مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

الجيل (Z) في العالم العربي.. إعادة التكوين أم الاستمرارية؟

الأجيال الجديدة أو ما يطلق عليه جيل (Z)، هي قضية مثيرة للاستفهامات بين الأوساط الفكرية ليس على المستوى الإقليمي فقط بل على المستوى الدولي، هذا الظهور السريع لجيل (Z) وقف خلفه فكرة واضحة اثارت الكثير من الأسئلة حول تأثير هذا الجيل على الاحداث التحولية التي سادت العالم العربي بشكل خاص وتحديداً مع دخول الألفية الثالثة وكيف أثر ذلك الدخول على تشكيل جيل سياسي مختلف يتعاطى مع الفضاء الإلكتروني بصورة واسعة.
ومع ذلك فإن هذا الجيل المعنون بجيل (Z) لا يمكن وصفه فقط بأنه مجرد جيل يقتني الهواتف الذكية ويتفاعل مع وسائل التواصل الاجتماعي، الفارق التكتيكي لدى هذا الجيل هي نشاطه المتزايد والمتسارع في عدة اتجاهات، وهذا خول الجيل (Z) إلى مواجهة المشكلات بطرق مختلفة يتم استلهامها من معايير وصفات الواقع العالمي الكبير الذي تعيش فيه هذه الأجيال.
ولمحاولة فهم التأثير المتوقع لصعود الجيل الجديد في عالمنا العربي وكيف يتعاطى هذا الجيل مع واقعه، تأتي هذه المقالة، فمن هو هذا الجيل وماهي صفاته، فجيل (Z) هم الأشخاص الذين ولدوا بين عامي 1997 و2012م، وهي الفئة التي تلت جيل الألفية، وقبل جيل (ألفا) الذين أتوا إلى الدنيا بعد العام 2012م.
جيل (Z) هم الأفراد الذين ولدوا ونشأوا في بيئة الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، ولذلك يمكن وصفهم بأنهم أتوا إلى الدنيا من رحمين الأول: رحم أمهاتهم والثاني رحم التكنولوجيا الذي تكاثروا فيه وبين جنباته وتأثروا بمعطياته وانعكس ذلك بشكل مباشر على خياراتهم المتعددة في العيش والتكيف مع الحياة.
هذا الجيل نشأ في عصر الأجهزة الذكية التي نقلتهم عبر الفضاء الافتراضي إلى كل زاوية على هذه الأرض يودون الوصول إليها، وهذه الفرص التقنية هي ما سوف تترك آثاراً جانبية جعلت من هذا الجيل موضوعاً حيوياً ومهماً للجميع، فقد شهد هذا الجيل وعاش وفق مستوى وتغيرات اجتماعية فاصلة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، ففي عصر (الجيل Z) حدثت الكثير من التحولات السياسية الدولية؛ ومن أهمها أحداث سبتمبر، وظهور جيل جديد من السياسيين صغار السن والملونين في العالم، وقد نشأ هذا الجيل في أسر لا تنجب الكثير من الأبناء ليس في الغرب فقط وإنما على المستوى العربي أيضاً.
الجيل (Z) العربي من الذاكرة إلى التكوين
(الجيل Z) هو نتاج فترة زمنية تملؤها الديناميكية المتحركة فائقة السرعة، فالأحداث التي شهدها العالم العربي بعد العام 2011م ساهمت في تقييم مختلف من قبل هذا الجيل والنخب الفكرية في مؤسسات العالم العربي السياسية والاجتماعية والدينية التي هيمنت على الواقع الثقافي والاجتماعي، هذا الجيل يحمل ذاكرة محورية انطلقت مع أحداث الربيع العربي وشهد حالة متسارعة من التحولات وصار يتداول أنشطته ومواقفه عبر وسائل التواصل الاجتماعي المفتوحة على العالم، فتعاطي الأفكار أصبح عملية يسهل تمريرها والتعبير عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا التفاعل نقل الذاكرة لدى (الجيل Z) من مستوى إقليمي إلى مستوى دولي وهذا ما فتح بوابة التعامل مع الثقافة الرقيمة عبر محاولة هذا الجيل صناعة التوازن بين ذاته وكيفية التعبير عنها وبين هويته المقيدة بذاكرته المجتمعية، لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي الأداة الأكثر تأثيراً في (الجيل Z) في ارتباك واضح عند التعبير عن الذات والهوية في مقابل فهم عميق وأكثر وضوحاً للأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها منطقتهم العربية وتحيط بذلك الجيل.
الذاكرة التي نقلت (الجيل Z) إلى مرحلة التكوين هي في واقعها صياغة مسارات جديدة لهذا الجيل تتجاوز القيود المحيطة بهم في عالمهم العربي، فالأسئلة الكبرى تنتظر المواجهة، فالفضاء القادم إلى (الجيل Z) من بقية العالم يكثف الأفكار الداعية إلى التشكيك في المعايير القديمة والتقليدية ويطالب بصياغة مستقبل مختلف من خلال الاعتماد المباشر على التكنولوجيا العابرة للحدود والتي أصبحت تساعدهم في تعريف المصطلحات المعقدة والمحضورة تلك التي تتداولها ذاكرتهم في المجتمع، ومن هنا (الجيل Z) في عالمنا العربي يعبر مرحلة تكوين مهمة قد تفرض إعادة تعريف الكثير من المصطلحات والقيم التقليدية والثقافة المجتمعية والهياكل لمؤسسات المجتمع.
(الجيل Z) في عالنا العربي يواجه حقيقة مهمة فلن يكون من السهل توقع أن يسعى هذا الجيل إلى أن يكون في حالة سلام دائم مع تراثه التقليدي وفقاً لمعطيات تكوينه وتفاعله المباشر مع الفضاء الدولي بمكوناته المختلفة السياسية والاقتصادية والسياسية، (الجيل Z) مؤهل لدخول مسارات الصراع مع القيم والتراث الذي تشكلت عليه الأجيال التي تسبقهم، هذا الجيل ورغم الصراع الناشئ بين ذاكرته المجتمعية وتكوينه العالمي فهو أكثر قبولاً للقيم الجديدة التي تتخذ من الحرية والمساواة والتنوع عنواناً لها، وهو في ذات الوقت أقل ثقة في المعطيات المجتمعية والفكرية من حوله والسبب خلف ذلك تنوع المصادر والنماذج الثقافية التي يستطع أن يحتكم إليها في تقييم ذاته وصياغة هويته الفكرية.
ورغم ذلك فإن هناك حقيقة مهمة تتمثل في قدرة (الجيل Z) العربي على أن يكون أكثر عقلانية في تقييم واقعه ومكانته بين شعوب العالم إذا ما وجد الدعم الكامل من مجتمعه بجميع مستوياته الثقافية والسياسة والاقتصادية، ولذلك فإن (الجيل Z) سوف يشارك بقوة في ما يستطيع أن ينافس به الآخرين على المستوى الدولي عبر مناقشة المعايير والقيم المجتمعية والسياسة الخاصة به وطرق الحكم في عالمه العربي وتحولات الثقافة وتكوينه المجتمعي والتراثي.
(الجيل Z) ما بعد الأيديولوجيا
(الجيل Z) مختلف في السلوكيات والمواقف السياسية، فهو جيل يحل وبشكل تدريجي محل الأجيال الأكبر سناً، وهذا ما يؤكد أن المعطيات التي يملكها هذا الجيل لديها الفرصة الأكبر في الظهور في ثقافة هذا الجيل مستقبلاً ومكوناته. ومن هنا: فالتغيرات محتملة ومنتظرة وتتطلب وعياً عميقاً لفهم الاتجاهات المتوقع ظهورها من خلال (الجيل Z) المعتمد على فضاء عالمي واسع غير محدود في تمرير المعلومات والبيانات.
التقنية والتكنولوجيا وفرت لـ(الجيل Z) مسار الاعتماد على النهج البراغماتي أكثر من أي نهج أيديولوجي آخر، فـ(الجيل Z) هو الأكثر انفتاحاً وتجاوزاً للمعايير المتحيزة والتي يرى هذا الجيل أنه يعاني منها عبر وراثتها من الأجيال السابقة. هذا الجيل نشأ في ظل قيم عالمية تدفقت عليه عبر الأجهزة الرقمية، ورغم التناقض الكبير الذي يشعر به هذا الجيل بين واقعه الإقليمي والواقع الدولي في مجالات مختلفة كالسياسة والمجتمع والثقافة، إلا أن هذا الجيل وجد نفسه أمام قيم وأخلاقيات متناقضة مع ما يؤمن به من قيم صلبة في مجتمعه، مثل المثلية والتحول الجنسي، وهذا المثال الثقافي يندرج أيضاً على القيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
التوازنات الجديدة للعالم العربي
يشكل (الجيل Z) ظاهرة غير قابلة للتجاوز، فهذا الجيل هو الأول من نوعه بين الأجيال الذي نشأ مع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وهم الجيل الأول الذي حقق فكرة الذوبان الدولي وتجاوز الحدود الجغرافية ووقع تحت تأثير مباشر للثقافة العابرة. ومن هذا المنطلق، لا بد من فهم دقيق للكيفية التي من خلالها سوف تنعكس الآثار المباشرة لهذا الجيل على الواقع في العالم العربي، ويمكن فهم ذلك من خلال المعايير التالية:
- (الجيل Z) تأثر بالأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2009، ووباء كورونا في العام 2019، وكلا الحدثين كان لهما تأثير مباشر على الفرص الاقتصادية لهذا الجيل، الذي تضاعف شعوره بالخوف والقلق على مستقبله الاقتصادي، والتهديد الوجودي لهذا الجيل الناتج عن التحولات الكبرى القادمة من الذكاء الصناعي.
- (الجيل Z) في عالمنا العربي تحديداً يتواصل مع الثقافات العالمية بشكل مفرط، فالثقافات المحلية تذوب أمام ذلك التواصل المفتوح، حيث يستخدم (الجيل Z) معايير ثقافية مشتركة ابتداء من اللغة وحتى الملابس وحتى المواقف الأيديولوجية، والإيمان بالحقوق الخاصة بالحرية الفردية عند الاختيار، سواء الاختيار البيولوجي أو غيره.
- المعيار الأكثر أهمية لفهم (الجيل Z) هو قدرته الرقمية على إيصال متطلباته إلى العالم، فغرف الدردشة التي يستطيعون الوصول إليها تمنحهم الفرص لتعزيز شعورهم بالتضامن العالمي مع أفكارهم التي يؤمنون بها.
خلاصة
(الجيل Z) لاعب رئيس في التكوينات المستقبلية للمجتمعات في العالم العربي، والحقيقة الأساسية التي يمكن استنتاجها هي أن هذا الجيل لا يمكن اعتباره كحالة انفصال عن واقعه الاجتماعي؛ هذا تقييم خاطئ. هذا الجيل يمارس التعبير بعمق عن واقعه، بل هو يبحث عن قواعد وأدوات ثابتة ينقلها للعالم، تنطلق من قيمه ومعاييره الثقافية والاجتماعية والسياسية كي يتشاركها مع العالم من حوله. فالسباق القادم بين (الجيل Z) العربي وأقرانه في العالم يتمثل في قدرة تلك الأجيال العربية على تصدير ثقافتها وقيمها، وبخاصة القيم الأخلاقية والسياسية، وإثبات أنها يمكن أن تتطور وتتغير لتنافس العالم كنماذج صالحة وقادرة على المنافسة الدولية.

ذو صلة