لم تكن فنون الأداء من غناء وتمثيل مجرد ترفيه محايد ولم تزل، بل هي أداة لصياغة الوعي الجمعي وإعادة إنتاج التراتبيات الاجتماعية، من هذه الفرضية تنطلق الباحثة والمؤرخة حنان حماد في كتابها (الماضي المجهول: ليلى مراد، نجمة مصر اليهودية المسلمة)، فتقدّم قراءة جندرية وسياسية للسينما والموسيقى في مصر منذ فترة ما بين الحربين العالميتين وحتى الآن. عبر ستة فصول تحمل عناوين مستوحاة من أفلام ليلى مراد نفسها. تنطلق حمّاد من سؤال مركزي: لماذا ليلى مراد؟ توضح أن اختيارها لم يكن بدافع الحنين بقدر اعتقادها أن سيرة ليلى مراد تُجسّد الكيفية التي صاغ بها المصريون هويتهم المعاصرة عبر الثقافة الشعبية. فهي ترى أن ليست مجرد قصة حياة نجمة من نجمات الفن في مصر والعالم العربي فحسب، بل هي نصٌّ جماعيّ كتبته السينما، والإذاعة، والصحافة، والجمهور، كل بطريقته.
يتتبع الفصل الأول: بنت مدارس، التحولات الأولى لليلى مُراد من طفلة في مدرسة إلى مطربة ونجمة سينمائية في ظل بروز الميكروفون والفيلم الناطق والبث الإذاعي. ترصد الكاتبة في هذا الفصل كيف تحوّلت ليلى إلى صوت جماهيري، كما تتطرق لمعالجة نسوية أوسع حول صعود النساء وتحققهن في المجال العام ضمن نظام يكرّس للتسلّط الذكوري بينما يوظف أنوثة نجماته حسب الغرض التجاري أو السياسي.
وفي الفصل الثاني: بنت الريف، تحلل حنان حمّاد علاقة ليلى بصناعة السينما الناشئة، من خلال تعاونها مع رواد الإخراج السينمائي في مصر محمد كريم وتوجو مزراحي وأنور وجدي، واشتباكها مع اقتصاد الفن التجاري.
بداية من الفصل الثالث: آدم وحواء، ينتقل الكتاب إلى منطقة مُلَغَّمة: الحياة الخاصة لليلى كابنة لعائلة يهودية وزوجة لرجل مسلم في مجتمع مسلم. يركز هذا الفصل على الزواج، والطلاق، والشائعات كمرآة للنزاع على الهوية القومية بين الحداثة والمحافظة. وتطرح حمّاد سؤالاً مؤرقاً: كيف يتقاطع الدين والسياسة والشهرة في صياغة شرف وعفة واحترام المرأة؟
ويأتي الفصل الرابع: ضربة القدر، ليوثّق أزمة اتهام ليلى بزيارة إسرائيل عام 1952، وكيف تحوّلت المقاطعة العربية إلى أداة في صراعات النخب، بدلاً من كونها موقفاً أساسياً وجوهرياً في الصراع العربي الإسرائيلي.
أما الفصل الخامس: الحبيب المجهول، واستكمالاً للمناطق المُلغمة والغامضة من حياة ليلى مراد وتقاطعها مع تحولات المجتمع المصري تفحص الكاتبة علاقة ليلى بالضابط وجيه أباظة والنظام الناصري الناشئ، وانكسار الصوت الذي غنى نشيد الثورة تحت وطأة الرقابة السياسية والأبوية.
أما الفصل الأخير: شادية الوادي، فيتطرق لصورة ليلى مراد بعد انسحابها - الاختياري أو القسري - من الحياة العامة، وتحولها إلى أسطورة تُستعاد في وجدان المصريين كرمز للزمن الجميل.
ثم تختتم حنان حمّاد كتابها بسؤال عام يتجاوز سيرة ليلى مراد إلى نواة التابوهات الاجتماعية: هل يمكن لمصرية أن تكون أُماً عزباء؟ وتحلل التحوّلات في الخطاب الاجتماعي بخصوص أمومة العزباوات وإنكار الرجال لأبوتهم، من خلال أمثلة قديمة ومعاصرة تربطها بإرث ليلى مراد التي شكّلت في حياتها ومماتها مُختبراً لتناقضات الهوية القومية والجندرية.
في هذا العمل الجريء، لا تُقدم حنان حمَّاد سيرة تقليدية لإحدى أيقونات الغناء والسينما العربية، بل تعيد تركيب التاريخ الثقافي والاجتماعي لمصر الحديثة من خلال حياة هذه النجمة كابنة عائلة يهودية من الطبقة الوسطى التي عايشت تحوّلات المجتمع المصري خلال القرن العشرين، وتحولها إلى رمز للأنوثة المسلمة والوطنية، وتقاطع هويتها مع النوع الاجتماعي، والسياسة، والدين، وقضايا المواطنة.
الناشر: الكتب خان للنشر، القاهرة، 2026.