مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

السينـاريوهات ليست نهاية التفكير بل بدايته

الدراسات المستقبلية تعدّ من المجالات البحثية متعددة ومتباينة التخصصات التي تهدف إلى استكشاف الاتجاهات المحتملة والتغيرات المتوقعة في مختلف المجالات، ومنها السياسة، والجدير بالذكر أن الدراسات المستقبلية لا تسعى للتنبؤ الحتمي بأحداث المستقبل، بل لتوسيع الفكر والإدراك حول (ما يمكن أن يحدث) و(كيف نستعد له)، وذلك باستخدامها العديد من الأدوات البحثية المتطورة مثل تحليل الاتجاهات، والنمذجة، وتقنية السيناريوهات.
وفي عالم اليوم الذي تتسارع فيه التحولات والتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تبرز الدراسات المستقبلية كأداة منهجية علمية لا غنى عنها عند صناع القرار والمحللين، وتعدّ تقنية السيناريوهات من أهم أدوات وتقنيات هذه الدراسات، حيث تمكننا من استشراف مستقبل السياسة العالمية والعربية من خلال بناء نماذج تحليلية متعددة تعتمد على توصيف وتحليل واستقراء المتغيرات الرئيسة وتفاعلاتها. ولذلك يجب الأخذ في الحسبان أن هذه التقنية لا تهدف إلى التكهن الدقيق بالمستقبل، بل إلى إعمال العقل لاستيعاب الاحتمالات المختلفة واتخاذ القرارات الاستباقية. وتتضح قوة هذه المنهجية في قدرتها على تحويل (عدم اليقين) من تهديد إلى فرصة للتفكير الإستراتيجي والاستعداد للتحديات المستقبلية القادمة.
تستند تقنية بناء السيناريوهات على عملية علمية منهجية تبدأ بتحديد المحركات الأساسية للتغيير، ثم تقوم بتحليل تأثير وعدم يقين كل محرك، وصولاً إلى صياغة سيناريوهات متعددة توضح وتعكس التفاعلات المختلفة بين هذه المحركات، وأهم ما يميز هذه التقنية أنها: (أداةٌ للتفكير الإستراتيجي تحفز على التفكير خارج الصندوق والتخطيط لاحتمالات متعددة. تتعامل مع التعقيدات من خلال دراسة التفاعلات بين العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية. تقوي المرونة الإستراتيجية وتساعد الحكومات والمؤسسات على بناء قدراتها للتكيف مع مختلف الاحتمالات والمسارات المحتملة والمتوقعة).
لا سيما وأن الدراسات المستقبلية في العلوم السياسية تهدف إلى صياغة إطار فكريّ منهجيّ يحدد ويفسر طبيعة المشكلات والتحديات التي تواجه تطور البشرية في المستقبل. كما تسعى لترشيد عملية صنع القرار السياسي من خلال توفير مراجع مستقبلية لصانعي القرار وواضعي الخطط الإستراتيجية، وتقديم مجموعة متنوعة من البدائل المعقولة لاختيار البدائل والحلول المناسبة والمتسقة لحل المشكلات القائمة. لقد أصبحت الدراسات المستقبلية ضرورة حتمية للدول والمجتمعات والمؤسسات، وحتى للأفراد، ولم تعد مجرد ترف فكريّ. ونحن الآن بصدد بناء عدة سيناريوهات لمسارات محتملة بناءً على المتغيرات الحالية في الساحة السياسية العالمية والعربية.
أولاً: السيناريوهات المستقبلية العالمية:
لقد ارتبط ظهور السيناريوهات والدراسات المستقبلية، والحاجة إلى استشراف المستقبل، بالضرورات العسكرية والإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ومن ثم اقتحمت السيناريوهات والدراسات المستقبلية ميادين مدنية ذات توجهات تجارية وتكنولوجية وتعليمية وفكرية. وتُقدم تقارير الاستخبارات الأمريكية، مثل تقرير (الاتجاهات العالمية المتوقعة بحلول عام 2030)، رؤىً حول مستقبل العالم والنظام العالمي، وكذلك بعض الكتب العلمية والأكاديمية المنشورة، وبما في ذلك القوى الهيكلية والديناميات الصاعدة. حيث تسبب بروز موضوعات دولية مثل أسلحة الدمار الشامل والإرهاب الدولي والتدخل الإنساني والبيئة إلى ظهور مرحلة النماذج العالمية في الدراسات المستقبلية.
- سيناريو النظام العالمي المتعدد الأقطاب:
قد يشهد العالم تحولاً كبيراً نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث تتراجع الهيمنة الغربية التقليدية للولايات المتحدة الأمريكية، وتبرز إلى السطح قوىً مثل الصين، وروسيا، والهند، والاتحاد الأوروبي كأقطاب رئيسية فاعلة في النظام العالمي. الأمر الذي يؤثر على تراجع الهيمنة الغربية التقليدية، مع توسع التحالفات غير الغربية مثل (بريكس+)، وإعادة تشكيل النظام الدولي على أساس المصالح الإقليمية، وتنامي التعاون الإقليمي بين الدول ذات المصالح المشتركة، مع ارتفاع وزيادة التوترات الجيوسياسية بسبب التنافس على النفوذ في مناطق مثل أفريقيا وآسيا، وبروز الصراعات الاقتصادية بين القوى الكبرى التي تؤثر على التجارة العالمية.
- سيناريو التحول التكنولوجي والذكاء الاصطناعي:
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في عصر الميتافيرس سيصبحان المحرك الأساسي للسياسة الدولية، حيث ستتسابق الدول على التفوق التكنولوجي بدلاً من التنافس العسكري التقليدي، مما يحتم على الأكاديميين والباحثين إعادة تعريف القوة السياسية بناءً على سيطرة التكنولوجيا، مع ظهور تحديات جديدة مثل الحروب السيبرانية والهجمات الرقمية، وبروز زيادة الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية.
- سيناريو الأزمات والكوارث البيئية العالمية:
التغير المناخي والكوارث البيئية قد تصبح المحرك الأساسي للسياسات الدولية، مما يجبر الدول على التعاون أو التنافس على الموارد الطبيعية، وستطفو على السطح صراعاتٌ على المياه والطاقة في مناطق مثل الشرق الأوسط وأجزاء واسعة من القارة الأفريقية، لا سيما مع بروز تحالفات جديدة قائمة على الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية والبيئية، مع تنامي الضغوط الشعبية على الحكومات للالتزام بالاتفاقيات البيئية العالمية والإقليمية.
ثانياً: السيناريوهات المستقبلية العربية:
يجب الأخذ بالحسبان عند وضع أي سيناريو للمنطقة العربية أن مستقبل المنطقة العربية سيظل رهيناً بقدرتها على استيعاب دروس الماضي ومواجهة تحديات الحاضر واستشراف فرص المستقبل، والسيناريو الذي سنعيشه سيعتمد بشكل أساسيّ على القرارات التي نتخذها اليوم.
- سيناريو الإصلاح السياسي والتنمية المستدامة:
في هذا السيناريو، تتحرك الدول العربية نحو إصلاحات سياسية واقتصادية جادة، مع التركيز على التعليم، والابتكار، وتمكين الشباب، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على السلام وانخفاض وتيرة الصراعات الداخلية وارتفاع مستوى الدخل وانخفاض معدلات البطالة، مع ظهور اتجاه لتعزيز التكامل الاقتصادي العربي، وبزوغ دور أكثر تأثيراً للعرب في الساحة السياسية الدولية.
- سيناريو استمرار الأزمات والصراعات:
إذا استمرت الأزمات السياسية والاقتصادية في المنطقة، مثل النزاعات المسلحة، والفساد، وضعف الحوكمة، فقد تواجه الدول العربية مزيداً من التراجع فيما يتعلق بما يسمى قوى الدولة الشاملة، فينعكس ذلك ويتضح بصورة جلية في زيادة الهجرة والنزوح الداخلي، وتفاقم الفقر المدقع وعدم الاستقرار الاجتماعي، وازدياد وتيرة التدخل الأجنبي في الشؤون العربية.
- سيناريو التحالفات الإقليمية الجديدة:
قد تشهد المنطقة العربية تشكيل تحالفات جديدة قائمة على المصالح المشتركة، مثل تحالفات في مجالات الطاقة، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، الأمر الذي يتطلب تعاوناً أكبر بين دول الخليج وشمال أفريقيا، مع تقليل الاعتماد على القوى الأجنبية، والاتجاه إلى تعزيز الهوية العربية في مواجهة التحديات العالمية.
خلاصة القول لا توجد رؤيةٌ واحدةٌ مؤكدةٌ للمستقبل، فالعالم مليءٌ بالمتغيرات التي قد تبدل المسارات المتوقعة. ومع ذلك فإن استخدام تقنيات علم المستقبل مثل السيناريوهات يساعدنا على الاستعداد للتحديات واستغلال الفرص. على الدول العربية أن تعمل بجدية على الإصلاحات الداخلية، وتعزيز التعليم، والاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتأمين مكانة قوية في النظام العالمي القادم. ولنتذكر دائماً أن المستقبل ليس مكاناً نذهب إليه، بل هو صنيعة أفعالنا وقراراتنا اليوم.

ذو صلة