يمثل الزي التقليدي الليبي أحد أبرز مكونات الهوية الثقافية للبلاد فهو سجل حي للتاريخ الاجتماعي والحضاري الذي تكون من تفاعل وتلاقح مكونات ثقافية مختلفة ومتعددة في ليبيا ضمت العرب والأمازيغ والتبو والطوارق وغيرهم من الشعوب التي جسدت نسيج المجتمع الليبي. وقد حافظ هذا الزي على مكانته كرمز للانتماء الوطني والخصوصية الثقافية على الرغم من كل التحولات التي فرضتها الحداثة والعولمة. وتكمن أهمية الزي الشعبي الليبي في كونه جزءاً من الموروث الإنساني المشترك الذي ربط ليبيا بمحيطها المتوسطي والأفريقي والعربي، فالتبادل التجاري والثقافي عبر طرق القوافل القديمة وطرق البحر المتوسط وطريق الحرير أسهم في انتقال الأقمشة وطرق الخياطة والزخارف بين الشعوب المختلفة حيث جعل الأزياء التقليدية في العالم تتقاطع في كثير من عناصرها مع احتفاظ كل مجتمع بخصوصيته المحلية. ويحتفى بالزي الليبي رسمياً في 13 مارس من كل عام خلال اليوم الوطني للزي الليبي الذي يهدف إلى تعزيز الوعي بقيمته وتشجيع الأجيال الجديدة على التعرف إلى مكوناته وتفاصيله وتاريخه ودلالته الثقافية كونه أحد رموز الهوية الوطنية الليبية. ويتكون الزي الرجالي التقليدي من مجموعة قطع أساسية تشكل المظهر الوقور والأصيل بدءاً من الجرد وهو عبارة عن قطعة قماش كبيرة تصنع من الصوف أو القطن ويبلغ طولها نحو ستة أمتار وتلف حول الجسم بطريقة خاصة تترك الكتف الأيمن حراً غالباً والجرد الأبيض يلبس في المناسبات والأفراح، بينما يستخدم اللون البني أو البيج في الحياة اليومية. وقد ارتبط الجرد تاريخياً بالرجولة والمكانة الاجتماعية. ثم الزبون ويتميز بأناقته. أما الفرملة فهي سترة قصيرة مزخرفة وتعد من أبرز نماذج التطريز الليبي التقليدي، وتلبس فوق السورية وهي القميص الداخلي المصنوع غالباً من القطن الأبيض الناعم. ويكتمل الزي بالسروال العربي الواسع. وتتنوع أغطية الرأس فتشمل الشنة وهى قبعة مصنوعة من الصوف المضغوط وهي غالباً إما حمراء أو سوداء كما تلبس العمامة فوقها أحياناً وتختلف طرق لفها من منطقة إلى أخرى وتعبر في بعض الأحيان عن المكانة الاجتماعية أو العلمية لصاحبها ويضاف إلى ذلك البلغة والكنترة وهما نوعان من الأحذية الجلدية التقليدية التي تشتهر بجودتها ومتانتها. وفي الجنوب الليبي يتميز رجال الطوارق بارتداء الشاش أو التلغلموست وهو لثام يغطي الوجه باستثناء العينين ويعد من أبرز الرموز الثقافية للطوارق وقد ارتبط هذا اللباس بالبيئة الصحراوية التي تتطلب الحماية من الرمال وأشعة الشمس، ويعبر عن خصوصية ثقافية تتقاطع مع أزياء شعوب الصحراء الكبرى من الطوارق في عدد من الدول الأفريقية.
أما الزي النسائي الليبي فيتميز بتنوعه الكبير وفقاً للمدن والقرى الليبية حيث يعد من أغنى الأزياء العربية من حيث الزخارف والتطريز والألوان ويتكون من قميص مطرز وسروال واسع وفرملة أو كردية قطيفة أو حرير وهي سترة فاخرة تصنع من المخمل وتزين بخيوط الفضة المعروفة بالتليك وتحمل نقوشاً تقليدية متوارثة وتعد جزءاً أساسياً من جهاز العروس الليبية كما ترتديها النساء في المناسبات الاجتماعية المختلفة وهي واحدة من أهم القطع النسائية التقليدية ثم الحولي أو الرداء وهو قطعة قماش تلف حول الجسم وتختلف ألوانها وزخارفها بحسب المنطقة وتلبس فوق القميص ويسمى السورية العربية وأخيراً الفراشية أو الجرد حسب اختلاف وتعدد تسميته في المدن أو القرى وهي رداء أبيض يغطي كامل الجسم وقد ارتبطت بحياة المرأة الحضرية في مدن الساحل الليبي لقرون طويلة وتضم الأزياء النسائية أيضاً البخنوق الذي يعد غطاء مزخرفاً للرأس والكتفين والعبروق الذي يتميز بزخارفه الكثيرة. ويصنع الأزياء الليبية الشعبية التراثية حرفيون مهرة ولا تكتمل الأناقة التقليدية إلا بالحلي الفضية والذهبية التي تحمل رموزاً شعبية، مثل الخميسة والأسماك التي ارتبطت بمعاني الحماية والبركة. ويشترك الشعب الليبي في قطع تراثية موحدة في أزيائه إلا أنه يختلف في تفاصيل دقيقة تميز كل جهة عن الأخرى، فمثلاً يتميز الزي الأمازيغي في جبل نفوسة بألوانه الزاهية وتطريزاته الدقيقة التي تتضمن رموزاً أمازيغية قديمة ويعرف الرداء النسائي باسم تلابا ويعكس جانباً مهماً من التنوع الثقافي الليبي، أما أزياء التبو والطوارق فهي تبرز خصوصيات أخرى تؤكد غنى المشهد الثقافي في البلاد وتنوع روافده الحضارية.
وترتبط الأزياء الليبية بصناعات حرفية تقليدية لعبت دوراً اقتصادياً وثقافياً مهماً عبر التاريخ، فقد اشتهر الغرب والشرق بصناعة المنسوجات الحريرية والتطريز، وعرف الجنوب بصناعات الجلد والنسيج الصوفي، بينما اشتهرت المنطقة الوسطى بإنتاج الجرد والحلي، في حين حافظ جبل نفوسة على تقاليد النسيج الأمازيغي وزخارفه الخاصة. وتعتمد هذه الصناعات على مهارات يدوية متوارثة مثل النسيج على النول الخشبي والتطريز بخيوط الفضة والذهب واستخدام الصوف والقطن والحرير، وقد أسهمت هذه الحرف في بناء روابط ثقافية بين ليبيا ومحيطها الإقليمي، وعلى الرغم من تراجع استخدام الأزياء التقليدية في الحياة اليومية نتيجة انتشار الملابس الحديثة إلا أن الأزياء التراثية مازالت حاضرة بقوة في المناسبات الرسمية والاجتماعية ولازالت مبادرات التوثيق والتدريب وإحياء التراث تسعى إلى الحفاظ على هذا الموروث ونقله إلى الأجيال القادمة.