الناشر: شركة دار الوراق للنشر، لندن، 2026.
لمَّا اندلعت الحرب العظمى، كان مؤلف هذه الحكاية الإنسانية عن السفر في الصحراء نافد الصبر، مثل غيره من الشباب البريطاني الوطني للقيام بدوره في النضال، وكان حريصاً أشدَّ الحرص على ألَّا يتأخر في الانتساب إلى اللجنة Commission. وقد جُنِّد في فوج كِنت الشرقي الملكي، وقدَّم نفسه لي في صيف عام 1916 في البصرة على أنه العريف تشيزمان في تلك الكتيبة، حاملاً معه أسطراً من المقدمة مكتوبة بخط صديقٍ قديمٍ لي في الخدمة. وكان ذلك التحول في مقر قوة المشاة الهندية (D) بالتحديد، مرحلةً لاستعداداتٍ عظيمةٍ مهولةٍ للتقدم نحو نهر دجلة في الشتاء القابل، وكان من المقرر لتلك الاستعدادات التعويض عن كارثة الكوت، والسيطرة على بغداد بقيادة السير ستانلي مود صاحب السيرة العطرة. وكانت آلة الجيش تعمل حينذاك بكامل قوتها، وكان كل فرد من أفراد القيادة العامة في شغلٍ شاغلٍ. لكن أكثرنا انشغالاً كان لديه ساعات إجازة عرضية، ولم يتطلب الأمر على حد قول كاتب المقدمة (سوى تواصل طفيفٍ بيني وبين وكيل البحرية، لنكتشف تلك الرابطة القوية في حبنا الشديد للطبيعة وولهنا بها. وكان الحب الَّذي نمتلكه أمراً متأصلاً في نفسينا، ولا يمكن أن نستبعده من حياتنا اليومية. كان ارتباطاً أسهم في إبقائنا على اتصال وثيق طول السنوات السبع التالية).
وكان من مصلحة علم الحيوان في المقام الأول أن خطط الرائد تشيزمان لرحلته الأخيرة إلى منطقة غير مستكشفة في شرق شبه الجزيرة العربية، والَّتي وصفها في المجلد المعروض علينا، وقد شهد عالم طبيعة بارز مثل اللورد روتشيلد شهادةً وديةً على قيمة علم الحيوان. والاهتمام بالنتائج الَّتي حققها وبخاصة في مجال علم الطيور. ولكن في حين أن كفاءة الرائد تشيزمان في علم الطبيعة الميدانية تجعل ملاحظاته ذات وزن واهتمامٍ خاص عند التعامل وحيوانات تلك الأصقاع، فإن أنشطته لم تقتصر بأي حال من الأحوال على هذا المجال وحده. على العكس من ذلك، أدرك قبل أن يبدأ أن الاهتمام الجغرافي والأثري مرتبط بالمنطقة الَّتي كان يأمل في استكشافها، وكان يبذل قصارى جهده لإعداد نفسه بالتدريب الأولي والدراسة، للتعامل بكفاءة ومثل هذه المشاكل الَّتي قد تطرح نفسها، والنتيجة أنه قدَّم لنا مساهمة قيمة في مخزون المعرفة لدينا.
ففي الجغرافيا على سبيل المثال، فهو لم يكشف الستار عن مستوطنة يبرين (الغامضة) فحسب، والَّتي ظلت أجيالاً اسماً يستحضره الرحالة والجغرافيون المهتمون بشبه الجزيرة العربية، ولكنه تمكن أيضاً من إلقاء بعض الضوء المفيد على مصارف المياه في مرتفعات نجد، وهي مشكلة حيرت الجغرافيين منذ أقدم العصور.
وفي مجال علم الآثار، فإننا نجد أن المعلومات والأدلة الَّتي حصل عليها خلال زيارتيه شواطئ خليج سلوى، ومع أنها لا ترقى إلى الإثبات المطلق، إلَّا أنها تشكل أساساً قوياً للاستنتاج بأن موقع سوق جيرا للجغرافيين القدماء هو في المنطقة المجاورة مباشرةً لميناء العقير الحالي، وليس على رأس خليج سلوى كما كان من المفترض سابقاً.
وتعد هذه الرحلة سجلاً حياً وصريحاً لرحلات الصحراء، والَّتي غالباً ما تكون في ظروف صعبةٍ شديدةٍ، فيها صبر ومثابرة لا ينقطعان، وتنبض بالحياة طول الوقت بروح الدعابة الهادئة الَّتي تؤكد نفسها باستمرارٍ.
وأخيراً، ثمة لمحات إلى الملك عبدالعزيز بن سعود، الذي ترك في داخله -بعد تواصل خمسة عشر عاماً حافلاً بالأحداث- مشاعر شخصية قوية وعاطفة عميقة لهذا الصديق، وإعجاباً عميقاً بصفاته العظيمة، وشجاعته، وحنكته السياسية الَّتي أسهمت كثيراً في تشكيل مصيره.