي. والجدير بالذكر أن كتاب القانون قد طبع باللاتينية في القرن الخامس عشر 16 طبعة، كما أعيدت طباعته في القرن السادس عشر 20 مرة وظل يدرس في الجامعات العالمية حتى نهاية القرن التاسع عشر.
يقول الأستاذ الجليل أحمد فؤاد باشا في إحدى دراساته ما نصه: «إن أهم ما يميز المبتكرات التي توصل إليها علماء الحضارة الإسلامية في علم التربة وطبيعة الأراضي هو أنها تستمد قيمتها من سلامة المنهج العلمي الذي اتبعوه وهو منهج يعتمد على الملاحظة والتجربة والاستقراء».
وكنتيجة لاستخدام التجارب العلمية فقد حدد العلماء المسلمون في القرن الحادي عشر الوزن النوعي للعديد من الأجسام الصلبة ومن السوائل وتوصلوا إلى نتائج بالغة في الدقة تقارب النتائج المعتمدة في المختبرات الحالية وأكثر من هذا فلا تزال معادلة البيروني وعبدالرحمن الخازن (1115م) في تحديد الوزن النوعي للأجسام الصلبة وللسوائل على السواء سارية حتى الآن وهي كما تعرف:
الوزن النوعي = وزن الجسم في الهواء/ وزن مقداره في الماء كما حدد الخازن العلاقة بين سرعة سقوط الأجسام والكتلة والمسافة في كتابه (ميزان الحكمة) إذ أشار إلى وجود قوة جاذبية لجزيئات الجسم ونوه إلى العلاقة ما بين سرعة الجسم المتحرك والمسافة التي يقطعها والزمن الذي يستغرقه لقطع المسافة. وهذا ما يوحي بالأساس العلمي لقوانين الحركة التي وصفها نيوتن. والأمثلة لا حصر لها وجميع هذه الاستدلالات تعزز التأصيل للمنهج التجريبي الذي ابتكره العلماء المسلمون وسبقوا فيه العلماء الغربيين الذين يعزى إليهم الفضل والسبق فيه وبالتحديد روجر باكون (1214 – 1292م) الذي يعتبر أبا المنهج التجريبي البحثي. ولعل خير ختام لتبني مبدأ التجربة والمشاهدة عند العرب ما أوصى به جابر بن حيان تلاميذه إذ يقول لهم: «وأول واجب أن تعمل وتجري التجارب لأن من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان فعليك يا بني بالتجربة لتصل إلى المعرفة».
ويستطرد جابر بن حيان في وصيته فيحدد ملامح الكيميائي، فيقول لتلاميذه موصياً إياهم بما يلي:
كن صبوراً ومثابراً ومتحفظاً وصامتاً.
تجنب المستحيل وما لا فائدة منه.
لا تغتر بالظواهر لأن هذا يؤدي بتجربتك إلى نتيجة خاطئة.
ما افتخر العلماء بكثرة العقاقير ولكن بجودة التدبير.
يجب أن تكون متفرغاً للتجربة يا بني منذ بدايتها حتى لا يفوتك أي تغيير طفيف قد تستخلص منه نتائج كبيرة.
وقد لاحظ كثير من المؤرخين المنصفين الذين درسوا تاريخ العلم إبان الحضارة الإسلامية أفضلية جابر بن حيان وابن الهيثم وغيرهما على من أخذ عنهم وأنصفوا السابقين على من تبعهم. وفي هذا المجال يقول المؤرخ الأمريكي كراوذر: «لم تكن طرق روجر باكون في البحث التجريبي من ابتكاره فقد كان يستمد الوحي من ابن الهيثم ومن غيره».
ويؤيد (Prantl) هذا الاعتقاد في كتابه تاريخ المنطق فيقول: «إن روجر باكون أخذ كل النتائج المنسوبة إليه في العلوم الطبيعية من العرب».
وأخيراً لابد من تنويه مهم إلى أسلوب العلماء العرب في عرضهم لأعمالهم الذي تميزوا به كثيراً عمن سبقهم. فقد ابتعد العلماء المسلمون عن غموض التعبير وأفاضوا في الشرح حين تتطلب المادة العلمية ذلك وأدخلوا الرسوم التوضيحية في الكتب العلمية.
ومن أمثلة ذلك ما نقرأ في أقدم ما وصل إلينا من مخطوطات فيلسوف العرب يعقوب الكندي (801- 873م) في علم التعمية رسالته في استخراج المعمى (وهو ما نطلق عليه اليوم مصطلح كسر الشفرة)، حيث نجد أن الكندي يعرض عصارة تجربته بإيجاز بديع يضم كل طرق استخراج المعمى متسلسلة, ثم يعضد ذلك برسم جدول مشجر يعين على فهم هذا التسلسل، ويدل على مدى دقة الكندي في فهمها وتفهيمها, ويقول في رسالته: «ولنمثل صور هذه الأقسام تمثيلاً مشجراً لتقع تحت الحس معاً لما في ذلك من الزيادة في فهم هذه الصناعة ولتسهيل السبيل إلى المقصود منها..».
وقد لاحظ المستشرق الألماني E. Wiedeman هذا الأسلوب المتميز عند العلماء العرب في عرض أعمالهم فذكر أنهم يدونون تطور العمل الذي يقومون به في كل مراحله خطوة وخطوة وقارن بينه وبين أسلوب العلماء الإغريق الذي يفاجئ القارئ بنتائج البحث عندهم بشكلها وصيغتها النهائية.
والجدير بالذكر أيضاً أن العلماء العرب والمسلمين كانوا من الأوائل الذين رسموا الأدوات والآلات الجراحية والعملية في كتبهم.
يقول علي بن عباس طبيب السلطان عضد الدولة عن كتب الإغريق المترجمة إلى العربية ما نصه «إني لم أجد بين مخطوطات قدامى الأطباء ومحدثيهم كتاباً واحداً كاملاً يحوي على ما هو ضروري لتعلم فن الطب. فأبو قراط يكتب باختصار وأكثر تعابيره غامضة, كما وضع جالينوس عدة كتب لا يحوي كل منها إلا قسماً من فن الشفاء, ولكن في مؤلفاته الترديد الكثير, ولم أجد له كتاباً يصلح للدراسة».
وقد ابتدع المسلمون أيضاً لأول مرة الموسوعات العلمية ونظموا المعاجم منذ القرن الثامن الميلادي. ويذكر على سبيل المثال أن أول من ألف في علم النبات أبو زيد الكلابي عام 820م في كتابه النوادر. ومن بعده الأصمعي عام 831م في كتابه النبات والشجر، وفيه يتناول 276 نباتاً. ثم من بعده أبو زيد الأنصاري  829، وأبو حنيفة الدنيوري 895م وهو مؤسس علم النبات عند العرب وعنه استقى مؤلفو القواميس الكبرى مثل ابن سيده وابن البيطار.
وأخيراً لابد من الإشادة بتقاليد العلماء العرب في احترام من سبقوهم من العلماء. فقد رسخوا تقاليد الاحترام ووقفوا إزاء من سبقوهم وقفة تليق بجلال العلم وموضوعيته وحياديته، فأعلوا شأن علماء اليونان فأطلقوا مثلاً على الأطباء اليونانيين ألقاباً رسخت لأدب علمي قلما عرف في التاريخ قبلهم حيث كانوا يسبغون لقب الفاضل على جالينوس ويقرنون اللقب دوماً باسمه، وإذا ذكر أبو قراط يسمونه أبا الطب. وحين يضطر العالم منهم إلى النقد العلمي الرصين، تجيء انتقاداتهم بموضوعية ومقرونة بالشكوك الرصينة المدركة لقوانين تطور العلم وحتميته.
ونختم هذا البحث بشهادة عامة للمؤرخ العلمي الأمريكي جورج سارتون صاحب موسوعة تاريخ العلم، حيث يقول في كتابه (حياة العلم) ما نصه: «إن قليلاً من الإغريق قد وصل إلى مراتب غير عادية بطريقة تكاد تكون مفاجئة وهذه هي  المعجزة الإغريقية، ولكن يجوز أن نتحدث أيضاً عن معجزة حضارية عربية وإن اختلف الأسلوب. إن عملية خلق حضارية جديدة ذات صفة دولية وقدر موسوعي خلال أقل من قرنين من الزمان لهي من الأمور التي يصعب إيضاحها بصورة كاملة».
ثم يضيف في فقرة أخرى: «إن تفوق الثقافة الإسلامية كان كاسحاً لدرجة تفسر لنا كبرياء العقلية العربية في تلك العصور».

ذو صلة