مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

المستقبل الماضي

يتطرق هذا الكتاب إلى قضايا البحث في التاريخ الكلي وفلسفة التاريخ وتاريخ المفاهيم، من زاوية الجمع بين تقنيات البحث التاريخي وأساليب التأمل الفلسفي.
كان كوزيليك قد تخصص في دراسة تاريخ ألمانيا من الزاويتين الاجتماعية والسياسية. درس في كتابه الأول (النقد والأزمة) (1959)، كيفية نشأة مفهوم المثقف والضمير الشخصي في العصر الحديث، واعتمد خلال ذلك نظرة نقدية متشائمة إلى قيم عصر الأنوار حينما فحص كيفية دعوة فلاسفة الأنوار إلى مواجهة سلطة الدولة الحديثة لتكريس حرية الفكر من زاوية حرية الضمير.
لكن هذا النقد الذي وجهه المثقفون لم يكن جديداً في نظر كوزيليك، لأنه كان نسخة علمانية جديدة من النقد الذي وجهه دعاة حرية العقيدة إلى الكنيسة قبل الحروب الدينية (1629 - 1649).
وإذا ما كانت نظرة كوزيليك متشائمة إلى الفلاسفة وجمهور المثقفين عامة في كتابه الأول، فإن الكتاب الذي ننشره اليوم في الترجمة العربية تبنى نظرة جديدة أقل تشاؤماً إلى التاريخ، وإلى التاريخ الكلي، وإلى الزمان التاريخي.
ولعل الفرادة التي ميزت كوزيليك في هذا الكتاب هي أنه يسير في الاتجاه المعاكس لاتجاه المؤرخين التقليديين:
إذ يفسر المؤرخ التقليدي عادةً الأحداث والبنيات التاريخية، كما هي مدونة في الكتب وموثقة في المصادر ومحفورة في الصخور ومدفونة في طبقات التاريخ، بالعودة إلى دراسة الأزمنة الماضية. فيعيد هذا المؤرخ إحياء الماضي حتى يستفيد منه السياسي والمصلح الاجتماعي والفيلسوف والمربي، وغيرهم. نفهم من هذه الزاوية التلازم الذي أحدثه المؤرخون بين كتب التاريخ وكتب العبر.
وعلى خلاف عادة المؤرخين، اتجه كوزيليك، في هذا الكتاب الذي نشره سنة 1979 بعنوان (المستقبل الماضي)، نحو (المستقبل) الذي تطلع إليه رجال الفكر والاقتصاد والقانون في العصر الحديث، حتى ينظروا من خلال مرآته العاكسة إلى الماضي. وكان الهدف هو فهم معنى الماضي والكشف عن مكنونه وسبر أغواره، دون أن يتحول الماضي إلى نموذج يتكرر في المستقبل. إذ لا تتكرر أحداث الماضي ولا يعيد التاريخ نفسه، بل يفهم المؤرخ الجديد كل حقبة تاريخية في خصوصيتها التي لا تتكرر، لأن الفاعلين الذين ينتمون إلى جيل بعينه لا يتطلعون في كل مرة إلى المستقبل نفسه الذي تطلعت الأجيال السابقة إليه أو ستتطلع إليه.
يعمل المؤرخ التقليدي على (تذكر) الماضي، دون أن يملك صورة واضحة للتاريخ الكلي ولا للمستقبل التاريخي، ولا يعلم الفائدة المرجوة من بعث الروح في كيان تاريخي محنط، ويعتقد أن مشروعية علم التاريخ تنبني على ادعاء استلهام دروس التاريخ من أجل المستقبل.
أما ما يفعله كوزيليك في هذا الكتاب فشيء مختلف. فهو لا يعمل على تذكر الماضي، بل على تذكر المستقبل، إن جاز القول، إذ يعمد إلى تأويل المعجم التاريخي الذي ظهر في العصر الحديث من زاوية نظرة الفلاسفة ورجال القانون والسياسة إلى المستقبل.
وهكذا، فحص مفاهيم الثورة والتاريخ الكلي والحدث والتنبؤ والهوية والرعب من زاوية التوتر بين التجربة الشخصية والاجتماعية وأفق التوقع، ومن زاوية البنيات التاريخية الدورية والتأويل المتجدد، وفي ضوء الحاجة إلى تسريع المستقبل بدلاً من انتظاره.
وفي الوقت نفسه، عمل ضمنياً على انتقاد المدارس التاريخية التي لم تستحضر القيم التأويلية الهيرمينوطيقية في فهم اتجاهات التاريخ الكلي والكوني وتنوع وجوه المستقبل لدى العلماء والسياسيين. وهكذا، أصبحت مهمة إعادة تشييد الماضي ثمرة فحص المستقبل من زاوية (البحث التاريخي) التوثيقي الدقيق وتوجهات مدارس (التلقي والتأويل) الألمانية.

الناشر: دار الكتاب الجديد، بيروت، 2026.

ذو صلة