مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

الأم المثالية كلفة الكمال والمعيار المستحيل

كانت مسابقة الأم المثالية ومعاييرها وشروطها المنقولة نصاً من ChatGPT، مع الكثير من الوجوه التعبيرية الصفراء والورود الملونة، في مجموعة واتساب لأمهات فصل طفلي؛ التحريض الأخير الذي سبق كتابتي لهذا المقال، جاءت قبله استفزازات كثيرة مطعمة بالرفق والرحمة والاهتمام، ومرمية في وجهي بنبرة استهجان على هيئة أسئلة استنكارية أو تعليقات دخيلة حول أمومتي وتعاملي مع أبنائي. وأنا التي آمنت كل يوم، ومنذ اللحظة التي وهبني الله هبته ونعماءه، أن نصيبي من الثراء والجمال والدهشة والسرور، في هذه الدنيا، هو أمومتي.
ثمة صورة نمطية تكاد تسبق المرأة إلى الأمومة: الأم الصبورة دائماً، والحاضرة دائماً، والقوية دائماً، وهي نفسها الأم المنهكة دائماً، والتعيسة دائماً، والمضحية دائماً، صورة ضاقت بها الفضاءات والخيارات التي يُسمح فيها للأم أن تنفصل ولا تتماهى، أن تكون إنسانة دون توقعات أو شروط، أن تخرج من سباقٍ محمومٍ تُطالب فيه بالركض دون توقف، وحين تصل، أو ربما لن تصل، تختفي كينونتها داخل حياة أبنائها، وتتضاءل رغبتها الصغيرة في أن تنظر إلى ذاتها مرة أخرى.
أتذكر المرة الأولى التي بكيت فيها أمام طفلتي وهي تبلغ العاشرة من عمرها، بمعنى أنني استطعت أن أخفي بكائي عنها طيلة عشر سنوات كاملة، قالت: (ماما كيف تبكين؟ الأمهات لا يبكون)، حينها عرفت أنني أتجلد قسراً، وأنني، من غير وعي مني، أنقل لها الصورة التي أحاربها، صورة الأم الجبارة، المعلبة دون لون، القاهرة دون دموع، المتفانية بدقة عملية حسابية.
حين أقول: (أقدس أمومتي)، فأنا أقدسها مني وإليَّ، لا أريد لأحد أن يقدسها فيحمّلها ويحمّلني ما لا نطيق، أن يحولها إلى صورة البطلة الخارقة التي لا يمكن أن تخطئ أو تتعب أو تُقصِّر أو تغيب، أن تكون حاضرة مثل آلة، مكومة في زوايا البيت مثل كاميرات المراقبة، موبوءة بكمال لا تشوبه شائبة ولا يعتريه نقص، مثل لوحة أو قصيدة، مثل ملاك سماوي، يرفرف بأجنحته الكبيرة فيغطي البيت وجدران البيت وأثاث البيت، لا تأخذه الغفلة، ولا يأتيه النوم. هذه الصورة المقدسة تثقل الأم فتجعلها تحت حمل الصواب الكامل وثقل احتمال التقصير، وتظهر هذه الأزمة النفسية بوضوح حين توصم الأم بالذنب لو رغبت في الابتعاد عن هذا الدور قليلاً، أن تختلي بنفسها، أو تسافر دون أبنائها مثلاً، مع أنها تمارس طقوس التعويض المسبقة قبل ذلك على كل صعيد، فتضمن احتياجاتهم، وتهيئ لهم ما يريدون، وتشتري لهم هدايا تلهيهم عن غيابها، أو ترتب جدولاً مع من سيرعى أبناءها كي لا يحسوا بالوقت في غيابها، وقد تعدهم بسفر لاحق هو صك الغفران عن خطيئة غيابها، ثم تزرع نفسها في كل بقعة حولهم، فتضع نسخة احتياطية منها في حقائبهم، وأخرى في الثلاجة، وثالثة في جداولهم، ورابعة أو عاشرة في يد من سيرعاهم، وهي في هذا كله تحاول أن تشحن طاقتها من جديد، من أجلها ومن أجلهم، كي تستطيع المضي قدماً في ترتيب القوائم الطويلة القادمة، من متابعة المواعيد، إلى صنع الطعام، إلى التفكير في الصحة والمدرسة والمشتريات والحالات النفسية والعلاقات الاجتماعية لأطفالها، وما ينبغي أن يُفعل اليوم، وما يجب أن يُنجز غداً، فتخطط وتنسق وتحفظ وتقرر في ذهنها قبل أن يتحول ذلك إلى أعباء مرئية، في حالة أشبه بتأهب عقلي مستمر ومتواصل ومتتابع وخطير، قد يبتلعها أحياناً داخل ثقب سحيق دون أن تشعر.
تبدأ التوقعات أحياناً منذ الحمل والولادة، فتُقدَّم بعض الاختيارات المتعلقة بجسد الأم، ومنها الرضاعة مثلاً، داخل خطاب يجعل احتياجات الطفل أولوية طاغية في وقت قد لا يتوافر فيه للأم دعم كافٍ أو اعتراف، على الأقل، بالصعوبات التي تواجهها، أو مدى استعدادها لتوفير هذه الاحتياجات، فالله خلقنا بقدرات نفسية وجسدية مختلفة، وظروف متباينة أيضاً، قد تستطيع أم أن تفعل ذلك، في حين أن أمّاً أخرى تموت ألف مرة لأنها لا تستطيع، فتقع تحت ألسنة النصائح الطويلة، من الأسرة، والأطباء، وحسابات التربية، ومقاطع منصات التواصل الاجتماعي التي تقدم (كتالوجاً) مقنناً لما يجب أن تفعله الأم في شكل منظومة كثيفة من المعايير والخبرات، فتقع الأم، ولا سيما الجديدة، تحت طائلة مراقبة مستمرة، وخوف دائم من أن يؤثر أي قرار صغير في مستقبل وليدها، وهكذا، يتراجع الكمال المطلوب خطوة أو خطوات، في كل مرة تحاول أن تقترب منه.
وهناك ألم آخر: أن تكون أمّاً عاملة أو دارسة، فهذا يعني أنها في حالة ذعر دائم يأكلها دون ميعاد. أتذكر مرة أنني اختبرت طالبة بعد إجازة الولادة، كانت مضطربة اضطراباً شديداً لا يشبه خوف الاختبارات، تهتز بشدة، وتنظر إليَّ مرة بعد مرة وكأنها تحاول أن تقول شيئاً، سألتها، فترددت، ثم قالت: (تسمحين لي أفتح الكاميرا في جوالي، أول مرة أترك طفلتي وأريد أن أطمئن)، وافقت مباشرة، وحين فتحتها قلبت لي الجوال لأرى، كانت الرضيعة نائمة بأمان، وبدأت الطالبة في الحل وهي تسترق النظر إلى الشاشة، كان هذا المنظر عظيماً وآسراً وحزيناً في آن واحد، فالملاك الحارس قد لا يستطيع الوقوف على حافة السرير دائماً، قد يبتعد مرغماً ويراقب المهد الصغير بنصف جناح.
الأم بحاجة إلى أن تلتئم، أن تتواسى وتتساوى، أن تداوي جروحها بضماد كبير، أن تحب وتضيق، وتعطي وتحتاج، وتصيب وتخطئ، أن تحب أمومتها وتستمتع بها، وتشتاق إلى نفسها في أحيان أخرى، وألا تمتزج أو تذوب، والاعتراف بهذه التناقضات لا يقلل من الحب، وإنما يحرره من فكرة التجنيد الإجباري.
والطفل بحاجة إلى الأم السعيدة. أقول لأمي عن طفولتي: نسيت الطعام، ونسيت التدريس، ونسيت الأثاث، ونسيت ترتيب خزانتي، ونسيت أعمالاً منزلية كثيرة ومتعبة وملزمة وعظيمة كنت تفعلينها، لكنني لم أنس ضحكاتك، لم أنس اللعب، لم أنس حين كنت أتدحرج فوقك ثم ترفعينني عالياً ونكركر، لم أنس (السطح) الذي كنا نجتمع فيه ونضحك كثيراً على نكات مكرورة، لم أنس ابتسامة أمي أبداً، كانت ضوء الشمس، كانت رائحة الجنة، كانت غاية المنى، ابتسامة أمي هي اللذة الوحيدة التي لم تستطع السنوات أن تطفئها، كلما أظلم شيء في داخلي، وجدتها تشتعل هناك من جديد، كأن أمي خبأت، في ضحكتها تلك، نجمة صغيرة تكفيني ما حييت.
ربما نحتاج إذن إلى قلب السؤال من: هل أنا أو أنتِ أو هي أم مثالية؟ إلى: هل أبنائي محبوبون وآمنون؟ هل أسرتي وطن؟ هل بيتي مسكن؟ هل نتعامل مع أبنائنا بمسؤولية؟ هل نتعلم من أخطائنا دون عبء الملامة؟ هل نعطيهم بصدق؟ وهل بقي لنا مكان داخل حياتهم التي نبنيها لهم؟ غرفة خلفية قصية أو مجلس أمامي كبير؟ هل نحن معهم أم فيهم؟ والمهم أن نتوقف عن الاستنزاف العاطفي والجسدي والمادي، فالنوم ليس أنانية، والوظيفة ليست منافساً، ولحظة غضب واحدة لا تلغي أوقات الحنان المتدفقة. والأهم أن نكون أقل إنهاكاً، وأكثر حضوراً، وأقل لهاثاً، وأكثر طمأنينة إلى أمومة حقيقية تحب وتتعثر.
إن أخطر ما في صورة الأم المثالية أنها تبدو تكريماً أو كرماً في ظاهرها، بينما قد تتحول إلى عقد عمل مزعج ومفتوح قد لا تستطيع أي امرأة الوفاء ببنوده الطويلة، وربما يكون من الإنصاف الحقيقي للأم ألا نرفعها فوق منزلة الإنسان، فنطالبها أن تتحول إلى كائن أسطوري خارق لها مئة يد، ومئة عين، ومئة قلب، تتنفس في حضرة الأبناء وتموت في غيابهم، وتحمل منصباً كونيّاً معجزاً لا يسمح لها أن تنزل من السماء قليلاً. على الأم أن تتثاءب، أن تنسى، أن تغلق الباب يوماً، أو تقول ببساطة: (لا أستطيع)، وربما يجب أن نعيدها بطائرة شراعية إلى الأرض، إلى الممكن: امرأة من لحم ووقت وذاكرة مشوشة، تحب كثيراً وتفشل قليلاً، ليست خالدة تؤجل توقفها الداخلي إلى أجل غير معلوم، وليست تياراً كهربائيّاً لا ينقطع، نريد أماً تملك مقعداً وثيراً مريحاً تجلس عليه أو تتكئ، لا عرشاً تُصلب فوقه، وتأوي إلى غرفة باردة وحنونة، بابها مفتوح أو مغلق أو موارب، لا إلى معبد تبقى أبوابه مشرعة للزائرين ليلاً ونهاراً دون إذن ولا فرصة.
من العدل أن نترك للأم بعض الأوراق تتساقط، وبعض الأغصان تستريح، وبعض المواسم تمر دون ثمر، وبعض الأحلام التي تحمل اسمها وحدها، فالأمومة التي تلتهم المرأة كاملة لا تصنع حباً أكبر، لكنها قد تصنع غياباً وشرخاً وهلعاً ووحشة لا تبرأ، والأبناء لا يحتاجون إلى أم أحرقت نفسها لتصنع لهم الضوء والدفء، يحتاجون إلى أم تبقى في الضوء دون احتراق، وأن يعرفوا أن في البيت وخارج البيت مصابيح أخرى كثيرة تضيء أرواحهم والطريق والمكان.

ذو صلة