مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

مخبر الدراسات العربية الإسلامية جامعة كيئو اليابانية

إنه لمن المثير للاهتمام واللافت للنظر أن نعرف اهتمام بعض اليابانيين باللغة العربية والثقافة الإسلامية، وأول ما سيتبادر إلى أذهاننا هو كيف تعامل اليابانيون ذوو العقل التكنولوجي المنفتح والاختراعات المذهلة مع لغتنا وثقافتنا؟ هل استطاعوا أن يتقبلوها؟ وهل تشكل لديهم حافزاً للاستمرار في تعلمها؟ وهل قدموا شيئاً جديداً لها يمكننا الاستفادة منه..؟ أسئلة كثيرة ستجتاح مخيلتنا التي ارتسمت فيها صور كثيرة عن اليابان وإنجازاته العظيمة. ولن يسعني في هذا المقال القصير إلا أن أتحدث عن تجربة واحدة ولكنها تجربة فريدة ومتميزة، إنها تجربة جامعة كيئو اليابانية العريقة التي أقامت مخبراً للدراسات العربية الإسلامية في حرم شونان فوجي ساوا الذي نشط بجهود الدكتور أتسوشي أوكودا.

وقد تلقى هذا المركز ولازال مساعدة كبيرة في مختلف المجالات المتعلقة باللغة العربية والثقافة الإسلامية من مركز اليابان للتعاون الأكاديمي في جامعة حلب بإشراف الدكتور أحمد المنصور مسؤول المركز وبالتعاون بينه وبين الدكتور أوكودا المسؤول عن هذا المركز أيضاً.
جامعة كيئو
تعد جامعة كيئو اليابانية من أقدم مؤسسات التعليم العالي في اليابان وقد أسسها فكوزاوا يوكيشي عام 1885 في طوكيو وهو أحد الشخصيات البارزة في اليابان فصورته موجودة على النقود اليابانية حتى يومنا هذا. تخرج من جامعة كيئو العديد من الشخصيات التي احتلت مراكز حكومية مرموقة والعديد من رؤساء الوزراء مثل جونيشيرو كويزومي (2001- 2006) وريوتارو هاشيموتو (1996- 1998). وقد صنفت في المرتبة الحادية عشرة بين الجامعات العالمية في عام 2009. ولهذه الجامعة أحد عشر حرماً في طوكيو وكاناغاوا، وقد وقع حرم شونان فوجيساوا اتفاقية للتعاون الأكاديمي والتبادل الثقافي مع جامعة حلب وأقيم فيه مخبر الدراسات العربية الإسلامية.
مخبر الدراسات العربية الإسلامية
تحظى اللغة العربية في هذا المخبر باهتمام كبير من قبل الدكتور أتسوشي أوكودا المسؤول عن المخبر في حرم شونان فوجيساوا منذ تعيينه في جامعة كيئو عام 1999. فالدكتور أتسوشي أوكودا من مواليد 1960، درس فلسفة الحقوق والتشريع ودرس في الدكتوراه الضرورة والحاجة للاجتهاد في التشريع الإسلامي، وهو يدرِّس العديد من المواد في جامعة كيئو منها: الدين والمجتمع المعاصر، مدخل التشريع الإسلامي، علم التوحيد والدراسات الميدانية للبلاد الإسلامية، اللغة العربية، تفسير الآيات القرآنية، قراءة الكتب الإسلامية المهمة. وقد عاش الدكتور أكودا في سوريا عدة سنوات ويزورها سنوياً مرتين ببعض البرامج الثقافية بالإضافة إلى بعض الدول العربية الأخرى. والدكتور أوكودا مسلم وله العديد من المؤلفات منها: هل باب الاجتهاد مغلق (ترجمة وتحرير)، وكتاب حقوق الإنسان في الإسلام، والحياة والموت في الثقافة التشريعية (تأليف مشترك), وله أيضاً الكثير من المقالات والمحاضرات والمشاركات في ندوات، وهو من يشرف على دراسة اللغة العربية والثقافة الإسلامية وكل النشاطات في هذا المخبر وله الفضل في كل ما تم إنجازه فيه من نشاطات وأبحاث.
وتلقى اللغة العربية أيضاً اهتماماً متميزاً من قبل الطلاب الذين يدرسون اللغة العربية كمقرر دراسي في كلية سياسة الإدارة ويهتمون بالثقافة العربية الإسلامية. فلا يقوم الطلاب في هذا المخبر بدراسة اللغة العربية كمقرر دراسي عليهم أن ينجحوا فيه فحسب؛ بل إنهم يعطونها جزءاً كبيراً من وقتهم واهتمامهم ويقومون بنشاطات كثيرة ومتميزة بصدد إتقانها وفهمها للتعرف على الثقافة العربية الإسلامية من خلالها. وهم لا يقومون بتلك النشاطات لمجرد التعرف على إنجازات حضارتنا؛ وإنما ليستفيدوا من تلك الدراسات بشكل واع, ويحصلوا على كل فكرة تساعدهم على بناء مجتمعهم وتطوير بلدهم بشكل أفضل، فقد بنيت العقلية اليابانية على احترام ثقافة الآخر وعدم إهمال أية فكرة أو الاستهزاء بها، فهم ينظرون إلى المدى البعيد, ولا يقفون عند حدود اللحظة الراهنة في تفكيرهم ودراستهم, وهذا ما جعلهم يبدعون ويتميزون. ومن الملفت للانتباه أن جامعة كيئو تهتم كثيراً بنتائج الأبحاث والدراسات التي يقوم بها الأساتذة والطلاب وتقوم بتمويل الباحثين لمتابعة أبحاثهم وتطبيقها بشكل فعال ومفيد.
ويهدف هذا المخبر إلى التعاون الأكاديمي والتبادل الثقافي والتواصل المعرفي من أجل مستقبل مشرق للطرفين المتعاونين. ويؤكد الدكتور أوكودا دائماً على أنهم لا يريدون أن يحصل طرف واحد على الفائدة دون الآخر فهدفهم التعاون المتبادل ليتحقق النفع والفائدة للجانبين.
وسنجد أن لهذا المخبر نشاطات متنوعة سأذكر بعضها بعد التعريف بمركز اليابان للتعاون الأكاديمي في جامعة حلب للارتباط في بعض النشاطات بينه وبين مخبر الدراسات العربية الإسلامية في جامعة كيئو في اليابان.
مركز اليابان للتعاون الأكاديمي
تم تأسيس مركز اليابان للتعاون الأكاديمي في جامعة حلب عام 1995. يهدف المركز الذي يعد الوحيد من نوعه في منطقة الشرق الأوسط كمركز للمهتمين بالدراسات اليـابانيـة؛ إلى تعـزيز التبادل العلمي وتطوير البحث الأكاديمي المتبادل بين جامعة حلب واليابان، وذلـك عن طريق إتاحة الفرص للباحثين اليابانيين بالقدوم إلى سوريا والقيام بأبحاث متعلقة بالمنطقة وباللغة والثقافة العربية الإسلامية وبتأمين المراجع اللازمة للباحثين السوريين المهتمين باليابان.
نشاطات مخبر الدراسات العربية الإسلامية
1 - مشروع القاموس الإلكتروني للغة العربية:
نشأت فكرة القاموس الإلكتروني نتيجة لما لمسه الطلاب اليابانيون من صعوبات أثناء دراسة اللغة العربية وذلك بسبب الاختلاف الكبير بين طبيعة اللغة العربية واليابانية، وخاصة فيما يتعلق بموضوع الاشتقاق، فمن الصعب على الطالب الياباني وخاصة المبتدئ أن يعرف جذر الكلمة ليبحث عنها في القاموس، فولدت لديهم فكرة هذا القاموس الذي يعرض مختلف اشتقاقات الكلمة وجذرها بالإضافة إلى معناها باليابانية والإنجليزية مع مثال توضيحي مترجم إلى اليابانية، بالإضافة إلى تحليل الجملة العربية. ومازال هذا البرنامج في قيد التطوير لتحقيق فائدة أكبر للطلاب اليابانيين الذين يدرسون العربية. وهو ليس قاموساً فقط بل هو قاعدة بيانات لها استعمالات كثيرة ومفيدة تقدم المعلومة بطريقة بسيطة وسهلة تخلو من التعقيدات وتحفظ الوقت والجهد وتشجع الطلاب على الدراسة، وهم يخططون من خلال هذا القاموس ويهدفون إلى مشروعات أكبر وذات فائدة وأهمية أعظم.
وقد قام مخبر الدراسات العربية الإسلامية قبل عشر سنوات تقريباً ببدء العمل في برنامج القاموس الإلكتروني للغة العربية بجهود الطلاب اليابانيين في جامعتهم وفي مركز اليابان في جامعة حلب عندما يزورونها في كل عام، وذلك باستخدام تقنيات الحاسوب التي ساعدت كثيراً على وجود مثل هذا البرنامج. ويقوم الطلاب بجهود مضنية أثناء العمل في هذا المشروع حيث يقوم كل طالب ياباني عندما يزور سوريا بمساعدة طالب سوري بجمع مئة كلمة حول موضوع معين ووضعها في جملة ومعرفة جذرها واشتقاقاتها وترجمتها.. ونحو ذلك, ثم تعرض هذه المفردات على المختصين وتمر بمراحل كثيرة من التدقيق والتصحيح حتى تضاف إلى القاموس الإلكتروني. ليس هذا أمراً بسيطاً على الإطلاق فمازال العمل بهذا القاموس مستمراً منذ عشر سنوات حتى الآن ولم يعرف الأساتذة والطلاب اليابانيون التعب أو الملل بل على العكس تماماً فهم في كل مرة يخلصون إلى أفكار جديدة يضيفونها إليه ليكون أفضل.
2 - تصوير مقاطع فيديو لمعرفة الوظائف اللغوية:
يقوم الطلاب اليابانيون سنوياً منذ ست سنوات تقريباً حتى الآن بكتابة سيناريوهات تبين كيفية استخدام بعض العبارات العربية في العديد من المواقف بما يفسح المجال أمامهم لمعرفة المواقف الأخرى التي يمكنهم استخدام تلك العبارات فيها. فهم يركزون على موضوع تعليم الوظائف اللغوية لتحقيق سرعة أكبر في التعلم، فعلى سبيل المثال يصورون مقطعاً عن استخدام (شكراً أو الحمد لله أو السلام عليكم....) فالشكر والحمد والسلام والثناء أو حتى عبارات الاستهزاء وغيرها.. كلها تسمى وظائف لغوية. وبعد كتابة السيناريو يقومون بتمثيله وتصويره بأنفسهم في سوريا أو اليابان بالتعاون مع الطلاب السوريين في مركز اليابان في حلب, وفي هذا تدريب جيد ونافع لهم على استخدام اللغة العربية حيث يتقوم لفظهم وتقوى ذاكرتهم اللغوية وتصبح لديهم جرأة أكبر على استخدام اللغة العربية إذ يطلب منهم خلال التصوير اللفظ الصحيح وحفظ الحوارات وإتقان التعبير عنها، وفي نفس الوقت ينتجون من خلال ذلك مادة تعليمية ممتعة ومفيدة للطلاب المقبلين على دراسة اللغة العربية في المستقبل، وقد تكونت لديهم حتى الآن مادة غزيرة من الأفلام المصورة. ويبذل الطلاب في أثناء قيامهم بالكتابة والتصوير جهوداً كبيرة وهم يستخدمون في أثناء ذلك أحدث التجهيزات التي أمدتهم بها جامعتهم للقيام بهذا المشروع. وفي الوقت الذي يقوم فيه الطلاب اليابانيون بتصوير أفلام باللغة العربية؛ فإن الطلاب العرب الذين يدرسون اللغة اليابانية يقومون أيضاً بتصوير أفلام باللغة اليابانية في جو من التعاون الأكاديمي والتبادل الثقافي المنتج، حيث يتيح مخبر الدراسات العربية الإسلامية الفرصة للطلاب العرب في جامعات المدن العربية التي لهم معها علاقات تبادل ثقافي ويزورونها سنوياً (حلب، بيروت، صنعاء، الدار البيضاء، فاس)، بتصوير أفلام باللغة اليابانية وبنفس الطريقة لتقوية اللغة اليابانية لديهم وتشجيعهم على متابعة دراستها لنشر الثقافة اليابانية وتحقيق التبادل الثقافي بين الجانبين، وهو ما يخلق جواً من الحماس والاندفاع لدى الطلاب في كل من الطرفين.
3 - إعداد وتصميم المناهج الدراسية للغة العربية المعتمدة في جامعتهم:
يسعى مخبر الدراسات العربية الإسلامية بإشراف الدكتور أتسوشي أوكودا نحو الأفضل دائماً في مجال تطوير وتحسين المناهج التعليمية للغة العربية ومختلف النشاطات المتعلقة بها, وقد وجد الدكتور أوكودا ضرورة تصميم مناهج خاصة لتعليم اللغة العربية لطلاب مخبره لتكون مناسبة لطبيعة الطلاب وأغراضهم اللغوية ونحو ذلك، وقـد تطلب هذا الأمر إرسال أحد الباحثين المتميزين والمتقنين للغة العربية إلى حلب ليقوم ببحث حول ذلك ويجمع المادة العلمية لكتبهم من مصدر أصلي، كما تطلب هذا الأمر من الباحث القيام بجمع الوظائف اللغوية من الحياة اليومية وكتابتها بالفصحى وتحليل الجمل العربية قواعدياً لإمكانية البناء عليها، ومعرفة الاستخدامات العديدة لبعض المفردات والعبارات على اختلاف المواقف وتعددها وجمع المحادثات الواقعية من الحياة وتسجيلها صوتياً ثم تحويلها إلى الفصحى، ليتمكنوا بذلك من الحصول على محادثات حقيقية وواقعية تساعد الطلاب على تقوية مقدرتهم على الكلام بالفصحى واستخدامها عندما يزورون البلاد العربية بدون أن تكون لديهم مشكلة في التواصل أو صعوبة في التفكير لتركيب الجمل، فالمحادثات التي يدرسونها في كتبهم واقعية وكذا الحال بالنسبة إلى المواقف، وبذلك فهذه الكتب تهيئ لهم فكرة جيدة عن واقع الحياة العربية وتعلمهم كيفية التعامل مع المواقف المختلفة بشكل مثمر. وهناك الكثير مما قاموا به من أجل تصميم مناهجهم الخاصة ولكن ما يهمنا هنا أنهم استطاعوا تأليف الكتب التي يدرسونها بأنفسهم وبمساعدة من بعض الأساتذة المختصين في مركز اليابان في حلب. وقد مرت تلك المواد العلمية بالعديد من المراحل حتى تم جمعها وتأليفها في كتب تتسم بالواقعية وتسهل على الطلاب استخدام اللغة بدون مشقة. وقد قاموا أيضاً بتسجيل المحادثات الموجودة في كتبهم صوتياً لضمان سلامة اللفظ ومخارج الحروف. وهكذا أضحى لديهم منهجاً مفيداً وجيداً لدراسة اللغة العربية يخلق لدى الطلاب جواً من الحماس والمتعة ويشجعهم على الدراسة.
4 - مهرجان الخريف
تقيم جامعة كيئو سنوياً مهرجان الخريف الذي تشارك فيه كل المخابر في الجامعة وذلك للتعريف بنشاطات كل مخبر بالإضافة إلى أهداف أخرى متنوعة، ويشارك طلاب مخبر الدراسات العربية الإسلامية في هذا المهرجان ويقومون بالتعريف عن نشاطاتهم، بالإضافة إلى أنهم يطبخون طعاماً عربياً ويبيعونه، كما يبيعون بعض المنتجات العربية التي يشترونها من بعض البلاد العربية التي يزورونها سنوياً كالصابون، والملابس التقليدية، وأدوات الزينة، والحجابات، والعطور، ونحو ذلك. وهم يستفيدون من النقود في تمويل بعض النشاطات في مخبرهم ودعم بعض برامج التعاون الأكاديمي، وفي نفس الوقت يعرفون بعض ملامح الحياة العربية وما تشتهر به. وما يهمنا هنا أن ما يعرضونه في هذا المهرجان يساعد كثيراً على التعريف باللغة العربية وببعض جوانب الثقافة العربية الإسلامية، الأمر الذي يشجع على دراستها وإعطاء صورة جميلة وجذابة عنها.
5 - المشاركة في معرض الأبحاث السنوي
تقيم جامعة كيئو سنوياً معرضاً متميزاً مركزه طوكيو لعرض الأبحاث التي يقوم بها الطلاب تحت إشراف أساتذتهم في كافة فروع الجامعة. ومن اللافت للانتباه أنك تجد هناك كل ما هو جديد ومميز علمياً في مختلف المجالات. وإنه لمن الجميل حقاً أن تجد زاوية خاصة لمخبر الدكتور أوكودا تقرأ فيها: التعلم من الثقافة الإسلامية والدين الإسلامي، فتعرض هناك الإنجازات التي قام بها طلاب مخبر الدراسات العربية الإسلامية. ويعد هذا المعرض من أهم نشاطات جامعة كيئو حيث تعطل أسبوعاً من أجل التحضير له، ويقوم أساتذة الجامعة بإلقاء محاضرات ويتحدثون عن مباحثهم واختراعاتهم وإنجازاتهم، ويتبادلون الخبرات والمعارف. ومن المهم أن تجد للغة العربية والثقافة الإسلامية حضوراً في ذلك المكان الذي يتسم بروعة الإبداع الإنساني والجرأة العلمية والانفتاح العقلي والنضوج الفكري. وأجمل ما في الأمر أن طلاب اللغة العربية يقومون بتقديم نتائجهم وإنجازاتهم بصورة جميلة جداً ولطيفة تجذب الانتباه وتجعلك تهتم بكل كيانك بما استطاعوا إنجازه وبما لديهم من أفكار ملفتة.
6 - اللقاء السنوي لطلاب المبحث
يجتمع طلاب مخبر الدراسات العربية الإسلامية المتخرجين والجدد وطلاب الدراسات العليا سنوياً في حرم ميتا(Mita)  المركز الأساسي لجامعة كيئو في طوكيو. وما يميز هذا الاجتماع أن الطلاب يتبادلون الخبرات ويتحدثون عن تجاربهم، فيتحدث الطلاب القدامى المتخرجين عن تجربتهم العملية ويعرضون خلاصة ما استطاعوا الوصول إليه بفضل مركزهم وأهم ما تعلموه منه، بينما يقوم طلاب الدراسات العليا بعرض ملخصات أبحاثهم المتعلقة بالثقافة العربية الإسلامية وغيرها وأهدافهم من تلك الأبحاث وإبراز قيمتها العلمية وأهميتها المستقبلية ونحو ذلك، ثم يقومون بمناقشة الأفكار في تلك الأبحاث والتعليق عليها، على حين أن الطلاب الجدد يكتسبون خبرة سابقيهم من الطلاب القدامى وطلاب الدراسات العليا ويستفيدون منها. ويقوي هذا اللقاء عزيمة الطلاب الجدد ويخلق لديهم الحماس للاستمرار في دراسة العربية والمشاركة في مختلف النشاطات التي يقيمها المخبر، كما أن هذا اللقاء يعرفهم بالنشاطات السابقة، ويعطيهم تصوراً واضحاً عما يمكن أن يقوموا به من نشاطات إذ تعرض في هذا اللقاء أفلام فيديو حول بعض النشاطات التي قام بها الطلاب من قبل.
7 - برنامج أهلاً وسهلاً ASP
بينت في البداية أن اليابانيين يؤكدون على فكرة التبادل الثقافي دائماً وقد كان برنامج أهلاً وسهلاً ثمرة لتلك الفكرة التي عبّر عنها البروفيسور أوكودا بقوله : «لا نقوم بنشاطات التبادل الثقافي لكي ندري من هم، بل نعمل معاً حتى نكون معهم (نحن الكبير) من خلال تغيير ما في أنفسنا. بناءً على هذه الفكرة هناك ثلاثة أهداف للبرنامج، الأول هو تحقيق ارتباط روحاني بين المشاركين من العرب واليابانيين من خلال النشاطات المشتركة، والثاني هو إنشاء الشخصيات المتميزة لتوسيع العلاقات الثقافية بين اليابان والبلاد الإسلامية، ولاسيما بين اليابان وسوريا، والثالث هو بناء نموذج جديد للتبادل العلمي الأكاديمي».
يقوم مخبر الدراسات العربية الإسلامية باستضافة طلاب عرب يدرسون اللغة اليابانية لمدة أسبوعين من الجامعات التي لهم معها علاقات تعاون أكاديمي وتبادل ثقافي. ويقوم هؤلاء الطلاب بدراسة مكثفة للغة اليابانية ويكتبون أبحاثاً باللغة اليابانية ويتعلمون بعض الفنون التقليدية كفن الشاي وفن تنسيق الزهور وطي الورق وارتداء الملابس التقليدية الكيمونو وفن الخط ونحو ذلك. وتأتي أهمية هذا البرنامج من الامتزاج بين الطلاب العرب والطلاب اليابانيين إذ يعبر كل جانب عن فكره وثقافته ولغته وعادات بلده ويتعرف على فكر وثقافة ولغة وعادات الآخر. ويقوم الطلاب العرب من خلال الأبحاث التي يقدمونها باللغة اليابانية بالتعريف عن ثقافتهم وتوضيح بعض جوانبها. ولهذا الأمر أهمية كبيرة وبخاصة أن وسائل الإعلام تركت فكرة سيئة جداً عن العرب والمسلمين وقد سيطرت تلك الفكرة على عقول الطلاب اليابانيين الذين يفاجؤون بصورة مختلفة تماماً حسب تعبيرهم عما عرفوه عنا بزيارتهم للبلاد العربية واختلاطهم بالطلاب العرب ودراستهم للثقافة العربية الإسلامية.
ومن خلال ما تقدم يمكننا القول إن اليابانيين في مخبر الدراسات العربية الإسلامية بما امتلكوه من مكونات في شخصيتهم وبما تعودوا عليه من أسلوب البحث العلمي المميز، وبما ألفوا القيام به من نشاطات متنوعة في مختلف المجالات؛ استطاعوا أن يحرزوا تقدماً في دراسة اللغة العربية وما يتعلق بها من نشاطات في جامعتهم شجع على ازدياد عدد الطلاب في مركزهم في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ وفقاً لإحصاءاتهم, فقد كان عدد الطلاب في المخبر خمسة طلاب فقط في البداية وقد ازداد ليصبح الآن أربعين، وما ذلك إلا لأن النشاطات التي قاموا بها متميزة وتقدم صورة جميلة عن الثقافة العربية الإسلامية التي استطاع طلاب المخبر أن يحبوها وينسجموا معها ويبدعوا في تعلمها. وليتنا نتعلم من اليابانيين طريقتهم ومنهجهم في التعلم حتى نستطيع أن ننجز ما عجزنا عن القيام به سابقاً، وليتنا نتعلم منهم التعاون والروح الجماعية في العمل فهم يعملون دائماً في مجموعات ويتعاونون في كل شيء بشكل يبهر الأنظار، فليس من المقبول عندهم الانعزال عن الجماعة، وهذا سر كبير من أسرار نجاحهم، فالفرد وحده لا يستطيع أن يحقق ما تحققه الجماعة، ولذلك تجدهم يعملون دائماً في مجموعات ويتقاسمون الأعمال حتى ولو كانت صغيرة.
وأتمنى أن نستطيع نحن امتلاك تلك الروح التعاونية لدى اليابانيين حتى نتمكن من النجاح، ونحن من يجب امتلاكها لأن التعاون والعمل الجماعي مبدأ أساسي من مبادئ عقيدتنا، ومن المؤكد أن حال التفرق والتشتت والعمل الفردي هو السبب الرئيس في عدم قدرتنا على التقدم السريع ومواكبة روح العصر. ومن المفيد جداً أيضاً أن نفهم منهج اليابانيين في البحث فلديهم طريقة في البحث العلمي لا يمكن وصفها بكلمات وهذا ما لاحظته من خلال مشاركتهم الكثير من نشاطاتهم.

ذو صلة