المسرح هو النموذج الفني للمجتمع الذي تحكمه ديناميكيات التحول من ثقافة إلى أخرى، إذ إن المجتمع قد فقد إيمانه بضرورة التمايزات الاجتماعية وعلاقتها بالفضيلة الشخصية والمناقب الخاصة، إنه يرى الناس وقد أصبحوا متكيفين بالظروف الخارجية، ومع ذلك يشدد على ديناميكية المجتمع الإنساني. وتتسم الظاهرة المسرحية بالاختلاف والتعدد والحالات المتغيرة في كثير من الأشكال المسرحية، وعلى الرغم من التأثير الكبير الذي أحدثته الممارسات المسرحية المعاصرة، إلا أننا مازلنا نفتقر إلى صورة تفصيلية وواضحة عن دور المسرح وتأثيره في المجتمع الموجود فيه.
إن كل محاولة لكشف النقاب عن المسرح وإمكانات تأثيره يجب أن تبدأ من المجتمع، المجتمع الذي تنعكس عليه أعمال المسرح، واليه توجه. فأمراض المجتمع .. أمراض الضياع.. معروفة لنا جميعاً، وشاخصة نصب أعيننا، وذلك من خلال صيغ الاحتجاج العلني الذي لا يحكمه عقل ولا خيال ضد هذا الضياع، فالبؤس يحتضن الجميع.. ويضم بين جنبيه أيضاً ذلك النقد الموجه إليه، ولا يكفي أن نذكره كي نتحاشاه، أما التعبير عنه فمن الممكن أن يكون تحت مسميات عديدة، وهياكلها شائعة وجارية على اللسان، كالإحساس بالاغتراب، وتحول الروابط الاجتماعية إلى روابط مادية، وفقدان التاريخ وفقدان الذاكرة ورفض تقبل فكرة الزوال والموت.. ذلك لأن هذا الوضع الجديد قد دفع بنا لنكون في وسط المحنة، وفي مواجهة مع الأزمة، الأمر الذي جعل الهروب صعباً والمواجهة حاسمة.
يقول بريخت: «إن مجرد الرغبة في تطوير فن يناسب العصر وفي غياب أي دافع آخر تكفي لأن تدفع بمسرحنا، وهو مسرح عصر العلم، إلى الضواحي والشوارع حيث يفتح ذراعيه للجميع ويصبح في متناول أولئك الذين يعيشون على القليل وينتجون الكثير.. وهناك يمكننا أن نقدم لهؤلاء مشكلاتهم الكبرى، وقد يجدون صعوبة في تقبل فننا، وقد يقصروا عن استيعاب منهجنا الجديد بشكل مباشر، لكن علينا نحن أن نتعلم بشتى الطرق ما يحتاجونه وكيف يحتاجونه، فنحن في كل الأحوال سنستثير اهتمامهم».
ولنظرية ديدرو في شخوص الدراما موقف مهم حيث إنها ترينا مدى قوة العوامل الاجتماعية، إنها تبين أن الوضع الاجتماعي للشخوص يمتلك درجة عالية من الأهمية، أكثر من العادات الشخصية والروحية، وسواء كان الإنسان قاضياً أم موظفاً أم تاجراً، فمسألة عمله أهم من مجموع مميزاته الشخصية. فقد بلور ديدرو الدراما الاجتماعية بمطالبته نشر هذا النوع الجديد من المسرحية حيث يكون هدف الكاتب البساطة والواقعية، وحيث يجب أن يحلل النظام الاجتماعي القائم حيث إنه يقول: «من الذي سيصور لنا واجبات الإنسان؟ وما الذي نطلبه من كاتب يتصدى لهذا العمل؟ أولاً يجب أن يكون فيلسوفاً أمعن النظر في عقله ونفسه عارفاً بالطبيعة البشرية. كما يجب أن يكون قد درس باهتمام النظام الاجتماعي بحيث أصبح على معرفة بأهدافه وأهميته.. بمحاسنه ونقائصه».
وربما كان بومارشيه أكثر دقة من ديدرو في تعريفه لمهمة هذا النوع من المسرح، فقد كتب يقول: «إذا كانت الدراما صورة صادقة لما يحدث في المجتمع، فالاهتمام الذي تثيره فينا يجب أن يكون نفس الاهتمام الذي تثيره ملاحظة أشياء حقيقية إلا إذا قامت بيننا في مقاعد المتفرجين وبين ما يحدث على خشبة المسرح علاقة ما».
لذا فإن المتفرج قادر على التخلص من تأثير مسرحية ما على نحو أسهل عندما يرى طبقته بالذات مصورة على خشبة المسرح، تلك الطبقة التي يتوجب عليه أن يعترف بأنها طبقته أكثر مما يرى شخصيته مصورة، لأنه حر في التنكر لها إذا شاء. فالسبل الاجتماعية التي تمثلتها المسرحية كشفت عن المواقف العقلانية التي لم تدمج في التغير دمجاً كلياً رغم ما تحدثه من اهتزازات ونذر في المجتمع.
وتعد الأسرة نموذجاً مهماً وحقيقياً للتمسرح الاجتماعي، بالإضافة إلى كونها وحدة المجتمع الصغرى، فهي تمتاز بقابليتها الشديدة للتغير، وعلى نحو لا يمكن مقارنته بالوحدات الاجتماعية الأخرى، كالقبيلة أو العشيرة أو الطائفة أو النخبة، فهي تختلف في مدى مقدرتها على البقاء والاستمرار عبر الأجيال المتعاقبة بمقارنتها بقدرة الجماعات الأخرى. كما أن الأسرة تتميز باستقطابها لشتى معايير الإرث والأخلاق، والدين والسياسة. إنها بمثابة مخزن لثقافة المجتمع وميدان لتنفيذ القوانين وسبر القيم، إذ أن الحياة في داخل الأسرة تكتسب عناصرها الدرامية بما تضم في أحشائها من عوامل الانفجار وخاصة في مقاومتها للميول الاستقلالية والفردية ونحوها، مما يبعث جوهر الصراع للدراما المعاصرة. كما إنها تمتاز بتدرج المكانة بين أفرادها بصورة لا تختلف كثيراً عن التدرج الطبقي في المجتمع وخاصة من ناحية تجسيدها لمبدأ عدم المساواة الذي تستمده غالباً من غياب المساواة في القوانين والمعايير الاجتماعية والأخلاقية السائدة في المجتمع.
ولعل التغييرات التي طرأت على الأسرة، أبرزت إلى حيز الوجود سمات الدراما الاجتماعية في مظاهرها المفجعة، أو الميلودرامية، وفي معالجاتها الرومانسية أو الواقعية. حيث إن الدراما دخلت بين جدران الأسرة ثم لم تخرج منها فأصبحت الأسرة بتقاليدها ونظمها وهيكلها النموذجي هي الدراما، ليست باعتبارها مسرحاً لعملية صراع جارية ودائمة وإنما لكونها النموذج الاجتماعي الشامل للمجتمع المتغير، وهي النموذج الفني الخالص للدراما الاجتماعية، فالأسرة هي وحدة اجتماعية من المجتمع الكبير بحيث إن ما يطرأ على النظام الاقتصادي أو السياسي أو الإيديولوجي من تغير ينعكس بالضرورة على بناء الأسرة وهيكلها. وهذا التصور لم ينفصل عن رؤيا كتاب الدراما في الحركات المسرحية وفي مختلف العصور، فقد ظلت الأسرة عند يوربيدس وشكسبير وبرنادشو وموليير وبيرانديللو وبريخت وتشيخوف وابسن وسترندبرغ وشون اوكيزي وأونيل، نموذجاً يتجاوز الحدود الضيقة التي قد تدل عليها وحدة الأسرة، إنها المجتمع الذي ينتمي إليه العمل المسرحي. كما أن معيار المعالجة في دراما الأسرة ليس في بدائلها المقترحة، بقدر ما هو في تجسيداتها المسرحية للمشكلة، وتشخيصها الدقيق للأسباب والمسببات ورؤيتها الجدلية لقوانين الفعل الدرامي المحتوم أو المحتمل في موازاتها لضرورات الواقع المتغير واحتمالاته الهائلة.
إن حالات التغير في أي مجتمع من المجتمعات عملية مستمرة، لا توقف فيها ولا نكوص، وربما اكتسبت بعض الحقائق الاجتماعية صبغة الخلود ولكنها أمام مرأى التغير لا بد من أن تكتسب تشكيلتها وخصوصيتها المرتبطة باللحظة التاريخية التي تحتشد بها حالة التغير.. والمسرح هو صيغة التعبير عن هذه اللحظة لأنه القادر على احتواء ما فيها من إجمال وكثافة ولأنه القادر على إطلاق تلك اللحظة من عقال الجمود وثبات النمط. فالمفهوم الاجتماعي والمادي للإنسان، الذي يجعله يبدو وكأنه وظيفة من وظائف محيطه، يقتضي شكلاً جديداً للدراما يختلف كل الاختلاف عن الأشكال الأخرى.
يقول بريخت: «للمسرح الحرية في أن يجد المتعة في التعليم والبحث. وله أن يتبنى طروحاته الاجتماعية الصالحة التي تصبح في موقف يسمح لها بالتأثير على المجتمع، وله أن يقدم لأولئك الذين يبنون المجتمع خبرات هذا المجتمع، وإذا أردنا للمسرح أن يكون في وضع يسمح له بأن يكون فعالاً ومؤثراً، علينا أن نرسي دعائمه أولاً في الواقع».