مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

خيوط تنسج الحداثة بقصص التراث

لازَم اللباس الإنسان منذ أن دبّت قدماه على الأرض. عقب خطيئة أبي البشر آدم عندما أكل مع حواء من الشجرة التي نهاهما الله عنها، وقد أمرهما بالنزول إلى الأرض لخطيئتهما، يغطيان جسديهما بورق الجنة المخصوف، فكان أول لباس على وجه الأرض.
اللباس هو ما يرتديه الإنسان من غطاء الرأس إلى الحذاء في القدم، ويشمل تسريحات الشعر والمجوهرات وأدوات التجميل.. وغيرها، وهو مظهر من مظاهر ثقافات الشعوب.
اختلف اللباس في العالم القديم بحسب أنماط الحياة، حيث ارتدى الصيادون والرعاة والمقاتلون الجلود التي كيفوها على هيئة الجسد، باستخدام إبر من العظم، وخيوطٍ من أمعاء الحيوانات.
واستخدم المزارعون في الأماكن المتاخمة للأنهار الدافئة، الذين عملوا بالالتقاط، ثم الزراعة؛ الألياف النباتية كالقنّب والكتان والأقطان، فعالجوها ببرم الخيوط براحة الكفّ ثم بالمغزل اليدوي. فأخذوا يشبكون الخيوط فيما بينها تسدية ولحاماً، لتشكيل قطعٍ النسيج لصنع الملابس المثنّاة والملتفة كالجلباب والإزار، إلى أن ابتُكر أول نول يدوي بسيط في الشام. ومع مرور الوقت بدأ الإنسان يستخدم الألوان النباتية في الملابس بدلالاتها ومعانيها الرمزية العميقة. ومع تمازج الشعوب وتبادل الأساليب انتشرت أدوات التصنيع في المجتمعات على اختلاف عاداتها وتقاليدها ولباسها. يقول الثعالبي: النبي إدريس أول من خط الكتاب وخاط الثياب.
وبقي اللباس بسيطاً ومتواضعاً حتى جاء الإسلام، فلبس عليه الصلاة والسلام الجبة، والخلة والإزار، والرداء، والقميص، وكان أصحابه يحبون أن تكون ثيابهم حسنة ونعالهم حسنة، وخافوا أن يكون هذا من الكبر، فقال لهم عليه أفضل الصلاة والسلام: (إن الله جميل يحب الجمال).
أما النساء فقد ارتدين اللباس من أقمشة الكتان أو القطن أو الحرير، وتحتها قميص من القطن الخفيف بأكمام وسراويل، وفوق هذا كله جلباب أو قفطان مفتوح من الأمام، وعند خروجهن من البيت وضعن الملاءة أو عباءة على أجسادهن وشالاً أو وشاحاً لتغطية الرأس والوجه.
وقد عكس تطور الأزياء وتنوعها في العالم العربي طبيعة البيئة والحياة الاجتماعية، فظهرت بطابع بسيط ومريح وخامات رقيقة وواسعة للسماح بتجديد الهواء تحتها، وألوان فاتحة تعكس الحرارة في المناطق الصحراوية.
واتجهت الملابس في المناطق المعتدلة إلى طابع الزخرفة والتطريز، فعكست طبيعة الحياة متعددة الثقافات، والمناخ المعتدل الذي سمح بالإبداع ونقل ما فيه من جمال إلى الأنسجة بأساليب يدوية، فتظهر الملابس بتكوين بصري معقد يعبر عن المهارة والذوق الرفيع وعن الحياة الاجتماعية المنظمة والمراتب الطبقية الاجتماعية، وطبيعة العمل لكل فرد من المجتمع.
وفي المغرب العربي طبعت الملابس بطابع فني يجمع بين التأثيرات العربية والأمازيغية والأندلسية الفاخرة، ويتجلى ذلك باستخدام القفطان وألوانه الزاهية وتصاميمه الغنية بالتطريز اليدوي.
من يتأمل هذه الثياب يجد فيها عنصر المبالغة وانسجام مع المعتقدات المحافظة، في طولها المتزايد الذي يصل إلى الأرض، وقد يمتد عدة أمتار، واتساعها، وتعدد طبقاتها الذي يكسبها الحشمة والوقار، وألوانها الحادة دون تدرج وانسجام، والإسراف في الحلي المختلفة، وضخامة لباس الرأس وتجميله بالعملات الذهبية والفضية، والغلو في الشراريب وأنواع الخرز والمطرزات اليدوية، إظهاراً للغنى والكثافة، وإبرازاً للجمال والتميز.
يُظهر اللباس الشعبي غنى الحضارة العربية، وما تحمله من قيم ثقافية واجتماعية وملامح تاريخية وعادات متوارثة، من خلال تفاصيل تصميماته ورمزية نقوشه وألوانه، وتسهم في تعزيز الانتماء والخصوصية الثقافية في ظلّ عالم متسارع نحو التوحيد الثقافي الملبسي.
تظهر الخصوصية في اختلاف الأزياء من منطقة لأخرى حسب التنوع البيئي والمجتمعي والجغرافي، لهذا أصبح التطريز في المجتمع الفلسطيني جندياً من جنود الكتيبة الموكلة بحفظ التراث والهوية، وكأنه سجل يتجلى فيه تاريخ فلسطين منذ الألف الرابع قبل الميلاد إلى اليوم، بما فيه من ثقافات وانتصارات وانتكاسات ونكبات، ويعكس الهوية الفلسطينية ومميزات القرى والبلدات ونباتاتها وحيواناتها ومعتقداتها ومناسباتها، واسمها، بقصد تخليدها وتمييز نسائها، كثوب لفتا وثوب صرفند ورام الله.. إلخ، وهو ما استطاع الفلسطيني حمله معه في رحلة تهجيره البائسة.
يدل ظهور الزي الشعبي في الاحتفالات والأعياد، واهتمام المجتمع به؛ على وعي ثقافي وتطور اقتصادي، ويشكل هذا الوعي عاملاً للاستمرار وجسراً بين الماضي والحاضر، وحائط صد في وجه تيارات تعمل على فرض ثقافة ملبسية مغايرة؛ لأنه يعلّم الجيل الجديد اختيار الزي التقليدي، لا بأنه رمز تاريخي فقط؛ وإنما خيار معاصر يحمل لأصحابه قيمة وتميزاً وتفردأً، وفيه مجال للتطوير والإبداع، ليتناسب مع الحياة العملية المعاصرة، فيخلق مساراً حديثاً للموضة تتناسب مع الذوق العربي دون تغريب عن الهوية.
يمتلك اللباس العربيّ ليونة وتكيفاً يجعله قادراً على التكيف مع المكان والزمان وتنوع الأذواق؛ لأنه يتناسب مع فطرة المجتمع وتاريخه. وحين احتاجت الحداثة لقصة تعتمد عليها؛ لم تجد بين تنوع الأزياء أفضل من الزي العربي؛ حامل القصص وصاحب المعنى وفلسفة الجسد.

ذو صلة