مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

(التوب) الزي التقليدي القومي للمرأة السودانية

الثوب السوداني زي تراثي يندرج تحت مجال الفنون الحرفية التقليدية من مجالات التراث الثقافي غير المادي السوداني، ويسمى في اللغة العامية السودانية بـ(التّوْب)، كما عرف بهذا الاسم في كل ربوع السودان على تنوع ثقافاته وتعدد لغاته المحلية. إذ يمثل الزي القومي لجميع نساء السودان في كل المناطق الجغرافية المختلفة. ويرتبط التوب بعدة تقاليد تراثية واجتماعية وكثير من الطقوس والاحتفالات وكذلك التقاليد الشفاهية وأشكال التعبير الشفهي. التي يحضر فيها بأشكال وألوان متعددة ومتعارف عليها.
ترتدي غالبية نساء السودان التوب، وتحديداً النساء المتزوجات كزي تقليدي، بينما ترتديه غير المتزوجات في بعض الحالات الاستثنائية كتمثيل السودان في المحافل الداخلية أو الخارجية، وأيضاً في المنزل لاستقبال الزوار، والصلاة، وفي التجول داخل الحي للزيارات القريبة غير الرسمية. وهو تراث حاضر في ثقافة وموروث كل القبائل السودانية مع وجود اختلافات طفيفة بين قبيلة وأخرى في طريقة لبس الثوب، حيث نجد مثلاً اختلافاً في طريقة لبسه حيث يتم لفه إما على اليسار، أو اليمين، كما تختلف أيضاً خاماته من منطقة لأخرى فنجد أن نساء قبيلة البجا بشرق السودان مثلاً يلبسن نوعاً معيناً من التياب يسمى الفوطة أو الفردة، أما بعض قبائل غرب السودان فترتدي التوب بالطريقة التقليدية نفسها ولكن يتم لفه في الاتجاه المعاكس. ولا يقتصر التوب على التراث السوداني، فهو جزء من ثقافة عدة دول أفريقية أيضاً وآسيوية، إذ ترتدي نساء تلك الدول ثياباً متنوعة الأشكال والتصاميم، وذلك في كل من موريتانيا، جيبوتي، الصومال، تشاد، وجنوب المغرب وفي الهند، ويمثل تراثاً مشتركاً بين جميع هذه الدول مما يؤكد انتشار هذا العنصر التراثي مع وجود اختلافات طفيفة في طريقة ارتدائه ومسمياته وخاماته وألوانه.
والتوب زي خارجي عبارة عن قطعة واحدة من القماش طويلة نسبياً يصل طولها إلى أربعة أمتار ونصف عادة وعرضها حوالي المتر ونصف، يلبس فوق فستان أو تنورة وبلوزة، تكون متناسقة مع ألوان الثوب ويعقد طرفي الثوب من جانبه الأعلى ويلف حول الجسد بطريقة تسمح للذراعين بالخروج ويغطي الرأس، ويسدل الجزء المتبقي منه على الكتف، ترتديه المرأة المتزوجة في الغالب كما سلف ذكره، وتتنوع ألوانه وأشكاله بحسب نوع خامة القماش، ويشكل لوحة جمالية تراثية متوارثة عبر الأجيال.
وللتوب السوداني وجود متجذر في تاريخ السودان القديم، إذ يعود إلى فترة الحضارة الكوشية من سنة 1070ق.م – 350م في شمال السودان، حيث نحتت صور الملكات المرويات في جداريات المعابد والقصور مثل تصوير الملكة أماني شخيتو وهي ترتدي التوب، وهذا يمثل أقدم دليل أثري للتوب في السودان، واستمر في الاستخدام منذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا، مما يؤكد مدى أصالة وعراقة هذا الزي الذي يمثل هوية المرأة السودانية، ثم انتشر في مناطق السودان المختلفة في شماله ووسطه وإلى كل المناطق الجغرافية في السودان بسبب التعليم والهجرات الداخلية والإعلام.
كما يرتبط التوب بالتقاليد الشفاهية وأشكال التعبير الشفهي، حيث نجد أن الشعراء تناولوا التوب في شعرهم، واستخدموه كوصف مرتبط بجمال المرأة السودانية وحشمتها وظهر في العديد من الأشعار الشعبية والأغاني ونذكر هنا على سبيل المثال:
شُفْتَ التّوْب وُمَا لَاقَانِي أَجْمَل مِنُّو
شُفْتَ التّوْب وسِيْد التّوب يُكُوْن كيْفِنُّو
وهي من كلمات الشاعر الراحل عوض جبريل، وتغنى بها الفنان أبوعركي البخيت، وهنا يقول الشاعر رأيت التوب ولم أجد أجمل منه، فيقول هذا جمال التوب فكيف يكون جمال المرأة التي ترتدي التوب، وهنالك الكثير الكثير من الأغاني، وهذا يؤكد ارتباط التوب بالتقاليد وأشكال التعبير الشفهي التي تعبر عن جمال التوب وجمال المرأة السودانية.
ارتبط التوب أيضاً بالممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات، مثل طقس (الجرتق)، وهو من الممارسات التي تعكس جانب العادات المرتبطة بالمعتقدات حيث يتفاءل الناس بهذا الطقس في الزواج كفأل حسن للزوجين لعيش حياة كريمة مليئة برغد العيش وبالرفاه والبنين، وفيه ترتدي العروس ثوباً أحمر اللون.
كذلك ارتبط بعادات وتقاليد مجتمعية مثل العزاء، فنجد ما يعرف بتوب الحداد الذي ترتديه المرأة المتوفى زوجها في فترة العدة، وهو أبيض اللون على خلاف طقوس معظم دول العالم التي ترتدي السواد في الحزن.
يتم تناقل التوب كزي تقليدي للمرأة حيث تتعلم الفتيات لبس التوب من أمهاتهن أو جداتهن فالفتاة منذ صغرها تشاهد أمها وهي تلبس التوب في المنزل أو خارجه وتبدأ بتقليد أمهــا في لبســـه ثــــم تعتاد على لبسه في سن أكبر لتلبسه في استقبال الضيوف أو للزيارات داخل الحي بما يعرف بـ(توب البيت).
على الرغم من أن هنالك العديد من المهددات التي تواجه التوب كعنصر في التراث الثقافي غير المادي في السودان منها، تأثر الفتيات بالموضة ودخول أزياء جديدة نتيجة لتأثيرات الثقافات الخارجية، وغلاء أسعــــــار الثيــــاب خاصـــــة التي يتم جلبها من الخارج، وانتشار العباءات، وخروج المرأة للعمل، إلا أن التوب السوداني ظل متداولاً وحاضراً وكثير الاستخدام لأنه يمثل الهوية الثقافية للمرأة السودانية وبجمالها وبتراثها الذي يميزها عن غيرها من نساء العالم أجمع بالإضافة إلى أنه رمز للحشمة كونه غطاء واسعاً ساتراً للجسد.

ذو صلة