مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

الجيل المضطرب في زمن الشاشات قراءة عربية في تحولات الطفولة وأزمة الهوية بين الواقع والافتراضي

في العقد الأخير شهد العالم تحولاً غير مسبوق في بنية النشأة الإنسانية، حيث انتقلت الطفولة من الميادين المفتوحة واللعب الحر وزيارات الأقارب والأحباب إلى زوايا الغرف المغلقة حتى باتت حياة الأجيال الجديدة مرهونة بعالم افتراضي دائم الحضور. وفي كتابه الجيل المضطرب، يسلط عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت الضوء على هذه الظاهرة معتبراً إياها إعادة هيكلة كبرى للهوية البشرية؛ إذ يطرح أطروحة مفادها أننا نعيش ذروة أزمة صحة نفسية عالمية عصفت بالجيل، زادت مع ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بالتزامن مع هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي. وعبر صفحات الكتاب الذي صدرت ترجمته العربية مؤخراً، يشخص هايدت الخلل الكامن في التخلي عن الطفولة القائمة على اللعب واستبدالها بطفولة قائمة على الهاتف النقال، موضحاً كيف أدت الحماية الزائدة في العالم الواقعي والإهمال المفرط في العالم الافتراضي إلى خلق جيل هش نفسياً ومضطرب وجدانياً، فالطفل المعاصر لم يعد يبني علاقاته داخل الحي والعائلة فقط، بل أصبح يبحث عن الاعتراف والقبول عبر الإعجابات والمتابعات والصور المثالية، وهو ما عمق مشاعر العزلة والخوف وفقدان التقدير الاجتماعي، ولا يكتفي الكاتب بإطلاق التحذيرات بل يقدم دعوة صريحة إلى استعادة التوازن المفقود عبر إعادة الاعتبار للعلاقات الإنسانية المباشرة وتحرير الأطفال والمراهقين من الارتهان الكامل للشاشات والخوارزميات التي حرمت الأطفال من الخبرات الطبيعية التي تبني الشخصية بشكل متوازن.
وعندما نقرأ هذه الأطروحات في السياق العربي نجد أنفسنا أمام واقع لا يبتعد كثيراً عما يصفه هايدت، وإن كان يحمل خصوصياته الثقافية والاجتماعية، فالمجتمعات العربية دخلت العالم الرقمي بسرعة هائلة دون استعداد تربوي وثقافي كاف، وأصبحت الهواتف الذكية جزءاً أساسياً من يوميات الأطفال والمراهقين، بل إن بعض الأسر باتت تستخدمها وسيلة لإشغال الطفل وتهدئته، وهو ما جعل الشاشات تتسلل إلى تفاصيل الطفولة العربية بعمق.
وعلى الرغم من خصوصية المجتمعات العربية في استمرار حضور الروابط العائلية مقارنة بالمجتمعات الغربية، فالأسرة ما تزال تحتفظ بمكانتها بوصفها مرجعية أساسية في حياة الأبناء، غير أن هذا العامل بدأ يتراجع تدريجياً تحت تأثير العالم الافتراضي؛ إذ صار الأبناء يعيشون جزءاً كبيراً من حياتهم النفسية داخل فضاءات رقمية لا تخضع لرقابة حقيقية من الأسرة أو المدرسة.
وتظهر المفارقة بوضوح في طريقة تعامل كثير من الأسر العربية مع الأبناء، فهي تخشى عليهم من مخاطر العالم الواقعي وتحد من حريتهم في اللعب والخروج المستقل، لكنها في المقابل تمنحهم حرية واسعة داخل العالم الافتراضي دون إدراك كاف بالمخاطر النفسية والثقافية الكامنة فيه.
ومن أبرز القضايا التي تكشفها التجربة العربية أيضاً الفجوة المتزايدة بين الأجيال في فهم التكنولوجيا، فجيل الآباء نشأ في بيئة تعتمد على العلاقات المباشرة والتواصل الواقعي، بينما ينتمي الأبناء إلى عالم رقمي سريع الإيقاع تحكمه ثقافة الصورة، وهذه الفجوة لا تتعلق فقط بمهارات استخدام الأجهزة بل تمتد إلى اختلاف القيم وأنماط التفكير وطرق التعبير عن الذات، ولهذا يشعر كثير من الشباب أن الكبار لا يفهمون عالمهم الرقمي ولا يدركون طبيعة الضغوط التي يواجهونها عبر وسائل التواصل.
وعلى المستوى التربوي والثقافي، فإن التحديات تبدو أكثر تعقيداً، فالمدرسة العربية ما تزال تعتمد على أساليب تقليدية في الحفظ والتلقين بينما يعيش الطالب خارج أسوارها عالمه الرقمي المفتوح، وهذا التناقض جعل المؤسسة التعليمية بعيدة عن واقع الشباب مع عدم تطوير برامج حقيقية للتربية الرقمية أو لحماية الصحة النفسية للطلاب أمام التنمر الإلكتروني وخطابات الكراهية والأخبار الزائفة.
ولا يمكننا اختزال التكنولوجيا في صورة سلبية مطلقة، فهي تحمل أيضاً إمكانات واسعة للتعلم والانفتاح والإبداع، وقد أتاحت للشباب العربي فرصاً للوصول إلى المعرفة والتواصل والعمل والتعليم عن بعد، لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها بل في غياب التوازن وفي الاستخدام غير الواعي لها، فحين تتحول الشاشة إلى بديل كامل عن العلاقات الإنسانية والحياة الواقعية تصبح مصدراً للقلق والعزلة والاضطراب، ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى بناء وعي عربي جديد يقوم على التربية الرقمية لا على المنع فقط.
وفي استشراف مآلات الجيل القادم يظهر جلياً أن العالم يتجه نحو مزيد من الاندماج بين الإنسان والتكنولوجيا، وهو ما يفرض تحديات جديدة تتعلق بالهوية والعلاقات والقيم، فإذا استمرت الطفولة في الارتهان الكامل للشاشات فقد نكون أمام أجيال أكثر عزلة وهشاشة وأقل قدرة على بناء العلاقات الإنسانية العميقة، خصوصاً في المجتمعات العربية التي تعاني أصلاً من هشاشة تربوية وثقافية واتساع الفجوة بين الأجيال.
إن كتاب الجيل المضطرب لا يقدم مجرد نقد للتكنولوجيا بل يطرح سؤالاً حضارياً يتعلق بمستقبل الإنسان نفسه، وفي السياق العربي تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً لأن مجتمعاتنا تعيش مرحلة انتقالية حساسة بين التقاليد القديمة والتحولات الرقمية المتسارعة، ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو الانبهار بها بل في القدرة على بناء إنسان متوازن يحافظ على إنسانيته وسط عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

ذو صلة