يطرح الكتاب قضية قديمة متجددة تتصل بموقف النقد العربي من شعر المحدثين في العصر العباسي، وهي قضية طال حولها الجدل بين الدارسين قديماً وحديثاً.
ويشير المؤلف في مقدمته إلى أن هذه الدراسة جاءت بدافع مراجعة التصورات الشائعة لدى عدد من الباحثين المعاصرين، الذين رأوا أن أوائل النقاد العرب قد تعصبوا للشعر القديم ووقفوا موقفاً سلبياً من محاولات التجديد التي قادها شعراء المحدثين.
ويؤكد الدكتور عبدالحكيم راضي أن هذه الصورة تحتاج إلى إعادة فحص دقيق في ضوء نصوص التراث النقدي ذاتها، بعيداً عن الأطر التاريخية الجاهزة أو الأحكام المسبقة، ولذلك عمد في كتابه إلى تتبع جذور المسألة منذ بداياتها، ومناقشة آراء الدارسين المحدثين، كاشفاً ما تنطوي عليه بعض هذه التصورات من إشكالات لا يمكن حلها إذا ما تمسكنا بها دون مراجعة.
ويتوقف المؤلف عند مواقف النقاد الأوائل من دعوات التجديد، كما تمثلت في تجارب شعرية بارزة، مثل دعوة أبي نواس ومذهب أبي تمام، موضحاً أن اهتمام النقاد بالشعر القديم لم يكن بالضرورة تعصباً ضد المحدثين، بل كان مرتبطاً بوظائف ثقافية ومعرفية أداها الشعر القديم في الحياة العربية، وبأدوار علمية اضطلع بها هؤلاء النقاد، كالرواية والحفظ والتوثيق.
كما يحلل الكتاب أسباب وقوع بعض الدارسين في العصر الحديث في تصور تعصب النقاد الأوائل، مرجعاً ذلك إلى إطار تاريخي غير دقيق، ساهم في ترسيخه بعض القدماء، ثم جرى تداوله دون تمحيص.
ويشدد المؤلف على ضرورة توافر شروط منهجية واضحة عند قراءة التراث الأدبي والنقدي، تضمن فهم النصوص في سياقاتها الحقيقية، بعيداً عن إسقاطات معاصرة قد تفضي إلى نتائج مضللة.
ويعترف الدكتور عبدالحكيم راضي أن هذا الكتاب يمثل باكورة إنتاجه العلمي، إذ أنجزه في مرحلة مبكرة من حياته الأكاديمية، وقد نُشرت أجزاء منه آنذاك في مجلات أدبية متخصصة، قبل أن يظل في مجمله ضمن رسالة جامعية محفوظة بمكتبة جامعة القاهرة. ويشير إلى أنه أعاد قراءة العمل قبل نشره في صورته الحالية، فحذف ما رأى فيه أثراً لاندفاع الشباب، وأضاف ما يدعم فكرته الأساسية التي ظل مؤمناً بها.
وتعد سيرة الدكتور عبدالحكيم راضي نموذجاً للأكاديمي الذي جمع بين الصرامة العلمية والقدرة على مخاطبة القارئ العام. فقد عمل أستاذاً جامعياً وأسهم في تكوين أجيال من الباحثين، عُرف بينهم بسعة الاطلاع ودقة المنهج والحرص على احترام النص التراثي.
كما ارتبط اسمه بالإشراف العلمي على سلسلة (الذخائر) الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، التي أسهمت في إتاحة نصوص تراثية مهمة لجمهور واسع، في صورة علمية رصينة تحظى بتقدير الأكاديميين والمهتمين بالثقافة العربية على السواء.
وعبدالحكيم راضي (1939) هو أستاذ النقد الأدبي العربي، درس في جامعات عربية عدة، ومؤلفاته:
نظرية اللغة في النقد العربي (1976)، النقد والتجديد في الشعر العباسي (1978)، النقد العربي وشعر المحدثين في العصر العباسي: محاولة لقراءة جديدة (1993)، النقد الإحيائي وتجديد الشعر في ضوء التراث (1993)، ظاهرة الخلط في التراث والنقدي بين المعنى الأدبي والمعنى الاجتماعي (1997)، مداخل في قراءة التراث العربي (2005)، الأبعاد الكلامية والفلسفية في الفكر البلاغي والنقدي عند الجاحظ (2006)، دراسات في النقد العربي (التاريخ - المصطلح - المنهج) (2007)، من آفاق الفكر البلاغي عند العرب (2016)
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2026.