يمكن اعتبار جيل إكس Generation X هو آخر الأجيال التي نعم فيها الأطفال بطفولة متزنة طبيعية، مقارنة بما تلاه من أجيال، فهذا الجيل وبالرغم من التسارع الكبير في تطوير الابتكارات والاختراعات والتقنيات الحديثة وانتشارها، مثل التلفاز الملون وشرائط الكاسيت وأجهزة الفيديو وبعض ألعاب الفيديو المحمولة أو المنزلية والحواسب الشخصية وأطباق استقبال القنوات الفضائية؛ إلا أن تأثيرات ذلك على أطفال هذا الجيل كانت محدودة، أتذكر في منتصف ثمانينات القرن الماضي أني وجدت تحقيقاً صحفياً في إحدى المجلات الموجهة إلى النشء والشباب تحذر من انتشار وإدمان استخدام الووكمان Walkman، وهو عبارة عن جهاز صغير، يمكن به ومن خلال سماعات الرأس الاستماع إلى الأغاني والموسيقى من خلال شرائط الكاسيت. التحقيق كان يحذر من هذا الابتكار الجديد، وأن إدمان استخدامه من قبل الأطفال والشباب سيؤدي بهم إلى عزلة اجتماعية وانغلاق، ويمنعهم من ممارسة الأنشطة الطبيعية، وقد يؤثر على التحصيل الدراسي.. وغيرها من المجالات، كان هذا قبل أربعين عاماً من اليوم، وفي الوقت نفسه، وربما مع نهاية هذا العقد من الزمان، وقبل الدخول في عقد التسعينات؛ بدأت الأصوات تتصاعد على استحياء، متحدثة عن إدمان الألعاب الإلكترونية، والجلوس لساعات طويلة أمام أفلام الكارتون أو قنوات الأغاني.
فحتى بداية الثمانينات كانت الأسرة هي المصدر الرئيس للمعرفة والتوجيه، والمقصود هنا الأسرة الصغيرة (الأم والأب والإخوة)، والأسرة الممتدة التي تشمل الأجداد والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأبناءهم، ثم الانتقال إلى الدوائر الأكبر، والتي تشمل الجيران وأصدقاء الدراسة، حيث يمتد اللعب والتواصل من المنازل إلى الشارع أو الطبيعة أو في المدرسة أو النادي، ومع الوقت بدأت مصادر أخرى للمعرفة تظهر في المشهد، مثل قراءة الكتب والمجلات أو مشاهدة البرامج والدراما التلفزيونية أو ارتياد دور السينما والمسرح والرحلات المدرسية والاستماع إلى خطبة الجمعة وتعلم صلاة الجماعة وحفظ القرآن، وحتى هذه المرحلة لم تسلم من سلبيات تؤثر على الطفل وعلى سلوكياته، مثل بعض الأصدقاء غير المناسبين أو الإكثار من تلك المشتتات، وصولاً إلى إدمانها والعزوف عن المذاكرة أو باقي الأنشطة المفيدة مثل الرياضة وباقي الهوايات المفيدة كالرسم أو العزف، ولكن في جميع الأحوال ونظراً لمحدودية انتشار تلك الأدوات ولانضباط الجرعات المقدمة منها؛ فإن تلك الحقبة اتسمت بالتواصل الإنساني الكبير ومراقبة الأسرة وقوة الروابط بين أفرادها، حتى إن تأثير الأسرة على الأطفال كان هو الأكبر، وحتى ما يطلق عليه (المتوسط العام القيمي في كل أسرة) كان واضحاً جلياً في سلوكيات الأبناء، وفي اختياراتهم من الأصدقاء أو الاهتمامات. ودعوني هنا أعطي مثالاً، ربما لن يفهمه إلا جيل إكس وما قبله، للتدليل على عظم تأثير الأسر على أفرادها الصغار، فعلى سبيل المثال إذا كانت الأسرة تعتاد على أن تستمع إلى المذياع بصوت مرتفع جداً فإن احتمالية أن يشب الأبناء بهذه العادة وينقلوها إلى منازلهم في المستقبل يكون كبيراً، وإذا كان الأمر كذلك في تفصيلة صغيرة فإنه حتماً يمتد إلى باقي خصائص وقيم الأسرة.
ما حدث بعد ذلك كان مرعباً، فمنذ بداية التسعينات، حين كان أصغر أبناء جيل إكس قد بلغ سن العاشرة، فيما بلغ أكبر أبناء الجيل التالي -جيل الألفية- تسع سنوات؛ تطورت شبكة الإنترنت، وانتشرت وتنوعت تطبيقاتها، وكذا أيضاً تم إنتاج عدد من الألعاب الإلكترونية المتطورة، في شكل أجهزة محمولة أو أجهزة منزلية، وسرعان ما اتصلت بشبكة الإنترنت، وسمحت بالتواصل بين اللاعبين حول العالم، وبدأت أيضاً الهواتف المحمولة في الظهور والانتشار، ببداية متواضعة، سرعان ما تحولت إلى هواتف أكثر جاذبية، وفي منتصف هذا العقد انتهى جيل الألفية، وبدأ جيل زد، وبالرغم من ذلك لم تكن الأمور قد تدهورت مثلما حدث في العقدين التاليين، ففي العقد الأول من الألفية الثالثة انتشرت التطبيقات وأصبحت الشبكات أكثر سرعة والأجهزة والهواتف أكثر جاذبية وذكاء، وانتشر استخدامها بين الأطفال لأسباب عدة، بررت بها الأسر ذلك في حينه، منها: أهمية الاطمئنان على الأطفال، أو للتسلية والانفتاح على العالم وعلى التقنيات الحديثة لاكتساب المهارات، أو لضرورة ذلك مع انتقال جزء من العملية التعليمية نفسها إلى العالم الرقمي، وهو ما تزايد بصورة كبيرة مع وباء كوفيد بنهاية العقد الثاني من تلك الألفية.
عندما تتحول النعمة إلى نقمة
مع سهولة الاتصال والنفاذ إلى مصادر المعلومات، لم يكن من المتوقع أن يكون التأثير بهذه القوة، ولا أن تكون الآثار السلبية بهذه الخطورة، إن حاولنا أن نقارن بين إتاحة المعارف للأجيال السابقة، وكيف كنا نتكبد الكثير من المشقة للوصول إلى معلومة واحدة مدققة؛ وبين هذا الكم المهول من المصادر، ومن الأدوات التي تسهل البحث والتصنيف والاستدعاء لأطفال هذا الجيل، بداية من محركات البحث وصولاً إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، ولذلك فإنه من المفترض أن يكون أطفال اليوم أكثر علماً ومعرفة من أطفال الأمس؛ ولكن للأسف لا يمكن الجزم بذلك، بل على العكس يمكن أن نقول إن هذه النعمة تحولت إلى نقمة، البداية أتت من الأسر ذاتها، إذ سمحت للأطفال باقتناء الهواتف الذكية في سن صغير، للتسلية البريئة والتي كانت فيها البداية مع الألعاب الإلكترونية البريئة البسيطة، ثم تطور الأمر إلى ألعاب أكثر جاذبية وأكثر عنفاً أو أكثر خطورة أخلاقية، أو التواصل مع لاعبين آخرين لا يعرفهم الطفل ولا يعرف حتى إن كانوا أطفالاً مثله أم كباراً يدعون ذلك ويستغلون هذا المدخل من أجل أغراض أخرى مثل التهديد والابتزاز المادي أو الجنسي، أو بعض الألعاب العنيفة أو التحديات الخطرة التي قد تدفع إلى الانتحار، أو من خلال تطبيقات التواصل الاجتماعي وما بها من محتوى ومفاهيم ومعلومات وسلوكيات يتعرض لها الطفل، وهو ما أصبح أكثر جاذبية في وقت لاحق بعد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته الذكية لإبقاء الأطفال في حالة إثارة مستمرة لهاثاً وراء دفقات الدوبامين في أدمغتهم الصغيرة من خلال ما يقتحم وجدانهم عنوة ويسيطر عليهم لساعات طويلة يومياً، مثل مقاطع الفيديو القصيرة (ريلز) التي تؤدي إلى اضطرابات ذهنية ونفسية، وتدهور عقلي أطلق عليه تعفن الدماغ Brain Rot، هذا التدهور الذي نرى نتائجه في اضطرابات الانتباه والذاكرة والنوم وضعف التحصيل الدراسي والعزلة والتوحد وعدم ممارسة أي نشاط طبيعي والقلق والاكتئاب، ثم مفاجأة الأهل بآراء غريبة أو أعمال عنيفة قد تصل إلى الانتحار. فعلى سبيل المثال ومع بداية عام 2024 شاهدنا عبر محطات الأخبار كيف اعتذر مارك زوكربيرغ عملاق التكنولوجيا، وصاحب الشركة الأشهر التي تمتلك عدداً من تطبيقات التواصل الاجتماعي؛ حينما قدم اعتذاره لأسر بعض الأطفال في إحدى جلسات الاستماع بمجلس الشيوخ الأمريكي نتيجة تعرض هؤلاء الأطفال إلى محتوى ضار وصادم أدى إلى انتحارهم.
ماذا نفعل ومن المسؤول؟
خلال السنوات الماضية انتشرت حملات التوعية والعديد من الدراسات المتخصصة والإصدارات والأعمال الدرامية أيضاً، للحديث عن مخاطر تلك التقنيات على الجميع، وتحديداً على الأطفال، وخلال العام الماضي وفي العاشر من ديسمبر أقرت أستراليا أول قانون لمنع دخول الأطفال دون سن السادسة عشرة إلى منصات التواصل الاجتماعي، وتبعتها عدد من الدول الأوروبية والآسيوية، وانتفض باقي دول العالم لتجهيز قوانين مماثلة، أو قد تشمل أيضاً تقنين الألعاب الإلكترونية، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للأطفال، ومنع تطبيقات المراهنات والتعرض لباقي المواد الضارة. ولأن المسؤولية تشاركية، فالحكومات تقوم بالتشريع والتنظيم وتعديل المناهج، وفي توجيه المؤسسات الدينية والرياضية والثقافية والإعلامية للقيام بالعديد من الأنشطة ووضع الإستراتيجيات لحماية الأطفال، مثل مبادرة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لحماية الأطفال في الفضاء السيبراني، إلا أن البداية تبقى دائماً من الأسرة، وبخاصة الأم، القدوة في الاستخدام الرشيد، وفي مراقبة الأبناء، من خلال الاستعانة ببرامج مراقبة أبوية والاشتراك في الإنترنت الآمن الذي تقدمه بعض شركات تقديم خدمة الإنترنت، وإلى التركيز على نظرية ملء الفراغ، فالطفل المعتاد على الاستخدام لساعات كبيرة يومياً يجب أن ينشغل بأمور أخرى جذابة، وإلا فإن المهمة ستكون صعبة وربما مستحيلة، وفي بعض الحالات شديدة الحدة قد لا تستطيع الأسر وحدها التعامل مع الأمر، ولذلك فإن الجهات الطبية تعمل من خلال خطوط ساخنة وعيادات لقياس درجة الإدمان، ووضع خطط تنفيذية للتخلص منه، ليعود الطفل إلى الحياة الطبيعية، ويعرف أنها هي الأصل، وأن العالم الرقمي مهما بدا جذاباً إلا أنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحياة الطبيعية كما خلقها الله عز وجل وكما فطرنا عليها.