مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

المستشرق الألماني مانفريد فلايشهمر والدراسات العربية والإسلامية

لطالما حظيت جهود الباحثين الغربيين في مجال الإسلاميات بإشادة واسعة، حيث نجحوا في توثيق وتحليل وإبراز العديد من كنوز التراث الإسلامي. وقد أصبحت أعمالهم المرجع الأساس للطلاب والباحثين في مختلف البحوث والدراسات الأكاديمية. ومن أبرز هؤلاء العلماء المستشرق الألماني مانفريد فلايشهمر Manfred Fleischhammer، الأستاذ بجامعة هالّه مارتن لوثر MLU، الذي أسهم بصورة ملحوظة في إثراء المكتبة العلمية بدراسات قيّمة عن التراث الإسلامي.
ولد فلايشهمر في 1928م. وبدأ حياته العلمية المتعلقة بالفكر الإسلامي من 1947-1952م حيث درس الفلسفة العربية والعلوم الإسلامية بجامعة هالّه تحت إشراف كارل بروكلمان carl brockelmann ويوهان فوك Johan Vuk. وفي سنة 1955م حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من ذات الجامعة. ثم اشتغل سنة 1966م أستاذاً مساعداً للدراسات العربية والإسلامية بجامعة مارتن لوثر كنج بهالّه. وعمل في المدة من 1966-1969م مديراً لمعهد الدراسات الشرقية بجامعة مارتن لوثر كنج بهالّه أيضاً.
تمثّلت جهوده الكبرى في إخراج كتاب مشاهير علماء الأمصار لمحمد بن حبان البستي، حيث عني بتصحيحه ونشره سنة 1959م (صدر عن لجنة التأليف والترجمة والنشر) اعتماداً على مخطوط بمكتبة جامعة ليبزج. وعلى ما في نشرته من أخطاء كانت في حينها مرجعاً رئيساً للباحثين في هذا السياق. فضلاً عن إخراجه لكتابيّ أستاذه كارل بروكلمان المعروفين بـ(تنقيح النحو العربي) سنة 1960م، و(كتاب التذكرة) سنة 1968م.
يضاف إلى ذلك ولعه بإلقاء المحاضرات العلمية وتدوينها ونشرها، حيث ألقى مثلاً محاضرة في المركز الثقافي بجامعة هالّه حول موضوع (عرض تاريخ الإسلام وحضارته في مؤلفات المستشرقين كارل بروكلمان ويوهان فوك). وهي المحاضرة التي نُشرت بعد ذلك في مجلة التراث العربي سنة 1982م. وقد تتبع فيها جهودهما في سياق الفكر الإسلامي، وأكد على مكانتهما، فمما قاله في حقهما:
«وليس هذان العالمان مؤرخين بمعنى أنهما لم يشغلا إلا بتأريخ الإسلام وبتأريخ حضارته فحسب، بل هما لغويان ومشتغلان بالعلوم الإسلامية، ولاسيما يوهان فوك، كما يظهر جلياً من كتبهما ومقالاتهما المنشورة في مجلات الاستشراق التي تنتمي بالمعنى الواسع إلى مجال التأريخ في تخصصهم».
كما ألقى فلايشهمر سلسلة من المحاضرات المهمة في الأزهر، ونشرت جميعها ضمن كتاب صدر سنة 1389ه /1969م:
-1 فجاءت المحاضرة الأولى (السبت 9 من صفر سنة 1389هـ/ 26 أبريل سنة 1969م) بعنوان: (أسرتان من علماء بغداد في القرن الثاني إلى القرن الرابع الهجري). فناقش فيها أسرة بني المنجم وأسرة اليزيديين، حيث سعى من خلال استعراضه للأسرتين لتقديم مثال نرى فيه روح العصر العباسي الأول في ازدهاره وإشراقه، ونرى فيه حضارة بغداد ومستواه العلمي، بغداد التي كانت ساعتئذ نقطة الإشعاع في العالم الإسلامي كله.
-2 والمحاضرة الثانية (الأربعاء 13 من صفر سنة 1389هـ/ 30 أبريل سنة 1969م) بعنوان: (دراسات عن مصادر كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني). حيث ألقى الضوء على مختلف المصادر التي استخدمها أبو الفرج في كتابه، وذلك كله لرغبته في إضافة بعض المعلومات ذات القيمة التي تمكن من زيادة معارفنا عن الأدب العربي والإسلامي خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة.
-3 والمحاضرة التالية لها حول: (كنوز المخطوطات العربية بجمهورية ألمانيا الديمقراطية). حيث استعرض هذه الكنوز ذاكراً أسماءها ومؤكداً على أن المخطوطات العربية المودعة بالمكتبات الأوروبية وإن كانت تقل عدداً عن تلك المجموعة المودعة في مكتبات الدول العربية، فإن تلك المخطوطات تعد من كنوز الثقافة العربية والإسلامية التي تحويها هذه المكتبات الأوروبية والتي اهتم المستشرقون الأوروبيون، منذ زمن بعيد بدراستها دراسة دقيقة لكشف معالم التراث العربي والإسلامي ونشره للعالم. وقد وجد مستشرقو أوروبا في تلك المخطوطات مادة غنية لأبحاثهم ودراساتهم.
-4 فضلاً عن محاضرته التي بعنوان: (تاريخ الاستشراق في جامعة هالّه). حيث تتبع حركة الخطاب الاستشراقي في تلك الجامعة التي أنشئت عام 1694م، حيث أشار لجهود قدر غير قليل من المستشرقين، مثل: هلموت ريتر وكارل بروكلمان ويوهان فوك. ومركزاً في الوقت نفسه على تكاتفهم مع أبناء العروبة على كشف المجهول عن تاريخ العرب وحضارتهم.
ومما يسترعي الانتباه دقة فلايشهمر وحرصه على إتقان العربية -ثم ما تلاها من لغات لها مسيس صلة بالحضارة الإسلامية- لمن أراد التخصص في دراسة الإسلام وحضارته، فيقول في ذلك: إن المؤرخ الذي لا علم له بواحدة أو أكثر من اللغات التي كتبت بها المؤلفات الأساسية عن الإسلام وحضارته، وأخص هنا بالذكر اللغة العربية ثم الفارسية والتركية، مثل هذا المؤلف يجد نفسه منذ البداية في موقف حرج، إذ لا مفر له من الاعتماد على مؤلفات زملائه من العارفين بعلوم الشرق ولغاته على قلة من المصادر الإسلامية المترجمة. وبذلك لا يسعه إلا أن ينقل عن هؤلاء دون أن يكون في مقدوره امتحان معلوماتهم بمعارضتها بالنصوص الأصلية. وفوق ذلك فإنه عرضة دائماً لخطر التخلف عن ركب الدراسات الشرقية.
وفي المحصلة يمكن القول: بالرغم مما يشوب الخطاب الاستشراقي من ريبة وشك تجاه غاياته من دراسة علوم الشرق، فإن بعض المدارس الاستشراقية كان لكثير من أعلامها دور إيجابي في دراسة الشرق وعلومه والتعريف به على نحو سليم، ومن أبرزها مدرسة الاستشراق الألمانية، ومن بين رجالاتها مانفريد فلايشهمر.

ذو صلة