أحبت العرب خيلها، فباهت بها، وتماهت معها حد الأنسنة، وفاقت بمحبتها شعوب الأرض، وتقاتلت لأجلها في الجاهلية بما عرف بحرب (داحس والغبراء). وجاء القرآن الكريم فذكر أن الخيل المسومة مما زين للناس، محبةً واهتماماً، وأقسم الخالق بالعاديات وفعلها في ميادين القتال والفروسية. وحث الإسلام على تربيتها والاهتمام بها، حتى قال فيها النبي الكريم: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة).
اختلفت الروايات والمرويات حول أوليات الخيل العربي الأصيل، وبكل الأحوال فإن صفات الخيول العربية الأصيلة هي نتاج صفاء سلالة هذه الخيل والحفاظ عليها جيلاً بعد جيل، فالرشاقة والرقة وتناسق الوجه ودقته وشموخ الصهوة وأناقتها، وجمال العينين واتساعهما.. وغيرها من الصفات التي اتسمت بها خيل العرب؛ جعلتها محط اهتمام العالم، أما أهل تلك السلالات فلهم شأن آخر، لأن الخيل بالنسبة لهم (صورة أخرى من صور الإنسان).
ثم إن البطل العربي ارتبط بالخيل، فصفة (الفارس) مشتقة من الفرس، لكن العرب ردت للإنسان الاعتبار حينما قالت (الفرس من الفارس)، وتسامى العربي في المحبة كعادته فأسمى ابنه (فارس) و(جواد) وابنته (مهرة) و(فلوة).. وغيرها من الأسماء التي تعبر عن احتفال العربي بالخيل وعشقه الأبدي لها.
في ذات السياق فسر العربي رؤية اقتناء الفرس أو المهرة في المنام بالزوجة الجميلة الرشيقة، وتغنّى بها في شعره، في محاولة لأنسنة هذا الكائن الجميل، ولم يحمل عليها جسده ومتاعه فقط، بل علق عليها آماله ورؤاه تجاه الحياة والطبيعة.
الخيل لدى العرب ذاكرة الأجيال، تعيش معهم وتتناسل وفق معرفتهم بسلالاتها التي يحفظون تواترها، ويحافظون عليها من الاختلاط، وهنا علقت العرب في رقاب الخيل الحجج (شهادات الأصول) التي تحفظ تسلسلها ومولدها وسلالاتها، ومن جميل ما اعتاد عليه أهل البادية والريف في بلاد العرب أن شراء الخيل الأصيلة يعد بمثابة المصاهرة، وقد يلزم الأمر التعاقد والتزام الشروط، كأن يلتزم المشتري بإعادة أول مولود إلى البائع، وهنا تكون العلاقة ممتدة لأجيال وأجيال، وكم بنت الخيل من روابط بين مجتمعات متباعدة قربتها الخيل، في أبهى صور الأنسنة واحترام الكائنات.
ومع أن الخيل من السلالات غير العربية قد تتمتع بأحجام أكبر، وقدرة فائقة على التحمل، خصوصاً في النقل والتنقل؛ إلا أن سمة خفة جسم الخيول العربية ورشاقتها وجمالها، واتساع فتحات الأنف وقصباتها الهوائية؛ جعلت سلالاتها في مرمى الطلب، إذ إن هذه السلالات وصلت أوروبا وأمريكا وأستراليا، من خلال نافذة الأندلس تجاه أوروبا، وقد تكون هذه السلالات هاجرت مع العائدين من الحملات الصليبية إلى أوروبا.
وفي الضفة الأخرى من العالم اهتم الهنود باقتناء الخيل العربي، ونقلت مواكب التجار العرب المسلمين المتجهين إلى شرق آسيا عبر طريق الحرير تصوراً عميقاً لقيمة الخيل العربي، حتى دخلت هدية الجواد العربي قصور أباطرة الصين، وبذلك تمتعت هذه السلالة بسمعة عالية جعلتها تأخذ سمة العالمية، وإلى يومنا هذا ينافس الجواد العربي سلالات العالم في السباقات، ويحرز فرسانه أعلى الجوائز، في شهادة حقيقية عالمية بقيمة هذا الكائن المرتبط بالعروبة، المعبر عنها دوماً بصدارتها وإنسانيتها وقدرتها على البقاء والتواصل، عبر رحلة الطبيعة والإنسان.