مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

اضطراب (الجيل الرقمي).. كيف يواجه العلاج التفاعلي بالأدب تفكك الانتباه والمعنى؟

مشهد يتواتر حتى بات مألوفاً بغرابة: شاب يتنقّل بين شاشات وصفحات جمة بسرعة لافتة، قد يبتسم لحظة، ويضيق صدره لحظات، وقد يقارن نفسه بصور مثالية، ثم يترك جهازه ليعثر في داخله على فراغ غير مفهوم!
هذا الموقف ليس سلوكاً عابراً، بمقدار ما هو إشارة ساطعة إلى تحوّل عميق أصاب بالصميم بنية الانتباه والمعنى في الإنسان المعاصر، ولاسيما أن (الجيل الرقمي) لا يعيش شحاً في المعلومات، بل يواجه فائضاً كبيراً يفتّت التجربة الحياتية، ويمنعها من التماسك في قصة مفهومة، ما يطرح الأسئلة الآتية: ترى، هل غدونا أمام جيل مضطرب أم إزاء بيئة تشكّل اضطرابه؟ وكيف تحول الانتباه إلى سلعة تتنازعها الخوارزميات؟ ولِمَ يتضاعف القلق والتشتت مع وفرة وسائل التواصل؟ وهل الخلل في التكنولوجيا نفسها أم في منطق تصميمها؟ وهل يمكن استعادة التوازن النفسي عبر مسارات بديلة تعيد إلى الإنسان صوته الداخلي، مثل العلاج التفاعلي بالأدب؟!
الواقع أن (الجيل الرقمي) يحيا داخل منظومة تعرف باقتصاد الانتباه، حيث لم يعد المستخدم متلقياً فحسب، بل بات مادة تُستغل أو سلعة تستثمر، ولاسيما إذا ما علمنا أن التطبيقات والبرامج الحديثة، لا تُستخدم ببراءة أو بلا غاية، بل تُصمَّم أو تعد لتبقي المستخدم/ المتلقي أمامها أطول مدة ممكنة، عبر التمرير اللانهائي، والإشعارات المتكررة، ونظام المكافآت المتقطعة الذي يشدّ الدماغ إلى التكرار، فضلاً عن عناصر جذب مدروسة. هكذا يتحول التشتت من عرض طارئ أو آني، إلى حالة مستمرة أو شبه دائمة، ويصبح الانتباه مستنزفاً مشتتاً.
ويؤثر هذا الاستنزاف (الموجه) في الصحة النفسية بوضوح، فتظهر أحياناً الاضطرابات النفسية الكامنة بسهولة ويسر: مثل: القلق المزمن، والاكتئاب، واضطرابات النوم، وتشتت الانتباه، والإرهاق الرقمي، والإدمان السلوكي على المنصات والتطبيقات، وقلق المقارنة الاجتماعية حين يقيس الفرد قيمته الذاتية بمعايير افتراضية قد تكون غير واقعية، فضلاً عن ظهور ما يُعرف بالخوف من فوات الشيء الذي يجعل الفرد في حالة ترقّب دائم لا يستطيع الانفصال، ولا ننسى غياب (الهدف) في بعض الحالات، وتتنامى أيضاً حالات الانفصال عن الذات، فيشعر المرء بأنه يحيا حياة مفككة لا رابط بينها.
لكن في الواقع، يبقى الخطر الأقسى كامناً في تفكك المعنى، إذ تتآكل قدرة الإنسان على بناء سرد داخلي متماسك موزون، فتنوع الصور والمقاطع يقطع خيط التجربة، ويفقد الفرد إحساسه بالاستمرارية، ويغدو حاضراً في كل شيء، وغائباً عن ذاته، ناهيك بأن هذه الحالة تتفاقم بفعل مفارقة حادة تتمثل في حماية مفرطة في الواقع، تقابلها حرية وانكشاف غير محدودين في العالم الرقمي، ما يولّد هشاشة داخلية نفسية، وضعفاً في تحمل الإحباط، والنتيجة زيادة التوتر وبروز الاضطراب.
وهكذا، يطرح سؤال المعنى بوصفه المدخل الأعمق للعلاج، وهنا أيضاً تبرز أهمية العلاج التفاعلي بالأدب الذي لا يكتفي بتقديم نصوص للقراءة، بل يبني مساراً علاجياً متكاملاً يبدأ بالقراءة الواعية، ويمر بالحوار والنقاش، وينتهي بالكتابة، فضلاً عن تقنيات أخرى يضيء عليها هذا المشروع. فهذا الثالوث، إذا ما طبق بذكاء، يعيد إلى الإنسان مهاراته الأساسية: الانتباه، والتأمل، والسرد.
فمن واقع التطبيق، تبدأ الجلسة بنص أدبي منتقى بعناية، كحبة الدواء، حاملاً بعداً رمزياً يسمح بالتماهي غير المباشر. يقرأ المشارك/ طالب المساعدة، نصاً يتناول شخصية ضائعة بين رغباتها وضغوط الواقع، فيجد نفسه من دون مواجهة مباشرة. ينتقل بعدها إلى الحوار والنقاش، حيث يطرح المعالج أسئلة هادفة، منها: ما الذي يشبهك في هذه الشخصية؟ وعمّ كانت تبحث؟ وما الذي فقدته؟ هذا الحوار يفتح باب الوعي، ويحوّل الشعور الغامض إلى فكرة قابلة للفهم.
ثم تأتي الكتابة لتؤدي دوراً حاسماً في استعادة المعنى، إذ يُطلب من المشارك كتابة رسالة إلى ذاته في لحظة ضياع، أو أن يعيد كتابة نهاية النص بطريقة تمنحه قدرة على الفعل. في هذه اللحظة، لا يعود متلقياً، بل يصبح صانعاً للمعنى ومشاركاً في إعادته.
ويدمج هنا العلاج بالمعنى داخل المسار الأدبي بشكل عملي، إذ بعد قراءة نص عن شخصية فقدت اتجاهها، يُطرح سؤال بسيط وعميق: ما الذي كان يمكن أن يمنح هذه الشخصية سبباً للاستمرار؟ ثم يُعاد توجيه السؤال نحو المشارك نفسه: ما الذي يمنح حياتك معنى على الرغم من التشتت؟ قد يكتب أحد المشاركين مثلاً: (أن أكون حاضراً مع عائلتي من دون هاتف)، ويكتب آخر: (أن أستعيد قدرتي على التركيز في شيء أحبه). تتحول هذه الإجابات إلى نقاط ارتكاز تعيد توجيه السلوك.
ويمكن كذلك توظيف تمرين (إعادة المعنى) عبر الكتابة، حيث يُطلب من المشارك أن يصف يوماً عادياً من حياته الرقمية، ثم يعيد كتابته بحيث يصبح يوماً ذا قيمة، عبر إدخال لحظات وعي أو تواصل حقيقي. هذا التحول من الوصف إلى إعادة البناء يرسّخ الشعور بالقدرة على التغيير.
وتتجسد الحلول العملية في خطوات بسيطة لكنها عميقة، منها تخصيص وقت يومي للقراءة المتأنية عوضاً عن التصفح السريع، وكتابة يوميات قصيرة تعيد تنظيم التجربة، وإجراء حوار ذاتي أسبوعي عبر أسئلة مفتوحة، والانخراط في جلسات جماعية قائمة على النص والحوار وربما الكتابة والتفريغ. هذه الممارسات لا تقطع العلاقة بالعالم الرقمي، بل تعيد التوازن داخله.
ولوحظ من خلال متابعتي عدداً من الحالات، أن كثيراً من الشباب لم يعانوا من عجز في الفهم بقدر ما كانوا يفتقدون مساحة هادئة يعيدون فيها ترتيب أفكارهم وصياغة تجربتهم، بعيداً عن ضوضاء الشاشات، فعندما توافرت لهم هذه المساحة عبر النص والحوار والكتابة، بدأ التحول تدريجياً من التشتت إلى الوعي. علماً أن العلاج التفاعلي بالأدب طبق بشكل مستقل أو مدمج مع مدارس علاجية أخرى.
ولذا، تكمن قيمة هذا المشروع في أنه لا يهاجم التكنولوجيا، بل يعالج أثرها في الإنسان.. آية ذلك، أن إعادة بناء الانتباه عبر القراءة، واستعادة الصوت الداخلي عبر الحوار، وإنتاج المعنى عبر الكتابة، تشكل مساراً متكاملاً يعيد إلى الإنسان توازنه، ما يقيه أو يعالجه من الاضطرابات النفسية.
في المحصلة، يمكن القول: إن اضطراب (الجيل الرقمي)، لا يعد اضطراباً عابراً، إنما يشكل تحولاً في بنية الوعي، حيث يُستنزف الانتباه ويتآكل المعنى. غير أن هذا الواقع لا يلغي إمكانية الاستجابة، بل يفتح الباب أمام مقاربات جديدة، يأتي في مقدمتها العلاج التفاعلي بالأدب بوصفه مساراً يعيد إلى الكلمة دورها العلاجي في زمن التشظي والاغتراب.
يبقى السؤال الملح هنا: هل نحن أمام جيل عاجز عن التوازن، أم أمام منظومة تربكه ثم تطالبه بأن يكون سليماً؟!

ذو صلة