مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

أصوات الأزياء

هنا في سلطنة عمان، فنون تبصر وقصص تروى وأزياء تجسد هوية للإبداع، حيث تتنوع فيها الأزياء بتفاصيلها لتحكي تاريخاً صاغته الأيدي وتوارثته الأجيال. فتأتي كل محافظة بزيها رغم التشابه النسبي بين كل محافظة وأخرى مجاورة لها، وتزداد الفروقات كلما تباعدت وتغيرت التضاريس. ورغم الفروقات الكبيرة في تفاصيل مجموعة الأزياء العمانية إلا أن جميعها تعكس شغف المرأة العمانية وإبداعها في تصميم ما يتناسب مع العادات والتقاليد، وقد تفننت المرأة في تطوير الزي وتنميق تفاصيله والمحافظة عليه في الوقت ذاته. وكان للدور المجتمعي للمرأة وما تولته من مهام وأعمال أثر واضح في تصميم الزي وما يحتويه من لمسات. تفاصيل الزي المسمى بـ(العماني التقليدي) والذي يمثل هوية المرأة في المناطق الشرقية والداخلية من السلطنة لنتعرف أكثر على تفاصيله ومدى تأثره بجغرافية المنطقة وتاريخها وسنتطرق إلى المواد المستخدمة وكيف أرست المرأة العمانية مفهوم الاستدامة عملياً قبل أن ينهض مبدأ الاستدامة في عالم الأزياء العالمية.
إن الزي العماني التقليدي ليس مجرد قطع ملابس بل حكاية تفاصيل رائعة حيكت باليد لتبهرنا كما لو كانت كل غرزة في الزي أشبه بلمسة فرشاة على لوحة فنية أتت من القرن السادس عشر. فهي قصص لأنامل مبدعة رسمها أجدادنا بحبر أمواج المحيط الهندي اتضحت جلياً في زي شرق عمان وداخلها. فلكل قطعة من الزي تفاصيل تناغمت مع الطبيعة الجغرافية والتاريخية للسلطنة. فمن الهند استوردت الخيوط والكلف والأقمشة وأهمها الحرير المنسوج مع الخيوط الفضية والذهبية (البريسم) ذلك القماش الذي يسود استعماله في الدشداشة والسروال. وجاء الليسو (الحجاب) من ساحل أفريقيا الشرقي واضعاً بصمة مكتسبات الإمبراطورية العمانية. فقد جاءت أغلب المواد الخام من الهند وأفريقيا أحد أكبر مواقع تجارة المنسوجات والأزياء في تاريخ العالم لتدعم المرأة العمانية بالتفنن في تصميم وتشكيل الزي بما يتناسب مع العادات عاكساً شغفها وذوقها. وفي شرق عمان وداخلها ارتدت الدشداشة بطول يصل إلى ما دون الركبة والسروال ليستر ساقيها ولفت بضع أمتار من القطن حول الرأس رمت غالبيتها للخلف كي يكون أكثر عملياً أثناء أداء مهام مساندة الرجل في الزراعة والرعي. وما لتلك المهام من مشقة وجهد إلا أنها لم تنشغل عن الاهتمام بمظهرها وتزيين لباسها بكل شغف. حيث كانت للمنافسة بين النساء أثر كبير في التفنن بدمج الألوان الزاهية والصاخبة بالفرح في مظهرهن. وللعماني التقليدي أسلوب فريد في تنسيق الألوان فمن شروط ارتدائه أن يشابه الليسو لون السروال ومن ثم يختلف لون الدشداشة تماماً ليكون أشبه بطريقة الخلط للتنسيق. فالدشداشة تخاط من قماش البريسم ويزين زيف أكمامها بخطوط من السيم والغولي تلك الكلف المصنوعة من الزري والخوص محيوكة بعقد معينة، ثم تليها كلف الكروشيه المصنوعة من الزري الفضي أو الذهبي أو كليهما. ويثبت شريط من السجاف في زيف الدشداشة يعتليه شريط من الكلف المشابه لكلف الكم تصميماً ولكنها أكبر حجماً. أما الحجاب (اللحاف أو الليسو) يكون غالباً مصنوعاً من القطن المخلوط بالكتان المطبوع به العديد من الزخارف حول إطار أسود وهذه الأنواع تجلب من الهند وأفريقيا وهنا يرتبط هذا بالقرب الجغرافي وكذلك الأثر التاريخي للإمبراطورية العمانية. ويحكي التطريز اليدوي بزيف السروال المسمى (الخياطة) قصة أخرى مع الفن والصبر يستغرق عدة أشهر. حيث تضاف إليها العديد من الغرز يبدأ في تطريز غرز (المراير) في طرف الزيف وتتابع الغرز بالألوان الزاهية بجانب السيم والغولي أفقياً كي لا يتبقى فراغ حول تطريز السكة الفضية ذات النقوش الهندسية الشكل. كذلك يتم تطريز الخط الفاصل بين قماش السروال والخياطة ليثبتها ويزيدها جمالاً. كل تلك التفاصيل تخلق تحفة فنية دقيقة تبين احترافية المرأة العمانية في تصميم وتنسيق زيها.
وقد سبق الزي مبادئ التصميم المستدام الحديث بتطبيق إعادة التدوير وصفر هدر لموارد الأزياء التي يتحدث عنها مصممو الأزياء العالميون اليوم. فقد كانت مطبقة بشكل عملي في كثير من تفاصيل الأزياء التقليدية العمانية التي تستثمر القماش بأقل فاقد ممكن. ويبدو أن شح الموارد من أهم الأسباب التي أدت إلى خلق فكرة الاستدامة وتطبيقها بشكل عملي في تصميم وخياطة الزي، وسنتناول مثال حي لمنهج صفر هدر ومنهج القطع الإيجابية والسلبية وإعادة التدوير. حيث يتم استهلاك جميع أمتار كل قطع الزي الثلاثة الليسو والدشداشة والسروال بعناية. فالدشداشة تستهلك مترين من القماش تأتي كالقميص المقسم بقصات طويلة من الكتف إلى الزيف. ويصل طولها إلى الركبة بأكمام واسعة تشبه طريقتها الأكمام اليابانية (الكيمونو) وتستعمل باقي القطع الصغيرة للسان شق الرقبة وإضافة قطعة مربعة في حردة الكم لتوسيعها. أما السروال فيستهلك متراً ونصف على حد أقصى يقص بطريقة مائلة من الأسفل للأعلى كي يتبع شكل الساق ويضاف باقي القماش في أعلى السروال لتوسعته. أما اللحاف أو المصر فقد تفننت الجدات في دمج كلا قطعتي الليسو بقص ضلع من إطار كل قطعة ودمجها مع الأخرى لتكوّن مستطيلاً يتتابع إطاره ونقوشه أما الجزء السالب الذي تم قصه يتم استعماله كقطع تنظيف وتبطين لزيف الأكمام وشق الرقبة. ويستمر توارث القطع القيمة وإن كانت مستهلكة يتم نقل الكلف والتطريز لقماش آخر بحيث تفك بعناية وتلبق في أقمشة جديدة.
وختاماً يبقى للأزياء العمانية صوتاً ورونقاً سارياً. وما زلنا مستمرين بارتدائه وتطويره إلى يومنا ولا زال يحظى بأهمية كبيرة توارثتها الأجيال.

ذو صلة