يمثل مسلسل (ER) علامة فارقة في تاريخ الدراما الطبية منذ انطلاقه عام 1994، فبينما كانت الأعمال السابقة منذ الخمسينات تعتمد على وتيرة سردية هادئة وقوالب درامية نمطية، استطاع هذا العمل نقل المُشاهد إلى قلب الواقع الطبي بإيقاع سريع وتصوير دقيق للتفاصيل الجراحية داخل غرف الطوارئ، هذا التحول النوعي في أسلوب الطرح جذب ما يزيد عن 30 مليون مشاهد أسبوعياً، وساهم في صعود نجوم عالميين أبرزهم (جورج كلوني) و(نوح وايلي)، الذي جسد عبر شخصية (جون كارتر) رحلة نضج طبيب من متدرب إلى محترف، مُلهماً الكثيرين لدخول المهنة في الواقع، واليوم يعود وايلي إلى الشاشة في مسلسل (The Pitt) بشخصية الدكتور (مايكل روبينافيتش)، مستثمراً صورته كأيقونة طبية لتقديم عمل جديد، ورغم أن عودته محل سعادة وترحاب من محبيه، إلا أنها مثلت تحدياً له وللقائمين على (The Pitt)، بعدما فشلوا في الحصول على حقوق مسلسل (ER) والعودة المضمونة من خلاله، مما اضطرهم إلى ابتكار مفهوم جديد تماماً في عمل مختلف، فهل نجحوا في مساعيهم؟
تدور أحداث مسلسل (The Pitt) في قسم طوارئ ضمن مستشفى تعليمي مختص بالإصابات الخطيرة في مدينة بيتسبرغ الأمريكية، وفهم خصوصية المكان هو جزء لا يتجزأ من فهم المسلسل ومعايشة التجربة التي يقدمها، إذ إن هذا النوع من المستشفيات ليس عيادة صغيرة، ولا مستشفى عاماً عادياً، بل هو جزء من شبكة مستشفيات كبيرة مرتبطة بكليات الطب، وتتلقى حالات شديدة التعقيد، حيث ينصب الاهتمام ليس فقط على المرضى العاديين، لكن على الحالات الأكثر خطورة التي تحتاج تدخلاً سريعاً وأجهزة متقدمة، يقوم على العمل في المستشفى أطباء كبار وأطباء مقيمون، يعملون تحت إشراف رسمي لتعليم وتدريب الأجيال الجديدة من طلبة كلية الطب.
صُناع المسلسل لم يكتفوا باختيار مكان شديد الحساسية، ولكن قرروا أن يلعب الزمن دوراً لا يقل أهمية، حيث تمثل جميع أحداث الموسم نوبة عمل واحدة لمدة 15 ساعة متواصلة، بحيث تمثل كل حلقة ساعة عمل واحدة، ذلك الأسلوب السردي يجعل التماهي بين الزمن الواقعي والدرامي يتلاشى، ويجعل المتفرج ينصهر داخل التجربة بكل ما فيها من قسوة وضغط نفسي، خصوصاً أن المكان لا يعطي فرصة لتواجد حالات خفيفة أو بسيطة تسمح بمساحات من الخفة أو اللطف، فالجميع تقريباً على وشك الموت ويجب إنقاذه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهو ما يجعل قسم الطوارئ أشبه بمستشفى ميداني داخل ساحة قتال، يستقبل حالة خطيرة كل بضع دقائق فقط، تلك الواقعية المفرطة قللت تواجد القصص الدرامية المعتادة في هذا النوع إلى الحد الأقصى، كما لا توجد موسيقى تصويرية واضحة تخفف من وطأة ما يحدث، ولكن يعتمد شريط الصوت على الأجهزة الطبية والحوارات وكل ما يجعل المتابع ينغمس تماماً بكامل حواسه في العمل.
يناقش المسلسل عدداً من الموضوعات المعاصرة، والتي تفرضها طبيعة المكان بشكل تلقائي، مثل خلل منظومة الرعاية الطبية ومعاييرها، فبينما يحاول فريق الأطباء أن يقدموا أفضل حلول طبية ممكنة في حدود المتاح والممكن، يتعرض دكتور روبي إلى ضغط مستمر ومتواصل من المديرة الإدارية للمستشفى، أن يبذل مزيداً من الجهد في الانتهاء من الإجراءات الطبية سريعاً، لأن الإدارة العليا غير راضية عن تقييمات المرضى الذين ينتظرون طويلاً قبل الحصول على الرعاية اللازمة، وهو ما سوف يؤثر على ميزانية المستشفى مستقبلاً، في حين يشرح لها الأخير أن نقص عدد الأطباء والممرضين هو السبب، والمديرة غير قادرة على زيادة عددهم بسبب نقص الميزانية كذلك، وهو ما يعكس الوضع العبثي في فلسفة الإدارة والتمويل.
من ناحية أخرى يتفاقم غضب المرضى المنتظرين لساعات طويلة، متجسدة في رجل ينتظر عدة ساعات بسبب اشتباهه في تعرضه لأزمة قلبية، ومع ذلك لا يمثل أولوية بالنسبة لبقية الحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي عاجل، حتى نصل إلى ذروة غضبه عندما يلكم طبيبة مناوبة تقف خارجاً لترتاح بضع دقائق محطماً وجههاً، لنكتشف أنها ليست حالة استثنائية على الإطلاق، وأن الطاقم الطبي معرض طوال الوقت لمخاطر الاعتداء من قبل المرضى وذويهم، وبالطبع لا تتمكن إدارة المستشفى من حمايتهم بسبب محدودية توظيف القطاع الأمني، حتى أن إحدى سيارات الإسعاف تتعرض للسرقة.
وليس هذا فحسب ما يتعرض له الطاقم الطبي بسبب نقص التمويل، فالعمل لساعات طويلة بلا توقف مع عدد كبير من المرضى ذوي الحالات الخطيرة، يؤدي إلى الاحتراق النفسي للكثير منهم، فالمسلسل يبدأ وينتهي بتفكير اثنين من ألمع الأطباء في إنهاء حياتهما، نتيجة للضغط النفسي المتواصل الواقع عليهما، فضلاً عن تكرار حالات الوفاة وفشل عدد من العمليات الحساسة، تجعل الأطباء يشعرون بالذنب والتقصير رغم أنهم لا يملكون فعلياً حلولاً طبية، ناهيك عن الذكريات السيئة التي يعاني منها البعض إثر جائحة كوفيد التي لا تزال عالقة في أذهانهم، وعلى رأسهم دكتور روبي الذي يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، بسبب وفاة أستاذه في الجائحة دون أن يتمكن من إنقاذه.
موضوع آخر يطرحه المسلسل، وهو العنصرية التي يتم التعامل بها مع بعض الأشخاص من خلفيات عرقية مختلفة، مثل سيدة من أصول أفريقية تعاني من ألم شديد وتتلوى بسببه بعنف، فيفترض المسعفون تلقائياً أنها مدمنة مخدرات، بسبب لونها وملابسها، إلا أن طبيبة تلاحظ بسرعة أنها مريضة بفقر الدم المنجلي، وتساعدها على تلقي العلاج المناسب، يسلط المسلسل الضوء على أن هذا النوع من الممارسات ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لتطور الطب الأمريكي نفسه الذي تشكّل عبر قرون في ظل صراعات اجتماعية وعرقية، ففي القرنين التاسع عشر والعشرين، سادت عقائد طبية خاطئة بُنيت على صور نمطية تزعم أن المرضى السود لديهم قدرة أعلى على تحمل الألم، ما أدى إلى تدني جودة الرعاية المقدمة لهم، ورغم هذا الإقصاء والقوانين التي استمرت حتى الستينات في فصل المرضى على أساس العرق، إلا أن الأمريكيين من أصل أفريقي لعبوا دوراً حيوياً في بناء بدائلهم الخاصة، وهو ما يستدعيه المسلسل من خلال إشارات لتاريخ محلي مثل (خدمة إسعاف فريدوم هاوس) في بيتسبرغ، كواحدة من أوائل تجارب الإسعاف المجهزة في أمريكا التي خُصصت لخدمة المجتمعات المحرومة، وبذلك يطرح العمل التفاوتات الصحية المعاصرة، مثل ارتفاع معدلات وفيات الأمهات السود وانخفاض متوسط العمر المتوقع لديهن، ليس مجرد مصادفات عشوائية، بل نتيجة مباشرة لسياسات تاريخية ممتدة أثرت على عدالة الرعاية الطبية حتى وقتنا الحالي.
موضوع آخر يناقشه المسلسل، وهو تغلغل ثقافة (وسائل التواصل الاجتماعي) وتأثير المحتوى الرقمي المضلل على الصحة العامة، حيث تحول (المؤثرون) إلى مصدر بديل للمعرفة الطبية، وهو ما يتجسد في قصة مريضة تعمل كصانعة محتوى تجميلي، تظهر عليها أعراض ذهانية وارتعاشات حادة، لنكتشف بعد عدة تشخيصات مختلفة، أنها ناتجة عن تسمم بالزئبق جراء استخدام كريمات تبييض غير آمنة، والأمر لا يتوقف على الضرر الجسدي الناتج عن ترويج منتجات خطرة، بل يمتد لمريضة أخرى أجرت عملية تجميل فاشلة أدت إلى تشوه جسدي خطير، والأهم أننا نغوص في الأزمة النفسية لهؤلاء المؤثرين، والضغط الهائل المرتبط بصورة الجسد وملاحقة المتابعين، ومن زاوية أخرى لمساوئ الإنترنت. يعرض المسلسل كيف تعترض أم لابنها المريض على إجراء طبي قد ينقذ حياته، لأنها تثق في معلومات الإنترنت أكثر من ثقتها في أطباء ممارسين ومتخصصين، وهي تحولات اجتماعية حقيقية وخطيرة أصبحت تواجه الأطباء، وتعرض حياة المرضى للخطر، خصوصاً عندما تكون حالة المريض بين الحياة والموت، ولا تتحمل أي تباطؤ في اتخاذ القرار.
هناك أيضاً نقاش ضروري يطرحه المسلسل باقتدار، وهو معضلة الأخلاقيات الطبية والقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في بيئة محكومة بموارد محدودة وزمن حقيقي ضاغط، يبرز العمل فلسفة (الترجيح) أو تحديد الأولويات، حيث يُجبر الأطباء على مواجهة تساؤلات أخلاقية معقدة حول من يستحق العلاج أولاً، ومتى يجب التدخل الجراحي الفوري مقابل الانتظار. هذه المشاهد لا تكتفي باستعراض الجانب المهني، بل تظهر التوترات الإنسانية الناتجة عن مبدأ (النفعية) الطبية، والموازنة الصعبة بين حقوق المريض وبين حدود تعاطف الطبيب الذي يعمل في ظروف قاسية. كما يعكس المسلسل الصراع الخفي بين ضرورة تعليم الأطباء المقيمين ومنحهم فرصة الممارسة، وبين الأولوية القصوى لإنقاذ حياة المريض، مما يحول كل قرار طبي إلى اختبار أخلاقي يضع الفريق أمام مسؤوليات قانونية وإنسانية جسيمة لا تحتمل التأجيل.
تأتي المفاجأة الحقيقية التي تقلب موازين المسلسل في حلقاته الأخيرة، لتعيد صياغة مفهوم (الضغط) الذي شاهده الجمهور طوال الموسم، فبينما يستعد دكتور روبي وفريقه المنهك للمغادرة مع اقتراب نهاية نوبة العمل، وبعد أن فقد الطاقم بالفعل اثنين من أكفأ أطبائه، يفاجأ الجميع بوقوع حادث إطلاق نار عشوائي في حفل جماهيري، ومع تدفق عشرات الضحايا المصابين بطلقات نارية في أنحاء مختلفة من أجسادهم، يتحول إيقاع العمل إلى شكل لاهث واستثنائي، يضع المشاهد بحق داخل تجربة (المستشفى الميداني) في قلب ساحة حرب، وكأن الإيقاع المتسارع طوال الحلقات السابقة كان مجرد تمهيد هادئ لهذه الذروة الدرامية، حيث يجد الأطباء أنفسهم أمام اختبار مستحيل لمواجهة كارثة جماعية بموارد طبية محدودة للغاية، وفي ظل ضيق وقت لا يسمح حتى بإجراء أبسط الفحوصات الروتينية مثل فصيلة الدم، مما يجعل إنقاذ الأرواح يعتمد كلياً على البديهة الطبية والقدرة على العمل وسط فوضى الدماء والقرارات المصيرية المتخذة في أجزاء من الثانية.
في الختام، قد لا تكمن القيمة الحقيقية لمسلسل (The Pitt) في دقة تفاصيله الطبية فحسب، بل في تلك المساحة الوجدانية التي يضعنا فيها أمام جوهر الكرامة الإنسانية في مواجهة العبث، فالمسلسل لا يبيعنا أملاً ساذجاً، بل يرينا بطولة حقيقية تتجسد في الإصرار على إنقاذ الأرواح التي كادت أن تزهق بسبب عمل عديم المعنى ومفرط في العدمية. يطرح المسلسل السؤال الأكثر عمقاً: كيف يستمر الإنسان في فعل الخير وبذل هذا الجهد المضني، بينما يفقد كل ضمانة بأن لهذا الخير أي صدى أو معنى وسط هذا العالم المربك؟ إن دكتور روبي وفريقه يثبتون أن المعنى يُخلق في تلك اللحظة الحرجة التي يقرر فيها المرء الانحياز للحياة والوقوف بصلابة أمام الفوضى، وهو ما يفسر الاحتفاء النقدي الكبير بالعمل وتتويجه بجوائز مثل «الإيمي» كأفضل مسلسل درامي، فهذا الفوز لم يكن مجرد اعتراف بجودته التقنية، بل تقديراً لتأثيره الثقافي وقدرته على التفوق على أعمال كبرى في (ثقافة البوب)، ليعيد الدراما الطبية بقوة إلى صدارة أفضل برامج العام عبر تجربة بصرية وإيقاعية مغايرة، أثبتت أن الصدق في تناول مآسينا الإنسانية هو الطريق الأقصر لقلب الجمهور وعقل النقاد معاً.