مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

شوارب القط

دخل رجل وهو يقود شاباً في مقتبل العمر على شيخ القرية المعروف عنه بأنه يعالج المرضى روحانياً، استقبلهما وهو قابع في مكانه يحاصرهما بنظراته الثاقبة حتى جلسا إليه، الأجواء مشحونة بالدخان تتضوع منه روائح غريبة من بخور وأعواد تحترق، ما أعطى الزائرين الشعور بالريبة.
قال الشيخ للرجل قاصداً الشاب:
وجهه شاحب كالموتى، وأصفر اصفرار الكركم.
جفل الأب وتمسك بيد ابنه بقوة، وقد اقشعر بدنه، بأن الجزع على وجهه، واصفرت ألوانه، قال بصوت منتفض:
لا حول ولا قوة إلا بالله، لهذا جئتك به، هذا ابني حمد فجأة استبد به السقم حتى هجره الحيل، تدهورت صحته تماماً، ماهي مشكلته يا شيخ؟
احتوشت نظراته وجه الشاب الذي يتحرك حركات لا إرادية وقد خارت قواه تماماً، وقال شارحاً له الحالة:
سبب المشكلة، قط كبير في العمر، هو بمثابة شيخ وقور عند قومه، ابنك هذا قطع شوارب القط فأصابته لوثة منه، ولن تزول عنه هذه اللوثة حتى ينبت الشارب من جديد.
رفع أصبعه السبابة محذراً:
وإن مات ذلك القط قبل ذلك سيموت ابنك معه.
تبادلا النظرات.. مازال حائراً، أضاف الشيخ:
هناك طريقة واحدة فقط للحفاظ على حياة هذا الشاب، عليك أن تعتني بذلك السنور، لا تتركه يمرض ولا يغيب عن عينك، لا تدعه يرحل، غذه جيداً حتى ينمو شاربه، وتوسل إلى الله أن تنبت شعيراته، هذا علاج ابنك الوحيد.
ثم أضاف بتحذير شديد:
اهتم به جيداً، وراقب صحة ابنك، إذا لم يتماثل للشفاء، عد إلي ونسيل الدم فداء له!
عاد الرجل بولده الشاب حمد إلى البيت الكبير الذي يضمّ أسرة متوسطة متداخلة فيها النسوة والصبيان والبنات، استقبلتهما قلوب واجفة منفطرة، وأعين تنظر في هلع، وأفواه متسائلة في صمت باستفسارات متعجلة، قالت الجدّة وهي ترمق الشاب بنظرات فيها قلق كثير:
هل عرفت سبب المعضلة يا بني؟
شرع يوصف بالضبط كما قال الشيخ سبب العلة والعلاج.
وجميع الأسرة تسمع له في تساؤل وتعجب.
ثم ضاقت الدنيا عليه بما رحبت، منذ عاد إلى المنزل لم يجد القط، تخندق داخل ذاته محتمياً ببقايا من أمل بأن يعود في آخر الليل، هو قطهم الأليف الذي عاش وتربى بينهم حتى وصل إلى هذا العمر، وسيرته داخل البيت حسنة، كان دائماً مأثوراً لدى الكبار، حبيباً أليفاً مع الصغار، لم يعرف بيتاً غير هذا البيت في القرية وإن غاب يعود حتماً.
وهو متعلق أكثر بابنهم حمد الذي وصل إلى سن الرشد وبدأ يحلق ذقنه وشاربه.
ذهب إليه والده ليطمئن عليه وجلس بالقرب منه وهو خائر القوى سأله:
ماذا فعلت بالقط يا بني؟ لم أجده في المنزل ولا في الحارة، بحثت عنه في الطرقات والأزقة بلا جدوى.
رد أحد إخوته قائلاً:
حمد قص شوارب القط وهو يحلق ذقنه كان يفعل ذلك مازحاً، فجأة انتفض وهرب منه بأقصى سرعة وهو يصطدم بكل ما يواجهه واختفى من وقتها.
ضرب على أم رأسه جزعاً حائراً في أمره ثم التفت إلى حمد:
لا أعرف كيف فعلت هذا يا بني! تقص شوارب القط متسلياً بفعلك، بينما خسرت صحتك وقد تخسر حياتك كلها! قد يقع من على جدران السطوح، ويضيع ولا يدل طريقه ولا يعود.
بكى حمد بوجع شديد وهو يتلوى ويردد:
-أنا آسف يا أبي، أرجوك ابحث عنه وجده.
***
لمح تلك النظرات العابرة إليه ظهر اليوم التالي، فأثارت لديه الأمل بأنّهم وجدوه. يعلم كثيراً كم يثق به ابنه، لن يصعب عليه إيجاد العلاج المناسب لهذا المرض الذي حل عليه.
اقترب منه ذلك الصبي وقال:
يبدو أن القط اتجه نحو المزارع والنخيل لأني لم أجده في الجوار أبداً، وقيل لي بأنه هرب إلى هناك.
أطرق برأسه، وسهم طويلاً، ثم مضى وهو يقول:
تعال معي.
شارك أولاد الحارة في بحثهم الذي لم يتوقف حتى جثم ظلام الليل وعتمت طرق القرية كلها لتبدو مخيفة، فصار الأولاد أثناء البحث متوجسين، يشق عليهم البحث في ذلك الظلام الدامس.
بقي مكبلاً بهاجس فقدانه إلى الأبد، مشاعر خوف حبيسة تؤسر قلبه المتوجس خيفة على ابنه، توقف عن البحث وبقي حائراً في مكانه.
ليله الآمن الذي لا يعرف فيه سوى السكون والأمان والنوم العميق، تبدل بضجيج أقض مضجعه، تعربد كلمات الشيخ في خيالاته، فيرقع وجيب قلبه في صدره الفارغ إلا من خوف وهواجس ليس لها نهاية.
يشعر بزلزال نفسي مدمّر، يتذكر مقولة الشيخ: (وإن مات القط قبل نمو شاربيه سيموت ابنك معه).
يعتدل جالساً على فراشه مسنداً رأسه إلى الحائط، ويتساءل في قلق:
ماذا إن لم يظهر ذلك السنور؟ هل سأفقد ابني؟!
***
أفاق حمد بعينين ذابلتين لا تريان إلا أشباحاً مبهمة، صحا من غفوة كأنها الموت لا يدري منذ متى بدأت هذه الغفوة وإلى أي مدى امتدت هل ساعات، أيام، ثوان! لا يعلم.
فقد إحساسه بالزمن تماماً، تقرفص على نفسه وغرق في هواجسه وأوهامه، ركز نظراته في سحابة الأشباح من حوله، وفكره يغرق في بحر غزير من الغموض، والأوهام، والأسئلة!
وتصرمت أيام ثلاثة، توجس فيها كثيراً، وزادت حالته سوءاً، بدا توجسه أمراً ملحوظاً، تغلي تلك المخاوف والهواجس المخبوءة غليان الماء في داخله وتجعل كل ما حوله كاتم، روحه تحترق، والأسرة في حزن شديد وذلك القط لا يكاد يظهر.
شعر وكأنه ارتطم على وجه الأرض، وغاب في غيبوبة لا يعرف أمدها، ثم يد غريبة تمسح جبينه، توقظه من سباته، وتنتشله من منامه، تهزه اليد، والصوت يناديه في هدوء:
حمد.. حمد.. حمد..!
هو يأن وخدر شديد في كل مفاصله.. يفتح عينيه، يرى ذلك الشيخ بالقرب منه، يتسلل صوت والده إلى أذنه وقد كساه الأمل وهو يلقي إليه بالبشرى:
بني.. الحمدلله.. لقد وجدناه أخيراً.
تنفس حمد بتعب شديد.. حدسه أخبره بأن لوجود الشيخ علاقة بعودة القط، غمغم وهو يعود لغفوته:
أنقذني.. أنقذني.
رد والده وهو يقبض بيديه عليه حتى لا يهرب:
نذراً علي يا بني، لن أترك هذا القط قبل أن تكتمل شواربه، وتستعيد عافيتك.
تصرمت الأيام بالانتظار والقلق من الجميع، حتى هدأت تلك الثائرة، وقد نذر نفسه للعناية به ليلاً ونهاراً، حرص على إبقائه داخل المنزل طوال فترة نمو شواربه، خوفاً عليه من أي إصابات، تتبع خطواته وحرص على إنقاذه من الوقوع، بينما ابنه يصحو من غيبوبته ليسقط فيها من جديد.
لوحظ من العائلة كلها أنه كلما طالت الشوارب قليلاً تحسنت صحة حمد وبدأ يستعيد قوته شيئاً فشيئاً، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي عاد الوالد من الخارج ووجد القط ميتاً في مكانه.

ذو صلة