علاقة الدكتور طه حسين (عميد الأدب العربي) بالصحافة ربما تكون من الجوانب شبه المجهولة بالنسبة للقارئ العربي، على الرغم من العلاقة الوثيقة التي ربطت بينه وبين الصحافة، كمنبر من منابر الفكر والرأي منذ بداياته الأولى، يوم أن كان يدرس في جامعة الأزهر، ثم في جامعة فؤاد الأول، التي عرفت بجامعة القاهرة فيما بعد، ومازالت تحمل هذا الاسم حتى اليوم.
في بدايات القرن العشرين اتصل طه حسين بالعديد من الصحف التي كانت تصدر في مصر في هذه الفترة، وكتب فيها المقالات الأدبية والاجتماعية والسياسية، ولمع اسمه في كل الصحف التي كتب فيها، مثل (الجريدة) التي كان يصدرها أحمد لطفي السيد، والتي بدأ الكتابة فيها وهو طالب في الجامعة، وجريدة (اللواء) التي كان يصدرها الزعيم المصري مصطفى كامل، ومجلة (الرسالة) التي كان يصدرها أحمد حسن الزيات، ومجلة (الاثنين)، وجريدة (مصر) و(السياسة) و(الجهاد) و(الاتحاد) و(العلم) و(السفور).
ولم يكتف طه حسين بمجرد الكتابة في الصحف المصرية، بل اشترى امتياز جريدة (الوادي) وتولى الإشراف على تحريرها عام 1933م، وأقدم على خطوة أخرى عام 1945م، حين أسس دار الكاتب المصري مع مجموعة من المصريين، ليصدر مجلة (الكاتب المصري)، ويرأس تحريرها، وهي المجلة التي استمرت في الصدور لثلاث سنوات.
حياته ورحلته
طه حسين هو أحد الأركان الأساسية في تكوين العقل العربي المعاصر، وقد ولد في عزبة صغيرة تقع على بعد كيلو متر واحد من مغاغة بمحافظة المنيا، في الرابع عشر من نوفمبر عام 1889م، وفقد بصره وهو طفل، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو في التاسعة من عمره، ثم التحق بالأزهر الشريف، ومنه إلى جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، ثم أعد رسالته للدكتوراه والتي نوقشت عام 1914م، وكانت عن ذكرى أبي العلاء المعري، وكانت أول كتاب قدم إلى الجامعة وأول رسالة دكتوراه منحتها الجامعة المصرية.
وفى نفس العام سافر طه حسين إلى فرنسا ضمن بعثة من الجامعة المصرية، والتحق هناك بجامعة مونبلييه، ودرس اللغة الفرنسية وعلم النفس والأدب والتاريخ، ولأسباب مالية عاد من البعثة.
وفي العام التالي 1915م، عاد طه حسين إلى بعثته ولكن إلى باريس هذه المرة حيث التحق بكلية الآداب بجامعة باريس، وتزوج بالسيدة سوزان التي تعرف عليها عندما كانت تقرأ مقطعاً من شعر (رايسين) فأحب نغمات صوتها وعشق طريقة إلقائها وتعلق قلبه بها.
وفي عام 1919 عاد طه حسين إلى مصر، فعين أستاذاً للتاريخ اليوناني والروماني بالجامعة المصرية، ثم تم تعيينه عميداً لكلية الآداب عام 1930م. وفى عام 1950م، عين لأول مرة وزيراً للمعارف في الحكومة الوفدية التي استمرت حتى 1952م. ثم انصرف طه حسين حتى وفاته عام 1973م إلى الإنتاج الفكري والنشاط في العديد من المجامع العلمية التي كان عضواً بها داخل مصر وخارجها.
وكان فكر طه حسين مزيجاً قوياً بين حضارتين متصارعتين، مختلفتين متغايرتين (حضارة الشرق) و(حضارة الغرب)، وعصارة من جامعتين مختلفتين: الأزهر الشريف وجامعة باريس. ولذلك شغل نفسه بقضايا العلاقة بين الأصالة والمعاصرة، وبين الموروث والمستحدث.
علاقته بالصحافة
وعندما نقف عند علاقة طه حسين بالصحافة، نجد أن اسمه قد لمع في مجموعة من الصحف -كما ذكرنا- مثل جريدة اللواء التي كان يرأس تحريرها الزعيم المصري مصطفى كامل، حيث كتب فيها سلسلة من المقالات تحت عنوان (نظرات في النظرات) عام 1910م، وكذلك مقالاته في صحيفة (الجريدة) التي كان يديرها لطفي السيد، ثم جريدة (الجهاد) التي تناول فيها عدداً من الشعراء الجاهليين أمثال: لبيد بن أبي ربيعة العامري وطرفة بن العبد البكري وزهير بن أبي سلمى المزني وابنه كعب بن زهير وعنترة وسويد بن كاهل والمثقب العبدي، وعدد من الشعراء الإسلاميين منهم: الحطيئة ومجنون بني عامر، قيس بن الملوح صاحب ليلى. وقد جمع طه حسين كل هذه المقالات الصحفية في كتاب يقع في ثلاثة أجزاء أسماه (حديث الأربعاء)، وللمرء أن يتعجب من احترام صحافة ذلك الوقت (1924م) لقرائها وكتابها، فإنها ما أخلفت وعدها، إذ كانت تنشر هذه المقالات في موعدها المحدد، الأربعاء من كل أسبوع.
مجلة الكاتب المصري
وإذا كان طه حسين قد بدأ الكتابة في الصحف المصرية، يوم كان طالباً في الجامعة، فقد وصل إلى قمة الهرم الصحفي عام 1945م، عندما أسس دار الكاتب المصري بالقاهرة مع مجموعة من المصريين، والتي صدرت عنها مجلة (الكاتب المصري)، التي رأس تحريرها بنفسه.
وقد تكونت شركة الكاتب المصري (وهي شركة مساهمة مصرية) من سبعة أشخاص من آل هراري وهي عائلة مصرية قديمة، وطلبت الشركة من طه حسين إصدار هذه المجلة الأدبية الثقافية الشهرية.
وصدر العدد الأول من هذه المجلة في أكتوبر عام 1945م وأغلقت في مايو عام 1948م حين قرر أصحابها إغلاقها بسبب ظروف الحرب العربية الإسرائيلية. وكانت المجلة على مستوى عالٍ جداً في محتواها الأدبي والثقافي، واستهدفت نشر الأدب العربي، قديمه وحديثه، وكان ثمنها عشرة قروش، وهو ثمن مرتفع بالنسبة لثمن المجلات في ذلك الوقت.
سياسة تحريرية
وفي صدر العدد الأول من المجلة (أكتوبر 1945م، شوال 1364هـ) نطالع برنامج المجلة الذي نشر على ثلاث صفحات، وكتبه الدكتور طه حسين، وذيله بتوقيه (الكاتب المصري)، والذي يبين هدف المجلة وسياسة تحريرها، وما تهتم به من مجالات في الثقافة والفكر والأدب.
فيشير البرنامج في البداية إلى سبب تسمية الدار والمجلة بـ(الكاتب المصري)، حيث اتخذت الدار والمجلة من الكاتب المصري القديم اسماً لها وشعاراً، حيث أن هذه المجلة تستمد برنامجها وخطتها وسيرتها من تاريخ مصر القديم والحديث، ومن المهمة التي نهضت بها مصر منذ أن شاركت في الحضارة الإنسانية العامة.
ويقول البرنامج إن المجلة ستكون صلة ثقافية بأدق معاني هذه الكلمة وأرفعها بين الشعوب العربية أولاً، وبين هذه الشعوب وأمم الغرب ثانياً.
وهذه المجلة ستحرص أشد الحرص على العناية بمقومات الأدب العربي، فتعنى بقديم هذا الأدب، تدرس تاريخه وتكشف أسراره وتحيي آثاره، وتعنى بالأدب الحديث الذي ينتجه الممتازون من كتاب الشرق العربي، تذيعه وتدرسه وتنقده وتشجعه وتجعله غذاء لعقول العرب وقلوبهم وأذواقهم، وتهيئة لعقول غير العرب من أبناء الأمم الأخرى المتحضرة، بحيث يمكن أن ينتقل إلى اللغات الأوروبية المختلفة.
ولعل هذه المجلة نفسها أن تنقل مختارات منه إلى هذه اللغات وتذيعها في الشرق والغرب بين حين وحين. ونعني مع هذا كله بالآداب الأجنبية، تعرفها إلى القراء العرب بالدرس والنقد والتحليل، وتنقل إليهم منها أطرافاً صالحة ترجو أن يجدوا فيها النفع والإمتاع.
قانونان للمجلة
ويحدد البرنامج للمجلة قانونين، تأخذ نفسها بهما ولا تحيد عنهما مهما كانت الظروف، أحدهما: الشدة على نفسها وعلى كتابها وقرائها فيما تنشر وما تنقل من الفصول، فلن تقدم إلى قرائها إلا هذا الأدب الذي ينفق صاحبه في إنتاجه الجهد العنيف والوقت الطويل، وينفق قارئه في استساغه من الوقت والجهد مثل ما ينفق منتجه.
فالأدب فن يحتاج كغيره من الفنون الرفيعة إلى أناة الكاتب وتأنقه واحتفاله، وإلى تمهل القارئ وتأمله وتدبره. ولابد من أن تأخذ الأجيال العربية المعاصرة نفسها بالأناة في الإنتاج الفني وفي الاستهلاك الفني أيضاً.
والثاني: هو الحرية الواسعة الكاملة السمحة فيما ينشر وفيما تختار من آثار القدماء والمحدثين، ومن آثار الشرقيين والغربيين، لا تنظر في ذلك إلا إلى الفن الخالص والى قيم الثقافة العليا وما يحقق التعارف والتواصل بين الذين يمثلون هذه الثقافة من رجال الأدب والعلم والفن.
ويؤكد البرنامج أن المجلة تنظر إلى أمس، وتنظر إلى اليوم، وتنظر كذلك إلى غد، فتنشر ما يحيي الأدب القديم، وتنشر ما يقوي الأدب الحديث، ولكنها في الوقت نفسه ستعنى بهؤلاء الشباب الذين يجربون أنفسهم ويحاولون أن يشاركوا في الإنتاج الأدبي، فتفسح لهم مكاناً رحباً بين صفحاتها، وستتلقاهم رفيقة بهم مشجعة لهم، ولكن قاسية عليهم في النقد والاختيار.
وستفتح المجلة الأبواب على مصراعيها للتيارات الأدبية والثقافية من أي وجه تأتي وعن أي شعب تصدر وفي أي لغة تكون. ذلك لأن العلم والفن والأدب أمور تحب لنفسها وتتلقاها العقول والقلوب كما هي وتنتفع بها على كل حال.
أدباء غربيون
ولأن برنامج المجلة يشير إلى ضرورة نقل مختارات من الآداب الأجنبية، وتعريفها إلى القراء العرب بالدرس والنقد والتحليل، فقد تضمن العدد الأول من المجلة تنويهاً نشر على صفحة مستقلة ينص على اتفاق المجلة مع طائفة من كبار الأدباء الأوروبيين والأمريكيين على أن يوافوها بمقالات وقصص تكتب لها خاصة بحيث تنشر لأول مرة باللغة العربية قبل نشرها بأي لغة أخرى، فيكون قراء هذه المجلة أسبق الناس إلى الوقوف على ثمرات عقول هؤلاء الكتاب.
وقد بدأ تنفيذ هذا الاتفاق من العدد الأول للمجلة والذي تضمن مقالاً عن أدب القصة في الاتحاد السوفيتي للكاتب (رنيه برنار ماركيه)، ووجدنا في العدد الثاني (نوفمبر 1945م) عن نمو الأدب الأمريكي للكاتب (هنري سايدل كانبي)، وقصة في نفس العدد تحت عنوان (رب إقليم الفلاندر) للكاتب (هنري كاليه).
وفي العدد الثالث (ديسمبر 1945م) نشر مقال عن تأميم الأدب للمفكر (جون بول سارتر)، وفي العدد السادس (مارس 1946م) نشرت المجلة مقالاً عن مقاومة الذعر من الواقع للكاتب (ريمون جيران)، كما نشرت مسرحية (جيترا) لطاغور.
كما خصصت المجلة باباً في كل أعدادها لتناول الكتب الجديدة التي تصدر في الشرق أو الغرب جاء تحت عنوان (من كتب الشرق والغرب)، وخصصت باباً آخر تحت عنوان (من وراء البحار) لمتابعة ما ينشر في صحف أوروبا وأمريكا من مقالات في الأدب والفكر والسياسة، ونشر مقتطفات منها والتعليق عليها.
كبار المفكرين والأدباء
وإذا وقفنا عند كتاب مجلة الكاتب المصري، نجدها قد استكتبت عدداً من كبار المفكرين والأدباء والعلماء المصريين في فترة صدورها والتي استمرت ثلاث سنوات، فالعدد الأول ضم كلاً من توفيق الحكيم وسهير القلماوي وأحمد نجيب الهلالي وعبدالقادر القط ومحمد عبدالله عنان وحسين فوزي وعزيز فهمي وسليمان حزين ومحمد محمود غالي.
ووجدنا كتّاباً جدداً من الأدباء والمفكرين في الأعداد التالية، مثل سلامة موسى وعلي أدهم ومحمود عزمي ونزار سعيد ولويس عوض ومحمد مهدي الجواهري وعلي النجدي ناصف ووداد سكاكيني ويحيى حقي.
مقالات طه حسين
أما كتابات طه حسين في المجلة، فكان مقاله يتصدر صفحات المجلة في كل عدد، وكان يكتب في الأدب دون غيره، وفي بعض الأحيان كان مقاله يشغل عدداً ليس بالقليل من صفحات المجلة، ففي العدد الأول وبعد برنامج المجلة التي تحدثنا عنه، كتب مقالاً عن (الأدب العربي بين أمسه وغده) شغل 24 صفحة من صفحات العدد البالغة 128 صفحة، وفي العدد الثاني كتب مقالاً عن (شاعر الحب والبغض والحرية) وهو الشاعر يزيد بن مفرغ، شغل عشر صفحات، وفي العدد الثالث كتب مقالاً عن (صورة المرأة في قصص فولتير)، شغل 19 صفحة، وفي العدد الرابع بدأ نشر قصته (المعذبون في الأرض) والتي جاءت على أجزاء، وشغلت المقال الأول في المجلة لعدة أعداد متتالية.
وإذا وقفنا عند مقاله في العدد الأول عن (الأدب العربي بين أمسه وغده)، نجده يربط بين الحياة الأدبية وبين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما ستصير إليه الحياة الأدبية من قوة أو ضعف، ومن رقي أو انحطاط، ومن تطور في بعض فنونها ينتهي به إلى النمو أو ينتهي به إلى الانقراض، أو ينتهي به إلى تحول خطير أو يسير.
ويؤكد أن للأحداث الجسام والخطوب العظام أثرها البعيد في حياة الناس، ومتى تأثرت حياة الناس تأثرت آدابهم، لأن هذه الآداب آخر الأمر ليست إلا تعبيراً عن هذه الحياة وتصويراً لها.
ويشير إلى أن الحرب العالمية الثانية التي اصطلت مصر ببعض نارها ست سنين، قد مس الأدب منها فرض الرقابة على الإنتاج العقلي، وان كانت هذه الرقابة التي ضاق الأدباء بها، لم تمنعنا من الإنتاج الأدبي الخالص، ولعلها صرفت بعضنا عن الأدب السياسي فاضطرته إلى إنتاج آخر لعله يكون أبقى وأجدى من الأدب السياسي. ثم يصل إلى أن الأدب العربي الحديث خضع أثناء ربع قرن لمؤثرات كثيرة مختلفة دفعته إلى تطور خطير من جميع نواحيه؛ دفعته إلى التطور في شكله وفي موضوعه، ودفعته إلى التطور سعة وعمقاً وتنوعاً واختلافاً.