بعد انهيار الدولة العثمانية، تنافست ثلاثة تيارات سياسية على إدارة المنطقة: التيار الإسلامي الذي اعتبر نفسه وريثاً شرعياً لهذه الدولة، والتيار القومي بوصفه ردة فعل على سيطرة القومية التركية على المنطقة، وأخيراً التيارات الوطنية التي حددت مناطق نشاطها بمفهوم الدولة الوطنية.
جاءت خارطة التفاعلات على النحو التالي: تنافس بين التيارين الإسلامي والقومي على الشعبية وكسب التأييد، وفي الوقت نفسه توافق على العمل ضد التيار الوطني عبر تصويره عدواً للأممية. وعلى مدى عقود، شكلت هذه التفاعلات الجزء الأكبر من الوعي السياسي العربي المعاصر. ولأن هذا الصراع لم يكن، في الأساس، على البرامج السياسية، وكان يهمل الفرد لصالح الجموع، فقد نتجت عنه تلك التقسيمات الفكرية الحادة وغير الواقعية التي تعاني منها شعوب منطقتنا اليوم.
كانت الأنظمة الوطنية الملكية هي أول من استلم السلطة فعلياً في المنطقة بعد سقوط الدولة العثمانية في الكثير من الدول، وسرعان ما شرعت هذه الأنظمة ببناء الدولة الوطنية القائمة على الواقعية والبرامجية، واستطاعت أن تستثمر ميل الذهنية العربية إلى النظام الملكي كنموذج مستقر ومقبول بوصفه الأقرب إلى هيكلية القبيلة العربية، والقصد هنا أن الأنظمة الإدارية المستوردة من خارج المنطقة قد تعزز تعدد الأطماع في السلطة، لكن الأنظمة الملكية تحسم هذا الصراع في معظم الحالات، وهذا ما لوحظ خلال ما سمي بالربيع العربي. هذا الاستقرار ساهم في تأسيس هذه الدول وبنائها قبل أن يتمكن المعسكر الشرقي من تحريك التيارات القومية العربية ذات التوجهات اليسارية للانقضاض على السلطة بالانقلابات في عدة دول عربية، ومن ثم الدخول في محاولات لتهميش الفكر الوطني. في تلك الفترة لعب الإسلاميون على تناقضات العلاقة بين القوميين والوطنيين وتصرفوا بمرونة مكنتهم من التحالف مع الدولة الوطنية مرحلياً.
العشرية القادمة
بعد كل هذه التغيرات، بات من الواضح أننا أمام مرحلة جديدة تلقي بمسؤوليات كبيرة على عاتق الدولة الوطنية العربية، خصوصاً بعد ضعف مؤثرات التشويش الأيديولوجي التي فرضتها القوى القومية والإسلامية طوال عقود، حيث كانت تلك القوى تختزل الحل في المنطقة بالتحشيد الشعبي والجماهيري دون النظر إلى واقع الإنسان العربي، ودون قياس المسافة بين هذا الإنسان والتكنولوجيا والعلم. فالإنسان العربي كان دائماً ما يتعرض للشحن العاطفي دون مراعاة لظروفه، وتحول الشحن بحد ذاته إلى غاية دون تقديم سُبل واضحة ومنطقية لتفريغه على المستوى الإنساني.
يعد حصر الفعل الإداري في نطاق الدولة الوطنية شكلاً من أشكال التخصصية الجغرافية والديموغرافية، لأن الإلمام بخصائص المجتمعات وحاجاتها وبنيتها يكون في أعلى مستوياته في هذه الحالة، بالتالي الاقتراب أكثر من القرار الأفضل. وعليه، فإن دول المنطقة أمام فرصة مهمة للحصول على آليات وأدوات ذات مرجعية علمية وواقعية في تحسين واقع الشعوب، ولمساعدتها على استدراك الركب العالمي بعد ما مرت به من ظروف قاسية تسببت بها صراعات المنطقة المذكورة آنفاً.
يتوقع أن يشهد العقد القادم إعادة تعريف لأسس تقسيم المجتمعات ولمعايير تقييم أدائها، فالتنافس بدأ محموماً على الوصول إلى التكنولوجيا وخصوصاً الذكاء الاصطناعي والنقل السريع للبيانات، بل إن التصورات المستقبلية تشي بأن عنوان التمايز القادم سيكون بعيداً عن التقسيمات الفكرية القديمة في منطقة الشرق الأوسط كجزء من العالم، إذ إن لهذه التكنولوجيات آثاراً اجتماعية وسياسية تمنح الإنسان العربي فرصة كبيرة لقراءة واقعه وتفنيده، وتبعده أكثر عن التبعية الأيديولوجية العابرة للدولة الوطنية، أي أن مهمة تحليل الواقع لم تعد محصورة بالعقل البشري، بل انتقل جزء كبير منها إلى الآلة التي تمتاز غالباً بالحياد والكفاءة في التحليل.
إن الراصد لحركة الدول العظمى اليوم يدرك أن هناك صراعاً على أدوات التكنولوجيا وأهمها صناعة الرقائق الإلكترونية التي تعد الأساس لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والاتصالات. ونحن في المنطقة لن نستطيع عزل أنفسنا عن هذا الصراع بطبيعة الحال، بل نحن مجبرون على الانخراط به، ولا بد لنا أن نشارك في صياغة هذا العالم الجديد باستغلال التغيرات السياسية والاجتماعية التي عززت دور الدولة الوطنية، فلا يمكن أن نكرر الخطأ الذي صاحب بدايات التنافس الدولي على الطاقة غير المتجددة في مطلع القرن العشرين، حيث كنا في وضعية رد الفعل.
كان للانزياح الكبير في عناوين الصراع من الطاقة والسيطرة التقليدية على الأقاليم إلى أدوات التكنولوجيا الأثر الواضح على شكل التحالفات في العالم، فالعلاقات الأوروبية-الأمريكية ليست في أحسن حالاتها اليوم، لأن الولايات المتحدة تفهم بنية الصراع القادم على التكنولوجيا، والذي يعد في جوهره صراع أفكار لا يمكن ضبطه بالقوة العسكرية وحدها، لذلك فإن الولايات المتحدة تلجأ اليوم إلى ملاطفة الصين وروسيا لقناعة صانع القرار الأمريكي بعدم جدوى محاولة منع هذه الدول من تملُّك التكنولوجيا معرفياً وتوطينها كصناعة، تماماً كما تدرك أنها لن تستطيع منعهما من الوصول إلى مدخلات إنتاجها.
دول المنطقة اليوم لديها فرصة في البعد السكاني أيضاً، حيث يشكل الشباب نسبة عالية في المجتمعات العربية بالمقارنة مع الدول الكبرى، ولهذا الجيل ميزتان مهمتان: الأولى أنه نشأ على وقع انهيار معظم أنماط التحشيد الأيديولوجي، بالتالي فهو صافي الذهن سياسياً وفكرياً، والثانية أن أبناءه مضطرون للتعامل مع التكنولوجيا يومياً بحكم تحول دولهم الوطنية إلى مسار الحكومات الإلكترونية، ونتيجة لأتمتة التعليم والتجارة الإلكترونية.