يشهد العالم في العقدين الأخيرين تحولات متسارعة فرضتها الثورة التقنية، وانتقال مراكز القيمة من الموارد التقليدية إلى المعرفة، والابتكار، والقدرة على توظيف التكنولوجيا في إنتاج الثروة وتحسين جودة الحياة. في هذا السياق، لم تعد الهوية مفهوماً ثقافياً أو رمزياً فقط، بل أصبحت إطاراً وظيفياً يحدد موقع المجتمعات في النظام العالمي الجديد.
مع المتغيرات في المفاهيمية المرتبطة بما يحدث في العالم من انتقالات معرفية بقيمة كبيرة وعريضة، يبدو أن القراءة المستقبلية لذلك تتطلب مزيداً من العقلية المبتكرة لمفاهيم جديدة متعلقة بالهوية كإحدى مرتكزات الحياة ككل، من هنا نحتاج إلى صياغة علاقة تكوينية بين تلك المتغيرات وطريقة حياتنا في الوطن العربي، إذاً العقلية العربية من المفترض أن تقوم بتحريك أدوات التفكير الإبداعي والإنساني والتأريخي ليتحقق فعل يربط بين متغيرات كثيرة حولنا ومنها الثراء الحركي والنصي معرفياً وتقنياً وما بعد ذلك من الإشارات والاتجاهات الحديثة في مجال إدارة الحياة نفسها وإدارة المجتمعات الإنسانية.
ماذا علينا أن نفعل، مثلاً، لماذا لا تنهض حركة اكتشافية تضع فلسفة لمعاني الهوية بمنطلقات جديدة غير مرتبطة بالمرتكزات الفكرية للنظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تضع المجتمعات العربية على طرفي حكم ومعارضة وعلى جدلية صراعات ونزاعات مما يشكل تأثيرات سلبية عليها، إذا مضى بنا التفكير الإبداعي إلى صياغة هوية باتجاهين (تقنية وتنموية)، تكون هي فلسفة حركتنا في الحياة، ففي ذلك ارتباط وثيق مع متغيرات عملية وعلمية في العالم من حولنا وقد ذهب كل إلى صناعة مشروعه الخاص بهذين الاتجاهين، على اعتبار أن القيمة القادمة لن تكون لها إضافة حقيقية بلا هوية تقنية وتنموية، فهنا يتم صناعة رؤية جديدة في الحياة قائمة على الفعل الإيجابي الإنتاجي وربط المجتمعات العربية كلها بعلاقات الإنتاج، ومن هنا نقرأ إيجابيات كثيرة منها، أن بناء مجتمعات عربية على هوية تقنية وتنموية يجعلها مرتبطة بفرضية العلم والمعرفة والقيمة الإبداعية المتحركة في كل منتج معرفي عالمي، مواكبة لذلك وفاعلة في الاستفادة من جزيئات صغيرة وكبيرة داخل ذلك الكون المتحرك حولها باكتشاف علمي يعني تكويناً جديداً في صناعة شيء ما، هذه إشارة فيها أن الهوية المرتبطة بالمعرفة الإنسانية والتواصلية ناجحة في صناعة علاقات إنتاج بين المجتمعات العربية كلها وفي هذا دائرة من الوحدة الحلم وقد تحقق لها أساس اقتصادي واجتماعي بشكل حقيقي، وبالتوصيف فعلاقات الإنتاج بكل اتجاهاتها ترسم ملامح ثلاثية محبة، ارتباطاً، انتماءً بين المجتمعات وهذا مرتكز المعالجة المركزية لحركة اقتصادية، ثقافية، اجتماعية بين الدول العربية.
إذن فرضية (التاء والتاء، تقنية وتنمية) تشكل المساحات والمسافات التي ليست ثنائية نزاعات وصراعات لأن العقلية المرتبطة بكلياتها تفكيراً وتطبيقاً بالتقنية والتنمية، العمل والإنتاج لن يكون نتاجها عقلاً يبحث عن صراعات جانبية أو جدلية خلافات أو مسارات سلبية، إنما سيكون الطريق منه بحثاً عن مزيد من العلم والمعرفة والقيمة الإبداعية المتحركة في ذلك، ليأتي بها عمل تجديد في بلاده، ولتكن مساحات العلاقات الثنائية والكلية بين الدول العربية مساحات تقنية وتنمية للحركة فيها لكل مجتمع عربي.
إذا فعل العالم العربي ذلك وصنع من هوية (تقنية وتنمية)، فلسفة مشتركة، قيمة تبادلية علمية ومعرفية، تشاركية إنتاجية حقيقية، فما هي المتغيرات الإيجابية التي ستصبح عليها المجتمعات العربية كلها، ستحدث هنا وهناك تواصلية ناجحة اللغة فيها لغة حوارية ونقاشية وتقريرية إنتاجية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كدائرة كبيرة تتحرك فيها كل الرؤية، وتنهض لغة حوارية تبادلية علمية ومعرفية، مع لغة تحالفات جديدة في المبنى والمعنى دائرتها الحقيقية دائرة الإنتاج بكل اتجاهاته وهي لغة في طبيعة تكوينها مساراتها بين منتج ومنتج، نقل واتصال، تكوين لصناعات تحويلية صغيرة وكبيرة، قيمة تسويقية فاعلة ومؤثرة في كل العالم، وتكون كل دولة عربية في خط من عقلية تفكيرية وفلسفية خيط ينطلق من دولة منتجة إلى دولة فاعلة بإمكانيات مالية عالية وعقلية استثمارية باذخة إلى رؤية تسويقية، المحركات هنا دول والمتحركات مجتمعات عربية بينها هذا الرابط الإنتاجي في علاقات تشاركية إنتاجية بمنطلق من هوية عربية تجددية مع الألفية الجديدة، هوية ربطت بين دول ومجتمعات بخيط من قراءة مستقبلية ناجحة لكيف تصنع علاقة قوتها في تخطيط إستراتيجي كان نتاج خطوطه فكرة هذي الهوية الثنائية (تقنية وتنمية)، والتي فيها ثنائية إيجابية تهزم كل سلبية وانهزامية داخل كل مجتمع عربي يعمل على تطوير مقدراته وموارده المختلفة التطوير العلمي والعملي بالتجديدية التقنية والتنموية، ففي ربط التنمية بالتقنية رفع مستويات التفكير الإبداعي للمواطن العربي، ورفع رؤيته الإيجابية للحياة وأنه بالاستفادة من ثنائية تقنية وتنمية يستطيع وضع نصيبه من المساهمة الإنسانية في الكرة الأرضية، وفي هذا تأكيد راسخ على أن العقلية العربية عقلية تضيف وتنتج المفيد للكون وهي ليست عقلية مستقبلية فقط، هي صاحبة المشروع الذي ينطلق من رؤية واضحة في معالمها، نحن جزء من هذا للعالم، تشاركية واستفادة، إضافة يستفيد منها كل العالم ولسنا إلا حالة ناجحة من الفعل التطويري المستدام.
هوية التقنية والتنمية هي التي ستحدث كل التغييرات التي يحلم بها خبراء الاقتصاد والاجتماع والثقافة في كل البلاد العربية، منها مثلاً نستطيع إدارة التنوع الثقافي فيما بين مجتمعاتنا العربية، إدارة فيها الثراء، ومن ثم تقديم كل إبداع ثقافي عربي للعالم، كهوية أصيلة بثقافاتنا العربية وما حدث فيها من تمازج حتى تكونت بالشكل الذي يعرفه العالم.