يشهد العالم لحظة تاريخية تتقاطع فيها التحولات الكبرى في توزيع القوة مع دخول الذكاء الاصطناعي كفاعل مواز، وتغيّر قواعد الشرعية السياسية، وصعود أجيال جديدة تفرض على السياسة نمطاً مغايراً للسلوك والتوقعات. لم تعد السياسة في العقد 2025 - 2035 مجرد امتداد للتوازنات التقليدية، بل أصبحت عملية إعادة تشكّل عميقة تطاول تعريف الدولة، ووظائف السلطة، وأنماط المشاركة. وفي قلب هذه التحولات تطلّ الأجيال الجديدة بوصفها القوة الأكثر قدرة على إعادة صياغة المجال السياسي، لا عبر الأيديولوجيا كما كان الحال في القرن العشرين، بل عبر القيم والسلوك والوعي الرقمي والبحث عن المعنى.
يبدو العقد المقبل عقداً لإعادة توزيع القوة بين الفاعلين التقليديين وغير التقليديين. فالصعود الآسيوي، وتحديداً الصين والهند، يقابله انكفاء غربي نسبي ومحاولة لإعادة التموضع عبر تحالفات مرنة. وفي قلب هذه التحولات تتعرض الدولة الوطنية لاختبار غير مسبوق، إذ تواجه ضغوطاً متزامنة من الداخل والخارج. فمن الخارج، تفرض عليها قواعد جديدة في الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا تجعل استقلال القرار أكثر نسبية. ومن الداخل، تتعرّض شرعيتها لتآكل متدرج بفعل تحولات القيم وصعود المواطنين الشبكيين الذين يعيدون تعريف العلاقة مع السلطة.
ويمكن القول إن هذه الديناميات تعمل على إعادة صياغة دور الدولة، بحيث تتراجع قدرتها على احتكار القوة والمعلومة والموارد الرمزية. وتصبح السياسة مجالاً تنافسياً مفتوحاً بين الدولة والسوق والفضاء الرقمي والجماعات العابرة للحدود. ويبرز هنا دور القوى الإقليمية الصاعدة التي تتحرك بمرونة أكبر من القوى الكبرى التقليدية. فالشرق الأوسط، على سبيل المثال، يشهد انتقالاً من منطق التحالفات الجامدة إلى تحالفات براجماتية قصيرة المدى تتحدّد بمنطق المصالح المباشرة، سواء في ملفات الطاقة أو الأمن البحري أو الاستثمارات العابرة.
وتتعمق هذه التحولات مع دخول الأزمات طويلة الأمد، مثل الصراع في السودان، وتغيرات البحر الأحمر، والتنافس المتسارع على الممرات الإستراتيجية. وتصبح قدرة الدول على المناورة رهناً بمرونتها الداخلية واستجابتها لمطالب مجتمع شاب يطلب دولة فعالة، لا دولة أيديولوجية.
إلى ذلك لم يعد المجال الرقمي مجرد وسيط للتواصل، بل تحول إلى بيئة سياسية متكاملة تعيد تشكيل الوعي والتعبئة والشرعية. وبالتوازي، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى فاعل مؤثر في إنتاج المعرفة وتشكيل الرأي العام، وفي بعض الحالات في توجيه القرار السياسي نفسه. يشكل هذا المشهد تحدياً للسياسة التقليدية، لأن مركز الثقل ينتقل من المؤسسات إلى الخوارزميات، ومن الخطاب السياسي إلى تدفقات البيانات.
في هذا السياق، يصعد ما يمكن تسميته المواطن الشبكي، وهو الفرد الذي يمتلك قدرة متزايدة على إنتاج السردية، وكشف المعلومات، وتشكيل موجات التأثير. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة قوة للدول الكبرى، فإنه في الآن نفسه يفتح المجال لفاعلين صغار قادرين على إحداث اضطراب سياسي واسع النطاق. فالمجموعات العابرة للحدود، وحركات التضامن الرقمية، وشبكات النشطاء، باتت قادرة على التأثير في السياسات العامة، ولاسيما في قضايا البيئة، وحقوق الإنسان، والنزاعات.
تزداد خطورة هذه التحولات في الشرق الأوسط حيث البنية التحتية الرقمية تتوسع بسرعة بينما يظل الإطار التنظيمي أقل قدرة على مواكبة السرعة. وهذا يضع الدول أمام معادلة دقيقة: كيف توظّف الذكاء الاصطناعي في التنمية والأمن دون أن تفقد السيطرة على المجال العام؟ وكيف تحافظ على شرعية سياسية في بيئة ينتج فيها المواطنون محتوى يفوق قدرة المؤسسات؟
يبدو واضحاً أن المستقبل سيشهد اندماجاً كاملاً بين السياسة والذكاء الاصطناعي، ليس فقط في إدارة الحملات الانتخابية أو رصد التهديدات، بل في بناء نماذج للتنبؤ الاجتماعي وتوجيه السياسات. وستكون الدول التي تفشل في بناء منظومات أخلاقية وتنظيمية قادرة على ضبط هذا المجال عرضة لتآكل شرعيتها أمام أجيال لا تقبل الغموض ولا تحتمل الغياب الرقابي للمعلومات.
كما يشكل الشباب القوة الأكثر تأثيراً في تشكيل السياسة خلال العقد 2025-2035. لكن هذا التأثير لا ينبع من التزام أيديولوجي كما كان الحال في الستينيات، بل من منظومة قيم جديدة تعيد صياغة معنى السياسة وموقع الفرد داخلها. يمكن رصد ثلاث سمات جوهرية لهذا التحول: انفصال الأجيال الجديدة عن الأطر الأيديولوجية التقليدية، بروز وعي فرداني قائم على الحقوق، وتصور جديد للعالم يقوم على العبور بين الهويات بدلاً من الانغلاق داخلها.
في الشرق الأوسط، الذي يُعدّ من أكثر مناطق العالم شباباً، يظهر هذا التحول في تراجع الثقة في المؤسسات التقليدية، وفي تفضيل شبكات العمل الاجتماعي والمبادرات المحلية على الأحزاب، وفي انتقال الاهتمام من الصراع السياسي المباشر إلى قضايا الحياة اليومية مثل جودة الخدمات، والتكنولوجيا، والحريات الفردية، والفرص الاقتصادية. ومع ذلك، يتجلّى لدى الشباب مستوى عال من الحساسية تجاه قضايا العدالة والكرامة، ما يجعلهم قابلين للتحول من السكون إلى الحركة بسرعة كبيرة عندما يشعرون بانسداد سياسي أو تراجع اقتصادي.
تسهم التجارب العربية خلال العقدين الماضيين في تشكيل هذا الوعي. فمن انتفاضات 2011 وصولاً إلى موجات التغيير في السودان ولبنان والعراق، أدرك الشباب حدود التغيير السريع وبدأوا يبحثون عن مساحات بديلة لصنع الأثر. وتمثّل المبادرات المجتمعية، والعمل التطوعي، والاقتصاد الرقمي، مساحات جديدة لتجسيد السياسة خارج إطار السلطة الرسمية. لكن هذا لا يعني انسحابهم من السياسة، بل إعادة تعريفها بوصفها عملية إنتاج قيمة ملموسة لا صراع قيادة فحسب.
وما يزيد من تعقيد المشهد صعود ثقافة عالمية مشتركة للشباب عبر الإنترنت، حيث تتقاطع القيم بين الشباب في الخليج والمشرق وشمال أفريقيا مع نظرائهم في أوروبا وآسيا. وهذا يخلق وعياً مستقلاً عن الدولة، ويجعل قدرة الحكومات على تشكيل الهوية السياسية أضعف مما كانت عليه سابقاً. فالشباب اليوم يستهلكون السياسة عبر المنصات الرقمية، ويعيدون صياغتها لغوياً وسلوكياً، ويحولون الاحتجاج من الشارع إلى الشبكات، ومن المواجهة إلى التأثير الناعم.
يؤدي هذا التحول إلى صراع غير مرئي بين نمطين للسياسة: نمط الدولة الذي يعمل بآليات تقليدية بطيئة، ونمط الأجيال الجديدة الذي يعمل بسرعة عالية وبمنطق شبكي. وإذا لم تستوعب الدول هذا التحول، فإن فجوة الشرعية ستتسع. فالجيل الجديد لا يبحث عن خطاب سياسي تعبوي، بل عن دولة فعالة توفر فرصاً، وتحمي الحقوق، وتسمح بالمشاركة، وتعترف بالاختلاف.
كما يعيد هذا الجيل طرح سؤال السيادة بمعناه الاجتماعي: هل السيادة تعني السيطرة، أم القدرة على إدارة التنوع وإنتاج الفرص؟ هل الشرعية تستند إلى القانون فقط، أم إلى الإنجاز والكفاءة؟ خلال العقد المقبل ستضطر كثير من الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط إلى تبنّي نماذج تشاركية جديدة، ليس بالضرورة ديمقراطية كاملة، ولكنها أشكال هجينة تسمح بقدر من الشفافية، وتقلّل تكلفة الاغتراب السياسي.
وفي الإطار العالمي، تتقاطع اتجاهات الشباب في المنطقة مع اتجاهات نظرائهم في الغرب الذين يتحركون نحو قضايا المناخ والعدالة العرقية وتقييد الرأسمالية المتطرفة. ومن هنا تنشأ موجة عالمية من القيم العابرة للحدود تخلق ضغطاً إضافياً على الحكومات كي تراجع منظوماتها القانونية والاجتماعية. وفي هذه البيئة يصبح التغيير السياسي عملية تراكمية يقودها الشباب من مواقع غير مركزية، عبر التأثير المتدرّج على السياسات العامة.