في ربيعه العاشر، كان (يامن) يقف على حافة صخرية مع رفيقه، يشاهدان اضطراب البحر في ليلة غاب قمرها، لم يكن القصد سوى اللهو والتحدي المحفوف بـ(طيش الشباب)، لكن موجة عاتية امتدت لتختطف صديقه على حين غفلة.
في تلك اللحظة، تشبث (يامن) بذراع صديقه، شعر ببرودة الماء، وبثقل الموت الذي يسحب الطرف الآخر، ثم ساد الصمت، أفلتت اليد، وغاب الصديق إلى الأبد.
مرت خمسة عشر عاماً، صار (يامن) مهندساً يشار إليه بالبنان، ويفتخر به ذووه وجيرانه، لكن (المهندس) الرصين كان ينهار أمام كوب ماء يهتز، أو زخات مطر تطرق نافذته.
في شبابه، لم يكن (يامن) يرى في المطر رحمة، بل كان يراه نداء مخيفاً يعيد إليه لحظات موت صديقه التي لا تغيب عن قلبه أبداً، أدرك حينها أن ذاكرته توقفت هناك، وعجزت عن العبور إلى الأمام، حتى بات ذلك المشهد جزءاً من هويته، مسبباً له (عقدة نفسية)، فأصبح يرتعد من كل شيء له صلة بالماء، حتى وإن كان في مأمن تام.
محو الندوب العالقة
وعندما تيقن (يامن) أن استمرار الحياة بهذا الجرح يعني الموت البطيء؛ قرر أن يطرق أبواب العلاج لاستعادة حقه في أن يعيش إنساناً طبيعياً.
وهنا، ثمة تساؤل يفرض نفسه: هل بمقدورنا محو الندوب العالقة بين جدران القلب والعقل، وتجريف آثارها النفسية لتنطوي صفحة (العقدة) إلى الأبد؟ هل يملك الطب اليوم طرقاً لمداواة الروح كترميمه للجسد؟
التعافي لا يعني نسيان الأزمة، بل القدرة على المضي دون بقاء آثارها في صدورنا. لذا تواصل البحوث العلمية سعيها في سبيل تحجيم سطوة الذكريات السيئة وتفكيك حبال الألم، وإضعاف أثره. وتتركز هذه الجهود حول استهداف عملية (إعادة تثبيت الذاكرة) في الدماغ؛ إما عبر التدخلات الدوائية التي تروض حدة المشاعر، أو من خلال تقنيات (علم البصريات الوراثي) التي تطوع الإحساس لتعديل المسارات العصبية، وصولاً إلى إستراتيجيات (الإطفاء السلوكي)، وسعياً لتحويل الذكرى من جرح غائر إلى أثر باهت لا يمتلك القدرة على إيذاء الشخص المصاب.
اضطراب ما بعد الصدمة
يسعى هذا المنهج إلى عزل ذكريات معينة وتجريدها من روابطها القبيحة لمحاصرة أعراض اضطراب ما بعد الصدمة وتحجيم أثره، ولتحقيق ذلك؛ تُجرى التجارب المكثفة على نماذج حيوية لاختبار مدى إمكانية تعطيل الخلايا العصبية المسؤولة عن تخزين تلك الذكريات، في محاولة لفك الارتباط العضوي بين الذاكرة وشعور الخوف.
تستند إستراتيجيات محو الذاكرة إلى حقيقة أن المواقف المخزّنة ليست قوالب جامدة، بل هي كائنات حية تتسم بالسيولة؛ فعند استرجاع الذكرى تصبح غير مستقرة وقابلة للتعديل قبل إعادة استقرارها في الدماغ.
ومن هنا، يسعى البحث العلمي إلى استهداف مرحلة (إعادة التثبيت) عبر تدخلات دوائية تمنع هرمونات التوتر من ممارسة تأثيرها المعزز للصدمة. وفي مسار موازٍ؛ وظف العلماء تقنيات (علم البصريات الوراثي) باستخدام ضوء الليزر في تحديد المسارات العصبية المرتبطة بالخوف وتفكيك آثارها، كما أثبتت الدراسات المخبرية إمكانية استهداف إنزيمات محددة لحذف الذكرى المؤلمة وحدها، مع الحفاظ على المعلومات المحايدة والضرورية المحيطة بها دون الإضرار بذاكرة الشخص المصاب أو التسبب له في الزهايمر.
الذكريات طويلة المدى
إلى جانب هذه الحلول العضوية، يبرز دور (الكبت النشط) ليكون أداة واعية لإضعاف حضور الصور الذهنية المزعجة بمرور الوقت، إضافة إلى تقنيات إعادة التنشيط التي تعتمد على ربط الذكرى السلبية بمعلومات إيجابية متناقضة لتقليص سطوتها العاطفية.
ومع ذلك، يظل التحدي قائماً أمام الذكريات طويلة المدى لكونها أكثر تجذراً واستعصاء على المحو، مما يتطلب تضافراً بين العلاج الدوائي والسلوكي.
وتظل هذه الطفرات العلمية محفوفة بجدل أخلاقي عميق يدور حول (الحق في النسيان)، ومدى تأثير محو الذاكرة على هوية الفرد وتكوينه الشخصي.
ويبرز هنا جدل أخلاقي حول استحقاق الإنسان للعيش في معزل تام عن الألم، فكيف لنا أن نتصور ملامح رحلتنا لو جردت من عثراتها الأليمة؟ هل يستقيم ميزان الحياة الفطري دون هذا التضاد القائم بين الخير والشر، الداء والدواء؟ أم يعدّ اعتراضاً وتدخلاً بشرياً في قدريات محتومة؟
تخفيف وطأة الصدمات
رد الأزهر الشريف عبر موقعه الإلكتروني عن ذاك السؤال، مشيراً إلى أن الرضا بقضاء الله، سراء أو ضراء، هو الركيزة التي تمنح الروح ثباتها أمام فتن ومعاصي العصر الحديث، فهو ليس مجرد استسلام للحدث، بل هو يقين بأن وراء كل قدر حكمة قد تغيب عن إدراكنا القاصر؛ لقوله تعالى: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) (البقرة: 216).
ويظهر التساؤل حول سعي الإنسان لمحو الذكريات الأليمة، فبينما يسخر العلم أدواته لتخفيف وطأة الصدمات؛ يبقى الإيمان موجهاً لنا بأن هذه الابتلاءات هي التي تصقل معدن النفس وتعلي درجات الصبر، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» (صحيح مسلم).
علاج النفس بالعلم
ولكن تبقى محاولة علاج النفس بالعلم لا تتنافى مع الرضا، بل هي سعي للتداوي، شريطة ألا يتحول محو الذكريات الأليمة إلى هروب من أمر كان مفعولاً، ليجعل الله به المؤمن أكثر قرباً له، مستشعراً دوماً أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن في طيات المحنة منحاً قد لا يمحوها النسيان، بل يخلدها الرضا.
فأي السبل نسلك؟ هل نلوذ من أزماتنا إلى العلم لنرمم قلوبنا؟ أم نترك الأمر يسير في طريقه؟ وهل يعد الاستنجاد بالطب ملاذاً مشروعاً حين يضيق بالروح فضاؤها؟
والإجابة: إن الاستشفاء بالعلم ليس نقيضاً للرضا، بل هو متمم له؛ فنحن لا نجمل أو نبدل أقدارنا بل نعين النفس على استعادة توازنها، كي لا يغدو الألم قيداً يمنعنا من إدراك حكمة القدر.
ولكن متى ندق أبواب العلم لطلب المساعدة الطبية؟ يكون ذلك حينما تتحول الذكرى من مجرد ألم عابر إلى سجن يحيا فيه المرء، فيشل خُطاه، ويحجب عنه نور الحياة السوية، هنا؛ يكون استهداف الذكرى وتخفيف حدتها ضرباً من التداوي المأمور به شرعاً، فليس طلباً للنسيان ترفاً، بل استرداد لحق النفس في عيش سليم، وترميم للقلب والعقل، فالعلم هو جند من جنود الله لرفع البلاء وصون أمانة الجسد والروح.
التعافي الحقيقي
وفي نهاية المطاف، تتجلى قصة (يامن) كمرآة لمشكلة عصرية حول التعافي من القدر بالطب، فلم يكن لجوؤه للعلم استسلاماً أو نكراناً للقدر، بل كان امتثالاً لأمر الله في صون الأمانة وتداوي النفس.
لقد أثبت العلم أن الذاكرة ليست قدراً محتوماً، بل هي بناء يمكن ترميمه وتخفيف حدة أركانه التي تأثرت من أثر صدمة ما.
ويأتي رأي الأزهر الشريف ليضع النقاط على الحروف، مؤكداً أن الاستعانة بالطب في مواجهة (العقد النفسية) هو ضرب من الأخذ بالأسباب، ويعين المؤمن على استعادة توازنه ليعبد الله ويعمر الأرض بنفس سوية.
إن التعافي الحقيقي يكمن في تلك النقطة الفاصلة في فهم العلاج، فالدواء لا يقدر على محو الذكرى كلياً، بل يزيل سميّتها، لتتحول إلى جملة مهمشة لا تقدر على إيذائه مستقبلاً. كما أن شفاء الفرد من صدماته ليس نصراً ذاتياً، بل هو إحياء للدائرة الاجتماعية المحيطة به، فالنفس التي تبرأ من عقدها تكف عن بث السلبية في بيئتها.
فحين استرد (يامن) توازنه، لم يستعد قدرته على العيش لنفسه فقط؛ بل عاد ابناً باراً، وصديقاً قادراً على العطاء، ومبدعاً يصب طاقته في إعمار المجتمع.