مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

من يرعى الشرارة؟ سؤال الموهبة بين التعليم والثقافة

لا تقاس قوة الأمم بمواردها المادية فقط، بل بقدرتها على اكتشاف طاقاتها الإنسانية ورعايتها. وتتحمل الجامعات والمؤسسات الثقافية والهيئات المعنية بالموهبة دوراً محورياً في التعرّف على المواهب العلمية والفنية والرياضية، وصقلها ضمن منظومات واعية تراعي الفروق الفردية ومسارات الإبداع المتعددة.
يبدأ اكتشاف المواهب من توفير بيئة مفتوحة للتجربة، حيث لا ينظر إلى الطالب أو الشاب بوصفه متلقياً للمعرفة فحسب، بل بوصفه مشروع فكرة قابلة للنمو. فالجامعات الرائدة عالمياً تعتمد آليات متنوعة مثل الاختبارات التشخيصية، والمسابقات، والمختبرات المفتوحة، والأنشطة اللامنهجية التي تكشف الميول الحقيقية للطلاب. أما المؤسسات الثقافية، فتنجح حين تقترب من الواقع اليومي للشباب والطلاب، وتستثمر في الأندية، والمراكز الإبداعية، وبرامج الاحتضان المبكر.
وتعد المواهب الفنية من أكثر المجالات التي تتطلب جهداً خاصاً في الرعاية، لأنها لا تزدهر في بيئات جامدة أو تعليم تقليدي صارم. فالفن يحتاج إلى مساحة آمنة للتجريب، وإلى تقبّل الخطأ، وإلى مرشدين يمتلكون حساً إنسانياً بقدر امتلاكهم للخبرة التقنية. وتشير تجارب عالمية، مثل معاهد الفنون في فرنسا أو أكاديمية جوليارد في الولايات المتحدة، إلى أن النجاح في هذا المجال يرتبط بدمج التدريب الأكاديمي بالدعم النفسي، وبربط الفنان الناشئ بسياق ثقافي حي يقدّر الإبداع ولا يقصيه.
ومن الأفكار الإبداعية لتطوير المواهب الفنية: إنشاء (مختبرات إبداع) داخل الجامعات والمؤسسات الثقافية والهيئات المعنية بالمواهب، تجمع الموهوبين في الفنون مع طلاب التكنولوجيا مثلاً، والهندسة، والطب، ما يخلق مشاريع عابرة للتخصصات. كما يمكن إطلاق برامج (الفنان المقيم) في المؤسسات الثقافية لاكتشاف المواهب، حيث يعمل الموهوب جنباً إلى جنب مع فنان محترف لفترة زمنية محددة. وتعدّ المنح الصغيرة، والمعارض المفتوحة، والمنصات الرقمية لعرض الأعمال، أدوات فعالة لمنح الفنان الشاب الثقة والاعتراف المجتمعي.
كما تلعب الإدارة الثقافية للمواهب دوراً محورياً وحاسماً في اكتشاف المواهب ورعايتها، إذ لا يقتصر هذا الدور على اتخاذ القرارات الإدارية، بل يمتد ليشمل بناء ثقافة مؤسسية تؤمن أن الإنسان هو أصل القيمة ومحرك الإنجاز. فالإدارة الثقافية هي الجهة القادرة على تحويل الاهتمام بالمواهب من أنظمة ولوائح إلى سياسات عملية وبرامج مستدامة.
ويبدأ دور الإدارة التنفيذية من تبنّي رؤية واضحة تعتبر اكتشاف المواهب جزءاً من الإستراتيجية المؤسسية؛ فعندما تضع القيادة التنفيذية تنمية المواهب ضمن أولوياتها، فإنها توجّه الموارد، وتعيد تصميم الهياكل التنظيمية، وتمنح الفرق مساحةً للاجتهاد والتجريب. كما تملك الإدارة القدرة على سنّ أنظمة مرنة تسمح باكتشاف القدرات الكامنة لدى الموظفين أو المنتسبين العاملين مع المواهب، من خلال التقييم المستمر، وتدوير المهام، وإشراك الأفراد في مشاريع تتجاوز توصيفهم الوظيفي التقليدي.
وفي جانب الرعاية، تضطلع الإدارة التنفيذية بمسؤولية توفير بيئة داعمة نفسياً ومهنياً، تشجّع على المبادرة؛ فالموهبة لا تنمو في مناخ الجمود، بل تحتاج إلى آذان صاغية تحفّز، وتمنح الثقة. ويبرز هنا دور برامج الإرشاد والتوجيه (Mentorship)، حيث تتيح الإدارة ربط المواهب الصاعدة بقادة ذوي خبرة، بما يسرّع عملية التعلم ويعزز الانتماء المؤسسي.
أما على مستوى السياسات، فإن التجارب الإسكندنافية تظهر أهمية إدماج الفنون في التعليم المبكر، وعدم حصر التفوق في المسارات العلمية فقط. فالتوازن بين العقل والخيال هو ما يصنع إنساناً قادراً على الابتكار. فالاعتناء بالمواهب، خصوصاً الفنية منها، ليس ترفاً ثقافياً، بل استثماراً طويل الأمد في هوية المجتمع، وذاكرته، وقدرته على التعبير عن ذاته في عالم شديد التنافس.

ذو صلة