مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

التحولات في بنية النظام العالمي رؤية تحليلية لنظام قيد التشكل

يُظهر التتبع التاريخي لتطور النظام الدولي أن موازين القوى العالمية لم تكن يوماً ثابتة، بل كان المشهد دائم التحول، تتنازعه قوى صاعدة وأخرى آيلة للأفول. وعرف العالم منذ أقدم العصور نماذج متعددة من التمركز الحضاري، حيث شكّلت حضارات كبرى، كانت نواة لأنظمة سياسية واقتصادية وثقافية متقدمة نسبياً في سياقاتها الزمنية. وفيما بعد، جاءت حضارات أخرى، لتؤسس لنظام عالمي جديد، اتصف بتعدد مراكزه الجغرافية، وبامتداده العابر للقارات، مما أسهم في تطوير الفكر والاقتصاد والعلاقات الدولية، بشكل غير مسبوق.
وفي خضم التحولات التي يشهدها النظام العالمي ومصادر القوة التي يلعب فيها العاملان التكنولوجي والاقتصادي دوراً حاسماً؛ لا تزال الحروب والصراعات المسلحة وتهديدات الإرهاب واليمين المتطرف ومخاطر المناخ والهجرة واللاجئين والتطرف.. وغيرها؛ تمثل بيئة عامة للتفاعلات الدولية الراهنة، يتعين على الدول التعامل معها لتقليل آثارها، وهي تسعي في الوقت نفسه إلى امتلاك مصادر القوة الجديدة والمتطورة في النظام العالمي.
في هذا السياق، تكتسب المنطقة العربية حساسية كبيرة تجاه تحولات النظام العالمي، بحكم طبيعة موقعها الجيوسياسي المنفتح على قارات العالم والمتصل بكثافة بالتنافس الدولي، فضلاً عن الدور الإقليمي للعديد من الدول العربية، مثل: مصر والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات في منطقة الشرق الأوسط، والذي يتأثر بوضعية موازين القوى الدولية، إضافة إلى طبيعة اقتصادها وقطاعاتها الرئيسة الأكثر تأثراً وحساسية لمدى استقرار أو اضطراب الساحتين الإقليمية والدولية. وبالتالي، فمن الأهمية أن تحدد الدول العربية طبيعة المخاطر والفرص التي تطرحها التحولات الراهنة للنظام العالمي على وضعيتها وقوّتها الإقليمية، بهدف تطوير إستراتيجية للتحديث الشامل لقوة الدولة، وبما يوفر جاهزية استباقية للتكيف مع تحولات النظام العالمي.
ويمكن تحليل طبيعة النظام العالمي الحالي هيكلياً من حيث توزيع القوى واتجاهاتها المحتملة، وعملياً؛ من حيث تفاعلات الصراع والتعاون. فعلى المستوى الهيكلي، ثمة اتجاه يشير إلى صعود قوى كالصين وروسيا والهند والبرازيل في مواجهة الولايات المتحدة، بعد انفرادها بقيادة النظام العالمي في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، وتختلف التصورات بشأن تشخيص وضع النظام الحالي، وما يتجه إليه بين عدة اتجاهات رئيسة. فتشير بعض التقديرات إلى أن النظام العالمي يتسم بقطب مهيمن، لكنه متراجع، من حيث تأثيراته في الشؤون العالمية، فالولايات المتحدة لا تزال تحوز النصيب الأكبر من القوة العسكرية، كما أن لديها منظومة تحالفات سياسية واقتصادية راسخة ومتماسكة. وهناك بعض التقديرات تشير إلى أن النظام العالمي الحالي يمر بحالة انتقالية بسبب التدافع حول امتلاك مصادر القوة الجديدة، وبخاصة التكنولوجية والاقتصادية، وأن تلك الحالة تتجه سريعاً إلى التعددية القطبية مع صعود الصين والبرازيل والهند وروسيا.. وغيرها، لكنها تعددية قطبية غير مستقرة، وأكثر صدامية وتنافسية تهدد بحرب عالمية من ناحية وغياب التوافق المطلوب لإدارة الأزمات والقضايا الدولية، سواء التقليدية أو غير التقليدية من ناحية أخرى. وأخيراً هناك تقديرات تشير إلى حالة اللاقطبية، أي أنه لا يوجد قطب دولي مهيمن يمثل مركز التفاعلات الدولية سياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً. فعلى الرغم من تنامي القوة الاقتصادية والتكنولوجيا والعسكرية للصين، فلا يمكن القول بأن الصين أصبحت قطباً دوليّاً، فعلى سبل المثال لا نجد الصين تمتلك نظاماً للتحالفات مماثل لنظام التحالفات الأمريكي مثل حلف شمال الأطلسي. وبالتالي لا تستطيع الصين فرض سيطرتها على المحيط الجغرافي المتاخم لها في آسيا. أما على مستوى عمليات التعاون والصراع، فنجد أنها تتسم بطبيعة صراعية أكبر مع تراجع في الطبيعة التعاونية.
ومما سبق نجد أن معظم دول الجنوب العالمي تواجه تحديات كبيرة في ظل تلك التحولات التي يشهدها النظام العالمي، حيث كان دعمها السياسي والاقتصادي والعسكري يقدم باستمرار لأسباب أيديولوجية تتعلق بالصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وهيمنة الولايات المتحدة على النظام العالمي؛ فقد فرض ذلك تحديات على هذه الدول، حيث أصبح عليها تدبير مواردها إما من مصادر أخرى أو الاعتماد على قدرتها الذاتية، كما ضاقت أمامها فرص المناورة الإستراتيجية التي كانت تتيحها الثنائية القطبية في النظام العالمي. كما بدت الآليات الدولية لحل الصراعات ضعيفة، خصوصاً مع تراجع دور الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي. وبرزت الاستقطابات الدولية في أوضح صورها في أوكرانيا وغزة.
ومع ذلك، ظهرت فرص جديدة أمام تلك الدول، مع صعود قوى مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل، وتحول النظام العالمي نحو حالة من انتشار القوة. ومن أهم هذه الفرص:
إمكانية بناء تحالفات ومؤسسات جديدة، بقيادة الدول الصاعدة، مثل الصين وروسيا والبرازيل والهند، الساعية إلى تفعيل مؤسسات جديدة وتطوير سياسات بديلة لدول الجنوب، بعيداً عن الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة. ويُعتبر ظهور تجمع (بريكس) خطوة في هذا الاتجاه، وذلك من أجل إعادة التوازن في النظام العالمي، والاعتراف بواقع جديد متعدد الأقطاب به. كما أن التنافس الإستراتيجي والصراع بين القوى الكبرى أدى إلى ظهور فرص جديدة استغلتها دول إقليمية متوسطة، والتي غالباً ما تكون غير راضية عن النظام العالمي الحالي أو تسعى لتحدي الهيمنة الغربية.

ذو صلة