صوت عجلات الحقيبة ينساب فوق أرضية مطار لوس أنجلوس بإيقاع رتيب، كأنه لا يعرف التردد.
انعكست أضواء السقف على البلاط اللامع، واختلطت رائحة القهوة بنداءات الرحلات وهمهمات المسافرين. شددت قبضتي على مقبض الحقيبة. لم يكن في المشهد ما يثير القلق، ومع ذلك شعرت أنني أغادر شيئاً أعرفه، لا مدينة عشت فيها.
في الطائرة، مقعدي في آخر الصفوف.
جلس إلى جواري شاب في أواخر العشرينات، لم يحمل معه سوى حاسوبه المحمول. وضعه أسفل المقعد، ثم نهض ليساعدني في رفع حقيبتي إلى الخزانة العلوية. وما إن أُغلقت حتى ارتد صداها في داخلي، كأن باباً أُسدل على عشر سنوات كاملة.
عشر سنوات في أمريكا.
بين المختبرات وقاعات البحث ورسالة الدكتوراه في الهندسة النووية، اعتدت أن أصدق الأرقام. لكل نتيجة سبب، ولكل تجربة تفسير، ولكل سؤال إجابة يمكن البرهنة عليها.
إلا الإنسان.
تعلمت الإنجليزية حتى كدت أنسى لغتي الأم. عرفت المدن شارعاً شارعاً، وكونت صداقات كثيرة، لكنها كانت تنتهي عند حدود المجاملة. لا أحد يعرف كيف كان أبي يناديني، ولا كيف تفتح أمي النوافذ مع أول ضوء.
ولم أقترب من العرب.
لم أسأل نفسي يوماً عن السبب.
اهتزت الطائرة قليلاً.
أنزلت القناع عن وجهي لأتنفس، فوجدت الشاب قد أغلق حاسوبه، وأراح رأسه إلى المقعد.
قال دون أن يلتفت:
عائدة؟
نعم.
بعد غياب؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
طويل.
ظل صامتاً لحظة، ثم قال:
أكثر ما اشتقت إليه ليس الأماكن.. اشتقت إلى صوت أبي وهو يوبخني ثم يضحك، وإلى أمي حين توقظني لصلاة الفجر، وإلى رائحة الشارع بعد المطر. أشياء لا تصنع مستقبل الإنسان.. لكنها تمنعه من أن يضيع.
سألته:
وهل تغيّر الوطن؟
ابتسم وقال:
يتغيّر مثلنا.. لكنه لا ينسى أبناءه.
ثم التفت إليّ للمرة الأولى، وقال بعفوية لم يقصد بها شيئاً:
لا تقلقي يا خالة.. ستعرفين ذلك من أول خطوة.
توقفت الكلمة بيننا.
يا خالة..
لم تؤلمني لأنها وصفت عمري، بل لأنها أيقظت سنوات مرّت دون أن ألتفت إليها.
عادت إليّ صور متفرقة، بلا ترتيب: يد أمي وهي ترتب ياقة مريولي المدرسي، أبي يلوح لي من آخر الفناء، أول ليلة في السكن الجامعي، أول عيد قضيته وحدي، وأول شعرة بيضاء رأيتها في المرآة ثم أقنعت نفسي بأنها لا تستحق الانتباه.
أعدت القناع إلى وجهي.
لا خوفاً من العدوى..
بل لأنني لم أعد أرغب في أن يراني أحد.
وقبيل الهبوط، انساب من سماعات الطائرة صوت طلال مداح.
لم أحتج إلى أن أميز اسم الأغنية.
كان صوته وحده كافياً.
هناك أصوات لا تعيد إلينا الذكريات..
بل تعيد إلينا الأشخاص الذين كناهم.
عندها فقط فهمت شيئاً تأخر عشر سنوات.
لم أبتعد عن العرب لأنني اندمجت هناك.
ابتعدت لأن الاقتراب منهم كان سيوقظ في داخلي حنيناً لم أكن أملك شجاعة مواجهته.
أُعلن الهبوط.
خرج الشاب أمامي، وما إن تجاوز باب الطائرة حتى انحنى ساجداً في هدوء، كأن أحداً غير معني بتلك اللحظة سواه.
وقفت خلفه.
ثم خطوت خارجه.
ليس في صالة الوصول ما يميزها عن مطارات كثيرة عرفتها: الزجاج نفسه، والأرض اللامعة نفسها، ولوحات الإرشاد نفسها.
لكن الهواء..
كان يحمل ألفة لا تُرى.
لا أعرف أكانت رائحة مكان، أم ذاكرة عمر، أم شيئاً لا تلتقطه الحواس إلا بعد غياب طويل.
ابتسمت.
وأدركت، للمرة الأولى، أن أصعب ما في الغربة ليس أن تبتعد عن وطنك..
بل أن تؤجل الرجوع إلى نفسك.