قد لا يرى كثيرون -ومنهم فنانون بصريون- المساحات الإبداعية التي توفرها الرسوم المتحركة، فالرسوم المتحركة هي أقرب الفنون إلى الأدب من حيث التحكم شبه المطلق في الشكل النهائي الذي يخرج به العمل الإبداعي، كما أنها أكثر الفنون البصرية المتحركة قاطبة التي تسمح للفنان بأن يطلق خياله البصري مهما بلغ من جموح، وهي أيضاً تقع في المنطقة الوسطى من ناحية الكلفة الإنتاجية بين جميع الفنون البصرية المتحركة، كل تلك العوامل توفر للفنان سقفاً شديد الارتفاع -بحيث لن تتمكن من رؤيته- لطرح رؤيته الإبداعية، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في هذا الموضوع.
أن ترسم أفكارك الأدبية
الفارق الجوهري بين الفنون الفردية والفنون الجماعية -إن جاز هذا التصنيف- هو أن الفنون الفردية كـ(الرسم-الكتابة-العزف المنفرد) تمنح مبدعها السلطة المطلقة للتحكم في المنتج الفني الذي يقدمه، فهو يستطيع أن يتحكم في (مناخ وبيئة العمل-المدة الزمنية التي يتطلبها العمل-حجم العمل نفسه من حيث المساحة والمضمون), فالرسام على سبيل المثال يستطيع أن ينعزل عن العالم مع أدواته ولوحته البيضاء، وأن يهدم ويفكك ويعيد تركيب لوحته إلى ما لا نهاية، يستطيع أن يجرب ألواناً وخامات متعددة وأن يخلطها معاً، باختصار فإن معمل تجربته الإبداعية له وحده؛ على الناحية الأخرى من الفنون الجماعية فالسينما كمثال سنجد أن الوضع يختلف كثيراً.
فالفيلم القصير المستقل المعتمد على ممثل واحد، ليس أفضل حالاً من الأفلام التجارية الضخمة، ففي ذلك الفيلم القصير على سبيل المثال قد يختار المخرج مشهداً داخلياً مما يعني تحكماً كاملاً في بيئة العمل، ولأنه قصير فلن يتطلب الأمر الكثير من الوقت، وحتى على مستوى المادة التي سيقوم بتصويرها فهو يستطيع إعادة مونتاجها ألف مرة، كل ذلك حقيقي, ولكن هذا الممثل الواحد هو شريك آخر في عملية الإبداع، لديه فهمه الخاص لعالم الفيلم ومضمونه وأفكاره، ولديه العديد من العوامل الخارجية أو حتى الشخصية التي ستؤثر على أدائه في هذا اليوم أو ذاك، هذا بافتراض أن المخرج سيقوم بكل الأعمال الأخرى من كتابة سيناريو وتصوير ومونتاج، فإنه لن يملك السلطة المطلقة على شريكه في الإبداع، الذي يمثل وجوده أو تبديله بممثل آخر سبباً في تغيير الشكل النهائي للفيلم. فما بالك بالأفلام التجارية الطويلة التي يعمل فيها عشرات (ومئات أحياناً) من العمال والفنيين والإداريين والفنانين والممثلين و...، وارتباط الفيلم بالقيود الإنتاجية وبمقاييس السوق وموعد تسليم الفيلم لشركة التوزيع، وبالعوامل المتغيرة يومياً بداية من مشكلات الإنتاج التقليدية وحتى ظروف الطقس الخارجة عن إرادة الجميع؛ كل تلك العوامل تقلل كثيراً من تحكم المخرج في فيلمه، وتلك العوامل قد ترتفع قليلاً في حالة إنتاجه بنفسه للفيلم، وقد تنخفض كلما كان يعمل في آلية إنتاجية مختلفة.
وسط كل تلك العناصر من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في تحكم المبدع لإنتاجه الفني، نجد أن الرسوم المتحركة تقع في المنتصف تماماً، فالشكل الفني هو (رسم) (متحرك), وهو ما يجمع بين التحكم المطلق في هذا الرسم الذي يمكن إعادة رسمه وتلوينه ورسم انفعالات شخصياته ورسم خلفياته وعالمه بالشكل الذي يريده مبتكر العمل تماماً، وما بين قيادة فريق عمل متنوع هو منفذ ومحرك هذا العمل الفني، هذا الفريق الذي له أيضاً مشكلاته وعوامله الخارجية التي قد تؤثر فيه، لكن ومع ذلك فإن الميزة الأولى هنا هو أن (مناخ وبيئة العمل) ليست موقع تصوير خارجياً قد يتأثر بعوامل الطقس، وليست مسرحاً مفتوحاً لأوركسترا قد يتوتر أحد عازفيها بسبب رهبة المسرح أو الجمهور، بل هي في أغلب الأحوال مكان مغلق يحتوي على عدة أجهزة حاسوبية يمكن لطاقم العمل بقيادة المخرج أن يجتمعوا فيه سوياً لتنفيذ عملية الإبداع.
الميزة الأخرى وهي (المدة الزمنية الممنوحة للعمل)، فهي قابلة أيضاً للتحكم، قد تقل في حالة ارتباط الفيلم بموعد إصدار محدد للسوق، وهو غالباً لا يحدث سوى في الشركات العملاقة كـديزني وبيكسار، وحتى هذه الشركات لديها طاقم عملاق يؤهلها لإنجاز العمل في الوقت المطلوب، أما الشركات الأكثر استقلالية فتستطيع أن تأخذ وقتها الكامل في تنفيذ العمل، والمقصود في كلا الحالتين بالطبع هو عملية (تنفيذ) الفيلم، ولكن عملية كتابة السيناريو ورسم الشخصيات وتخيل أصواتها؛ كل تلك الأشياء تأخذ وقتها تماماً وهي في مرحلة ما قبل الإنتاج.
وعموماً لن تجد فيلماً رسومياً قد تم تنفيذه دون تلوين أحد مشاهده لضيق الوقت، أو أن هناك مشهداً محذوفاً لأنهم لم يجدوا موقع تصوير مناسباً. الميزة الثالثة (مساحة ومضمون العمل) فالأفلام الرسومية تملك قدرة تكثيفية عالية للحلول البصرية مما يمنحها قماشة عريضة للبناء الدرامي، وخذ مثالاً على ذلك من فيلم (بيرسبولس) الذي تحكي فيه الشخصية الرئيسة أنها أصبحت مع حبيبها كجسد واحد، وبدلاً من معالجة ذلك التعبير سينمائياً في عدة مشاهد، فتظهر في المشهد وهي تسحب نفس من سيجارتها ويقوم صديقها بإخراجه من فمه.
أن تكتب لتطلق لخيالك العنان
الفارق الأكثر وضوحاً بين خيال الأدب وخيال الفنون البصرية المتحركة، هو أن الأول متغير ومتجدد أما الثاني فهو ثابت، فالأديب مهما حاول توصيف أحد شخوصه على وجه الدقة، فإنه لا يوجد قارئون في العالم سيتخيلون نفس الملامح تماماً، بل إن نفس القارئ سيتغير خياله عند قراءة نفس الرواية من حين إلى آخر، وبالرغم من أن كل ذلك لا يتوافر في الفنون البصرية المتحركة، إلا أن المتعة البصرية بجانب الجوانب العاطفية والذهنية في الفيلم، تجعل من تلك المتعة شيئاً يستحق أن يضاهي متعة الخيال اللامحدود للأدب، وهي الورقة التي يتم الرهان عليها في كل مرة.
فالأفلام الرسومية في هوليود ظلت لفترة طويلة من الزمن، لا تقدم سوى موضوعات للأطفال، حتى أصبحت مرتبطة ارتباطاً شرطياً في ذهن القاعدة العامة من الناس، أن فيلماً رسومياً لا يعني سوى فيلم للأطفال، نعم قد يعجب به الكبار ويجدون فيه متعة خاصة، ولكنه يظل موجهاً خصيصاً لأبنائهم، وفيما بعد كانت ألعاب الـ(البلاي ستيشن) والكومبيوتر للجميع، حتى ظهرت لاحقاً ألعاب مخصصة للكبار فقط، بل أصبح للألعاب تصنيفها الخاص حسب الفئة العمرية تماماً كالأفلام، وأصبحت هناك ألعاب محظورة على الصغار لما فيها من عنف وجنس وأمور تخص البالغين، وهو أمر مشابه لما حدث مع القصص المصورة، والذي كان غالباً لجميع الفئات العمرية مثل قصص الرجل الوطواط والرجل العنكبوت، حتى ظهرت سلاسل لها طبيعة مختلفة مثل مدينة الخطيئة والتي هي للكبار فقط.
ذلك التوجه فتح مساحات شاسعة أظهرت قدرات هذه الفنون وما تستطيع تقديمه، فبعد الأفلام الرسومية الموجهة للأطفال والتي كانت حكراً على ديزني، ظهرت نوعيات أخرى من الأفلام مثل (بيرسوبلس) وهو فيلم يدور في قالب دراما سياسية عن فتاة إيرانية تهرب من الأزمة السياسية في إيران إلى فرنسا، وهو موضوع للبالغين أساساً ولن يجد أغلب الأطفال ما يجذبهم فيه، كذلك فيلم (الرقص مع بشير) وهو فيلم وثائقي يتناول العديد من المراحل الدموية في تاريخ إسرائيل خاصة مع لبنان، وهو موضوع وتصنيف غريب على الأفلام الرسومية، ولحقه العديد من التصنيفات من حركة وإثارة ورعب.. هنا بدأت تتجلى الإمكانات الهائلة للأفلام الرسومية، فقد أتضح أنها وسيط خصب لتناول مختلف الموضوعات بالعديد من الأساليب الفنية، بدءاً من الأفكار المتداولة وحتى أكثرها تطرفاً وغرائبية.
بالطبع كانت هناك محاولات فردية لإخراجها من أسر ارتباطها الشرطي بالأطفال، مثل محاولة تيم بيرتون كمخرج ومنتج لصناعة أفلام رعب رسومية، لكن لم يكن هناك توجه واضح في هوليود نحو ذلك، بعكس ما كان يحدث في اليابان والتي تعد أكبر مصنع للخيال في عالم القصص المصورة والأفلام الرسومية، وريادتها في هذا المجال تظهر بالنسبة لنا من المسلسلات التي كنا نستوردها منهم في عالمنا العربي، والتي كانت الأكثر شعبية وحضوراً في ذلك الوقت في مسلسلات مثل كابتن ماجد ومازنجر وغرانديزر وسانشيرو وغيرها الكثير، ولاحظ أن ذلك كان قبل ثلاثين عاماً كاملة، فكيف سيكون حالها الآن، حتى توقفنا نحن عن ذلك وبدأنا نستورد بدلاً منها المسلسلات الأمريكية التقليدية.
وقد توارت الفنون اليابانية عامة والمانجا خاصة لفترة من الزمن بالنسبة للمتلقي الذي أصبح يعتمد على الأعمال الأمريكية وحدها، حتى استعان المخرج كونتن ترانتينو بمشهد رسومي عنيف في فيلمه ذائع الصيت (اقتل بيل) وهو الأمر الذي تحول فيما بعد إلى موضة سينمائية يتبعها الجميع، ذلك المشهد الذي أعاد للكثير من الأذهان صناعة الأفلام الرسومية اليابانية المذهلة، ويجعلهم يبحثون عن آخر إنتاجاتها من أفلام ومسلسلات.
والآن يتبقى الجزئية الأهم وهي إمكانات الرسوم المتحركة الخيالية، دعنا نأخذ مثالاً بفيلم (كينج كونج) شاهد نسخه الثلاثة للأعوام 1933 و1976 و2005 ستجد أن الخيال محدد ومرهون بالتطور التكنولوجي لكل زمن، كونج 33 عبارة عن دمية تتحرك عن طريق تقنية بدائية بأخذ كل حركة في لقطة ومن ثم جمعها سوياً في النهاية، وألسنة النار في المنازل ما هي إلا شعلة بحجم عود كبريت تشعل بعض المجسمات الورقية الصغيرة، ثم شاهد نسخة 2005 وستعرف فارق التطور التكنولوجي عبر هذه السنوات التي تتجاوز السبعين، وعلى الرغم من ذلك ستجد مشاهد رديئة مثل مشهد مطاردة الديناصورات لفريق الفيلم، وهو ما يجعلك متأكداً أنه ربما بعد عشرة سنوات من الآن ستجد نسخة جديدة وتستطيع أعيننا تصديقها أكثر من ذلك.
تلك العين البشرية التي تستطيع تحليل نسبة الإضاءة بين جسد الممثل والخلفية التي يظهر أمامها، والحركة الإنسانية غير الطبيعية عندما تكون مصنوعة حاسوبياً، دون أن تقصد ذلك ولكنها تفعله بشكل تلقائي يجعلها تعرف أن هناك شيئاً غير مريح على الشاشة مما يمنع العقل من قبولها، من كل تلك العوامل يتضح كم أن الرسوم المتحركة قادرة على تجاوز المشاكل التقنية عبر العصور، والمشكلات الإنتاجية والبشرية والمكانية حيث تستطيع من خلالها أن تذهب أين شئت عبر خيالك.
تذكرة الخيال متوسطة الكلفة
صناعة الأفلام الرسومية ليست رخيصة هذه حقيقة لا يمكن التنصل منها، ولكنها أيضاً ليست مكلفة إلى ذلك الحد، خاصة عندما تقارن تلك التكلفة مع ما تتيحه لك من إمكانات إبداعية شتى، فبمبلغ تقديري هو مئة ألف دولار يمكن صناعة فيلم طويل لمدة ساعة ونصف الساعة، نعم يمكنك في المقابل صناعة فيلم واقعي مستقل بربع هذا المبلغ وربما أقل، ولكنك لن تتمكن أن تذهب إلى أبعد من حدود محيطك، وفي نفس الوقت يمكنك أن تطلق لخيالك العنان وتصنع فيلم أحلامك في هوليود بميزانية تبلغ مئتين مليون دولار، ولكن كيف يمكن أن تحصل على مبلغ كهذا، وكيف تعتقد أنك ستكون حراً بالفعل مع منتج يمنحك مبلغاً كهذا دون أن يحشر أنفه في كل تفصيلة من تفاصيل الفيلم، لذلك فصناعة فيلم رسومي ثنائي الأبعاد بهكذا ميزانية وطاقم عمل مكون من ثمانية أو عشرة أفراد، سيكون تذكرتك إلى أعمق أعماق نقطة يمكن لخيالك أن يذهب إليها.