مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

مرونة السياسة في زمن التحول.. استشراف المستقبل

في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، تبرز الحاجة إلى استشراف مستقبل السياسة والسيناريوهات المحتملة في ظل المعطيات الراهنة.
فبينما يتقدم العالم نحو منتصف القرن الحادي والعشرين، يبدو المشهد السياسي العالمي اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. ولو حاولنا وصف المناخ الراهن في كلمة واحدة، لكانت: (التغيّر).
لقد انتهى زمن الثبات، وبات مفهوم الاستقرار السياسي نفسه يكافح، في عالم تتسارع فيه التحولات على نحو غير مسبوق.
في ضوء هذه التحوّلات المتسارعة، يبرز سؤالٌ جوهري: كيف يمكن إعادة صياغة السياسات الخارجية للدول لتتكيف مع الواقع الجديد؟ وما الفرص الكامنة في هذا التغيير؟
إذا كان هناك مصطلحٌ يُجسّد روح المرحلة، فهو (المرونة)، المرونة في التفكير، وفي إدارة الأزمات، وفي بناء علاقات دولية قادرة على الصمود أمام الاضطرابات.
إن التعامل مع التحولات يتطلب إعادة بناء جسور العلاقات الدولية على أسس أكثر انفتاحاً وتشاركية، عبر إنشاء بنى تحتية مشتركة، ومدّ جسور جديدة تجعل السياسة فعلاً جماعياً يتجاوز الحدود التقليدية للدولة والمجتمع.
وفي الواقع فإن الجغرافيا السياسية الجديدة لا تُقاس فقط بالخرائط والتحالفات، بل أيضاً بمشاريع الطاقة والممرات الاقتصادية التي تعيد رسم خطوط النفوذ بين الشرق والغرب، وتُمهّد لولادة توازنات دولية جديدة.
على المستوى الدولي، تتشكّل موازين القوة بوتيرة متسارعة. فالولايات المتحدة، رغم احتفاظها بأكبر شبكة تحالفات عسكرية واقتصادية في العالم، تواجه تآكلاً تدريجياً في قدرتها على الانفراد بصنع القرار العالمي.
وهناك الصين، التي تتقدم بثبات وتطرح نفسها كقوة اقتصادية وتقنية عالمية، وتسعى لتأسيس نظام بديل عبر إستراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الصيني وتعزيز مكانته، وجعله في موقع القيادة خصوصاً في مجال التكنولوجيا الرقمية العالمية.
أما روسيا، فهي تركز على استعادة مكانتها الجيوسياسية، مستخدمة القوة العسكرية في أوكرانيا وسوريا لتعزيز حضورها الدولي.
وبين الشرق والغرب، تتكوّن ملامح عقد عالميٍّ حديث تعاد فيه صياغة مفاهيم القوة والنفوذ، لا من خلال السلاح وحده، بل عبر الاقتصاد والتكنولوجيا. والقدرة التنافسية على إدارة التحولات السياسية.
في النظام العالمي الجديد، لم تعد القوة مقصورة على الدول العظمى فحسب، بل برزت القوى المتوسطة كلاعبين فاعلين قادرين على إعادة تشكيل التوازنات الدولية.
دول مثل تركيا، السعودية، الأردن، ومصر والإمارات تمتلك قدرة على المناورة بين الشرق والغرب، وتوظف أدوات الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية لتوسيع قاعدة العلاقات الدولية التي تخدم المصالح المشتركة. هذه القوى تعمل كبنية داعمة للاستقرار الإقليمي، وفي بعض الحالات كمسرح لتجريب سياسات مبتكرة، سواء اقتصادية أو تقنية، مما يمنحها دوراً يتجاوز حجمها النسبي ويجعلها محورية في صياغة مستقبل النظام العالمي.
في حقيقة الأمر العالم اليوم يشهد تحولاً في فهم السياسة، فالأيديولوجيات التقليدية لم تعد المرجع الوحيد، والتنافس على الموارد الطبيعية (المياه، الطاقة المتجددة) بات يشكل عاملاً أساسياً في النزاعات المستقبلية.
لقد برزت قضايا جوهرية جديدة مثل المشاركة الرقمية، وصعود الحركات السياسية الرقمية التي تنظم نفسها عبر الإنترنت وتتجاوز الحدود الجغرافية إضافة إلى القضايا الاقتصادية، وحقوق الإنسان، وغيرها، وقد أسهم كل ذلك في فرض معايير جديدة للشرعية السياسية.
إن موقع العالم العربي في خرائط التوازنات الجديدة مرتبطٌ بالموارد والطاقة والجغرافيا الإستراتيجية، وهذا ما يجعله لاعباً مهماً في إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد.
ومن المرجح أن المستقبل السياسي إقليمياً ودولياً سيحمل في طياته سيناريوهات متعددة، وفق معطيات سياسية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية مختلفة، حيث السياسة، لم تعد ممارسة لحكم الدولة فقط، بل إدارة لشبكة معقدة من القوى والمصالح العابرة للحدود، والدول التي تمتلك القدرة على المرونة الإستراتيجية، والتكيف مع التحولات، حتماً ستتقدم، فيما ستتراجع القوى التي تصر على الدفاع عن المفاهيم لقديمة التقليدية.
وبين صعود الذكاء الاصطناعي، وتحوّل الطاقة، وتبدّل التحالفات، يبدو العقد 2025 - 2035 عقداً لإعادة توزيع القوة، لا على الخريطة فقط، بل على مفاهيم السياسة ذاتها، فالثابت الوحيد هو التغيير، والعالم يفرض التكيف مع الواقع الجديد على الجميع.

ذو صلة