مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

رمزية الحيوانات الأليفة في الفن التشكيلي

على غرار استخدام الورود والأزهار والأشجار، والسماء والشمس والقمر، والبحار والأنهار.. إلخ؛ جرى استخدام الحيوانات الأليفة موضوعات فنية على مر التاريخ، بدءاً من رسومات ونقوش الكهوف الأولية، مروراً بالمنحوتات، وصولاً إلى الرسومات الفنية الحديثة.
ويعود تاريخ استخدام الحيوانات في الفن، إلى أمثلة قديمة جداً في التعبير الفني البشري، وعلى سبيل المثال صورت رسومات الكهوف الأولية، التي يرجع تاريخها لآلاف السنين، العديد من الحيوانات، مثل (كهف لاسكو) بفرنسا، الزاخر بالعشرات من الرسومات الحيوانية (البيسون والماوث والخيول). وبالرغم من أنها لم تكن حيوانات أليفة، لكنها كانت ذات أهمية كبيرة بالنسبة للإنسان القديم.
وهناك أمثلة أخرى لفن الحيوانات الأليفة القديم بمختلف الثقافات والمدد الزمنية، منها ابتكار شعب موتشي (200 - 850) شمال بيرو القديمة، عدة أواني خزفية على شكل حيوانات، كالكلاب والقطط الكبيرة، وفي اليابان بالقرن (17) وحتى القرنين (18 - 19) كانت مطبوعات (أوكييو- إي) الخشبية، تظهر دوماً القطط والحيوانات الأخرى، شخصيات مشاكسة ومرحة بنفس الوقت، وكل تلك الأمثلة وفرت لفن الحيوانات الأليفة القديم، لمحة عن كيفية إدراك الحيوانات، وتقديرها بمختلف الثقافات على مر التاريخ.
إضافة إلى تسليطها الضوء على الدور المهم، الذي لعبته الحيوانات الأليفة بحياة الإنسان على مدار آلاف السنين، وأوضحت أيضاً الجاذبية الدائمة للحيوانات كمواضيع فنية، ومع تطور الحضارات وتزايد دور الحيوانات بحياة الإنسان، بدأت تظهر في الفن التشكيلي حيوانات كالقطط والكلاب والأرانب والسلاحف، وغيرها من الحيوانات الأخرى.
الكلاب.. والمكانة الاجتماعية
في الوقت الذي كان فيه بعض الناس بأوروبا يقتنون حيوانات أليفة بالعصور الوسطى، لكنها لم تكن شائعة كشيوعها حالياً، وبخاصة بين الطبقات الدنيا، إذ كانت تكلفة تربيتها ورعايتها باهظة الثمن، إلا أن الكلاب كانت تستخدم دوماً في أغراض نفعية، كالصيد أو حراسة الممتلكات، وكانت تدرج أحياناً بمشاهد الصيد، أو رفيقة مخلصة للشخصيات النبيلة. وبمواضع كثيرة كانت معظم الكنائس بأوروبا تكلف بأعمال فنية خلال العصور الوسطى، ما يتيح رؤية صور الحيوانات بسياقات دينية، كالمخطوطات المزخرفة ومنحوتات الكنائس بأوروبا، لكن لوحظ بالقرنين (18 - 19) زيادة بامتلاك الحيوانات الأليفة بين الطبقات المتوسطة والعليا.
ومع انتقال الناس من المناطق الريفية إلى المدن، باتت الحيوانات الأليفة وأولها الكلاب رفيقة شعبية ورموزاً للمكانة الاجتماعية، ومع هذا الارتفاع في امتلاك الحيوانات الأليفة ورموزها الاجتماعية، ازدادت الطلبات على رسومات الحيوانات الأليفة وغيرها من الفنون، فكانت العائلات الثرية تكلف فنانين برسم لوحات ومنحوتات لكلابهم الأليفة المحبوبة، باعتبارها من ضمن أفراد العائلة، وهذا العصر بالذات ساعد على ترسيخ شعبية وأهمية فن الحيوانات الأليفة، شكلاً من أشكال التعبير الفني، الذي جسد الجمال الفريد للحيوانات الأليفة، وساعد أيضاً على امتلاك عدد من الفنانين المشهورين للحيوانات الأليفة، وكان الكثير منهم مولعاً برسمها، كما شهد القرن العشرون أيضاً المزيد من أعمال التجريب والابتكار بعالم فن الحيوانات الأليفة.
القطط.. غموض واستقلالية
يمكن رؤية القطط في الأعمال التشكيلية من عصر النهضة إلى العصر الحديث، وعلى سبيل المثال بلوحة (رامينو جالساً على قطعة قماش) للفنانة سوزان فالادون، والتي رسمتها عام 1920م، ورامينو هو اسم القط الذي تمتلكه الفنانة المعروفة باستقلاليتها الشديدة، لذلك رسمت قطها رامينو كثيراً، نظراً لإعجابها الشديد به وتقديرها له، وتلك اللوحة تصور القط رامينو وهو جالس بفخر على قطعة قماش بيضاء، والقط ذو الفراء الأحمر والعينين الذهبيتين، يتوسط اللوحة، ويقف بأناقة وسط المنسوجات، ولوحظ أن القط يحدق في عيني المشاهد بنظراته الرقيقة.
كما اشتهر الرسام البريطاني لويس وين، بلوحاته التي تصور قططاً مجسمة تتصرف كالبشر، ففي لوحته المسماة (حفل توزيع العزوبية) يظهر جلوس مجموعة من القطط على طاولة، تحتفل بحفلة توديع عزوبية، ولكل قطة عيون جاحظة وسيجار بمخلبها، ومن جانبه يصور الفنان التعبيري فرانز مارك في لوحته (القطة البيضاء) قطة نائمة على وسادة صفراء، ويتباين لون القطة البيضاء مع الخلفية الحمراء والصفراء، حيث تنام القطة بسلام بمكان يبدو دافئاً ومريحاً، ويعود تاريخ هذه اللوحة الزيتية إلى عام 1912م.
وفي لوحة (الطفل مع القطة) التي أبدعها بيير أوغست رينوار عام 1887م؛ تظهر جولي وهي فتاة صغيرة، تجلس على مقعد وقطتها بين ذراعيها، حيث تقف القطة بجانب سيدتها الصغيرة، وتتلقى منها مداعبات، ويمكن رؤية تعبير الرضا على وجه القطة. وفي لوحة (غداء القطة) من عمل الرسامة الفرنسية مارغريت جيرار؛ تظهر قطة كبيرة بيضاء وبنية اللون، وعلى كرسيّ مغطى بالقماش تجلس فتاة صغيرة تجثو بجانب القطة، وتقدم لها إناء من الحليب، ويقوم القط بلعق الحليب الذي قدمته الفتاة بهدوء، وأخيراً في الخلفية نلاحظ كلباً أبيض صغيراً يحدق بالقطة وهي تروي عطشها.
وعلى نفس الخط سار الفنان السويسري ألبرت أنكر برسمه لوحة (فتاة بقماش محبوك وقطة) عام 1903م، وتلك اللوحة تظهر فيها فتاة مبتسمة، وهي جالسة بغرفة خافتة الضوء، والفتاة تمسك بيدها اليسرى إبر حياكة استعداداً للقيام بعمل فني، وبيدها اليمنى ترفع خيطاً أبيض من الصوف، بينما نرى قطة تجلس على حجر الفتاة، وتقف على قائمتيها الخلفيتين، لتمسك بالخيط وتلعب به، وكل ما ورد يؤكد أن القطط كانت من أهم مصادر الإلهام للفنانين حول العالم، وقد رسمت هذه الحيوانات الآسرة التي تجمع بين الغموض والاستقلالية مراراً وتكراراً بأعمال فنية من مختلف العصور والأساليب.
حمامة بيكاسو رمزاً للسلام
مع ظهور الحداثة وحركات الفن التجريدي، بدأ الفنانون في استكشاف رسومات فنية أكثر أسلوبية، وغير تقليدية للحيوانات الأليفة، وأوضح الأمثلة على ذلك التحول أعمال الفنان الإسباني الشهير بابلو بيكاسو، الذي دأب على دمج الحيوانات في لوحاته ومنحوتاته، وبيكاسو عرف عنه أن الحيوانات الأليفة كانت تلعب دوراً مهماً بحياته، سواء في رفقتها الدائمة أو موضوعات لأعماله، فمنذ نعومة أظافره كان بيكاسو يعيش مع الحيوانات، فكان يربي الكلاب والماعز وغيرها، كما كانت له علاقة خاصة بالطيور كالحمام والبوم، ويقال إن حبه للحيوانات كان يفوق حبه للبشر، حيث كان يعمل دوماً على إحاطة نفسه بالحيوانات.
وقد تجلت علاقته الحميمة بالحيوانات بأعماله الفنية أيضاً، ففي تقنيات متنوعة كالمطبوعات والرسومات واللوحات والمنحوتات والسيراميك، صور بيكاسو الكلاب والبطاريق والخيول والحمام لتصبح عادة بأعماله، كما اختار أسلوباً تجريدياً في تصوير الحيوانات، ودوماً ما كان يلخص الزخارف ببضعة خطوط نمطية لإبراز طابعها الفريد، ولم تكن حيوانات بيكاسو مستقلة فقط، بل كانت تشير على الدوام إلى مستوى أعمق من المعنى، وعلى سبيل المثال يرمز الثور بأعماله إلى الخصوبة والقوة، ويمكن تفسيره أيضاً بأنه تعليق على الظروف الاجتماعية والسياسية، كما تتضمن أعمال بيكاسو بعضاً من أشهر رسومات الحيوانات، كلوحة (طفل مع حمامة) عام 1901م حيث كانت الحمامة أيضاً رمزاً عالمياً للسلام، وقد صمم بيكاسو لسنوات عديدة ملصقات مؤتمر السلام العالمي، ومن بين هذه الزخارف أشهر أعماله عام 1961م (حمامة السلام) التي رسمها ببضعة خطوط فقط، تحمل غصن زيتون بمنقارها.
ويقال إن بيكاسو كان يمتلك حديقة حيوانات صغيرة، تضم عدداً من القطط والكلاب والماعز، وكان أكثر الحيوانات المفضلة لديه كلب صغير، كان يعرف بـ(لومب) أي المحتال بالألمانية!، أهداه إليه صديقه الرسام ديفيد دوغلاس دنكان، ويقول بيكاسو عن الكلب لومب (إنه ليس كلباً، وليس رجلاً صغيراً، إنه شخص آخر)، وقد رسم بيكاسو (44) دراسة فيما بين شهري أغسطس وديسمبر عام 1957م ومن العجيب أن الكلب لومب ظهر في (15) منها، ومن المثير للاهتمام أن بيكاسو كان معروفاً بكونه وحيداً بشكل خاص أثناء العمل، ويقال إن لومب كان هو المخلوق الوحيد، المسموح له بدخول المرسم الخاص به دون استئذان.
الأرانب.. حب ورخاء
تعد الأرانب من بين الرسومات الشائعة في الفنون التشكيلية، ولها معانٍ أسطورية وفنية متنوعة بمختلف الثقافات، وباعتبارها حيوانات صغيرة ذات فراء، سمحت الأرانب للفنان بإظهار قدرته على رسم هذه المادة الصعبة، وقد يكون الأرنب رمزاً للخصوبة أو الحسية، ودوماً ما كان يظهر برسم مشاهد الصيد والربيع في أعمال الأشهر، ففي العصور القديمة الكلاسيكية كان الأرنب ونظراً لتقديره فريسة صيد، ينظر إليه على أنه تجسيد للمخلوق المطارد، الذي لا يمكنه البقاء على قيد الحياة، إلا من خلال التكاثر الوفير.
ويصف هيرودوت وأرسطو الأرنب، بأنه أحد أكثر الحيوانات حيوية وخصوبة، وكان الأرنب بمكانة سمة من سمات إلهة الحب (أفروديت) وهدية بين العشاق. وفي أواخر العصور القديمة، كان الأرنب يستخدم رمزاً للحظ السعيد وبتقاليد الدفن القديمة، وفي باكورة الفن المسيحي، ظهرت الأرانب على النقوش البارزة، والنقوش على القبور والأيقونات ومصابيح الزيت، ويفهم من مشاهد الصيد في السياق المقدس، على أنها سعي وراء الخير من خلال الشر.
وفي النحت الروماني عام 1135م بكاتدرائية كونيغسلاتر الإمبراطورية، يرمز أرنب يطارده صياد للروح البشرية، التي تسعى للهروب من اضطهاد الشيطان، وهناك لوحة أخرى تحمل عنوان (الأرانب تصطاد الصيادين) تظهر انتصار الخير على الشر، وبالفن غير الديني بالعصر الحديث يظهر الأرنب بالسياق نفسه كما بالعصور القديمة، فريسة للصياد أو ممثلاً للربيع أو الخريف، إضافة إلى كونه سمة من سمات (فينوس) ورمزاً للحب الجسدي، ففي لوحة (أبريل) لفرانشيسكو ديل كوسا بقصر شيفانويا في فيرارا بإيطاليا، يرمز أطفال فينوس وهم محاطون بسرب من الأرانب البيضاء، إلى الحب والخصوبة.
وبحلول نهاية القرن السابع عشر، ظهر النوع الفرعي الأعظم من الحياة الساكنة لجوائز الصيد، والآن يتم وضعها بالهواء الطلق كما لو كانت على الباب الخلفي لقصر أو نزل صيد، واستمرت الأرانب في الظهور بأعمال مبتكري هذا النوع من الهولنديين والفلمنكيين والرسامين الفرنسيين اللاحقين، مثل جان بابتيست أودري، ومن ناحيته كرس جوزيف بويز الأرنب بصورة دائمة بأعماله، يرى فيه رمزاً للبعث، وبسياق عمله (كيف تشرح الصور لأرنب ميت) يقول بويز: (إن الأرنب له علاقة مباشرة بالولادة، بالنسبة لي، الأرنب هو رمز التجسد، لأنه يظهر في الواقع ما لا يستطيع الإنسان إظهاره إلا بأفكاره، إنه يدفن نفسه في منخفض، إنه يتجسد في الأرض، وهذا وحده مهم جداً).
كما تتضمن حكايات الأطفال للكاتبة البريطانية بياتريكس بوتر التي رسمتها بنفسها، مجموعة عناوين تظهر الأرنب (بيتر) سيئ السلوك مع شخصيات (أرانب) أخرى، مثل كتابها الأول الأكثر نجاحاً (حكاية الأرنب بيتر) عام 1902م، أعقبه كتاب (حكاية الأرنب بنيامين) عام 1904م، ثم كتاب (حكاية الأرانب المتراخية) عام 1909م. وعدت أرانب بوتر المجسمة ذات الملابس، من أشهر الأرانب الفنية بالدول الناطقة بالإنجليزية، ولوحظ في رسومات بوتر تأثرها كثيراً برسومات جون تينيل للأرنب الأبيض في كتاب لويس كارول (مغامرات أليس في بلاد العجائب).

ذو صلة