مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

الأدب ومهمة الأديب

الأدب ميدان فسيح للتعبير عن الشعور الوجداني، والفكر الإنساني، والأديب ينطلق من صدق الإحساس، وصدق التعبير، ويصوّر بأبدع ما يتمخّض عنه البيان لما يختلج في نفسه، والأدب صورة حية عن الكون والإنسان، وهو مرآة صافية تعكس وجه الحقيقة، عن طريق المزاوجة بين الفكرة والصورة، ويمتدّ الأدب ليشمل كافة مناحي الحياة، فهو لا يقتصر على مجال من مجالاتها، بل يتّسع ليشمل العالم كلّه، فهو فنٌّ شامل لكافة ما في الوجود.
وإن الأدب ينادي القلب والعقل معاً، فهو يمزج بين سموّ المعنى وطرافته، وحسن المبنى ونضارته، إذ لا يحقق الأدب غايته إلا إذا توخّى الكاتب الأديب في أسلوبه مسحة الجمال الفني -وهو عنصر مهم في العمل الأدبي-، واستوفى الفكرة على أتمّها.
وممّا يعين الأديب على بلوغ الغاية من الأدب، هو العناية بجدّة المعنى، والاهتمام بجمال المبنى، ذلك أن اختيار الموضوع المناسب، وانتقاء الألفاظ المعبّرة، يساعد على النفاذ إلى القلوب، والتأثير في النفوس، كما أن التعبير السّليم يعين على فهم عُمق المعنى، بينما غموض الأسلوب يحول دون الفهم السديد، والأسلوب المرسل الخالي من التزام السجع وتكلّف الحلى البديعية يعين الأديب على وضوح المعاني.
والأديب الذي يُبدع بجمال الأسلوب، ويُمتع بجلال العرض، وسموّ الفكر، ويُبهر باتساع الأفق، ويجذب بنبل هدفه من وراء أدبه، هو الذي يستولي على القارئ، فيدفع بالعقول إلى التأمل، ويفتح أمامها آفاقاً فسيحة في عالم الأدب والفكر، ويضيء جوانب الحياة، والأديب شاعر في نظمه ونثره، ينسج من البيان ثوباً قشيباً، وينظم عقداً فريداً، وهو يغوص في خوافي النفس ومكنونات الحس ليجليها بمرآته الكاشفة في وجه ناضر، وحسن ساحر.
وإن لجمال الأسلوب أثراً في المتلقي، فهو يتيح له تذوّق فيض المعاني البهيّة في خرائد الألفاظ المتّسقة، التي لها دلالة على معانيها، مما يتيح لمعاني الكاتب وألفاظه أن تنفذ إلى القارئ، فيستكنه أسرارها، ويفهم مراميها.
وغاية الأدب أن يحقق الخير والجمال، فللأدب رسالة حضارية، تستهدف القيم، وتهذيب الخُلُق، وتنمية الذوق، وتقوية الشعور، وتعليم العقل، ومهمّة الأديب الارتقاء بالإنسان وتحريره من ربقة الجهل والجمود، والاستجابة لحاجاته، وتغذية عقله، وشحذ همّته، والانطلاق به في آفاق وضيئة، إدراكاً للذات الإنسانية، وتأملاً للوجود.
والأدب يتجاوب مع الحياة في حركتها الدائبة، يعالج شؤونها، ويبعث آمالها، ويقف ليقوّم المسير، ويجدّد نبع الحياة المتدفّق، ونشير إلى تفاعل الأدب مع أحوال العصر، وقد لا نستطيع فهم حقيقة الأدب إذا جرّدناه من إطاره الزماني والمكاني، ولم نطّلع على الرّوابط بين الأسباب والنتائج، فإن لكل عصر سماته وخصائصه، واختلاف الأعصر يساهم في اختلاف هذه الخصائص، مما يؤدي إلى تطوّر الأدب، فضلاً عن أن لكل كاتب مميّزاته الفنيّة، وكثيراً ما تختلف الأساليب والمعاني من كاتب إلى آخر، ولو عاشا في نفس العصر والبيئة.
ولا شكّ أنّ الأدب الرفيع هو الذي يعكس صورة الإنسان، ويصوّر مشاعره، ويعبّر عن خوالجه، ومكنونات فؤاده، والتعبير عن النفس ينطلق من التأمل الذاتي، والتجربة النفسية، والتصورات الفكرية، وذلك خير عون له على فهم نفسه، والعالم من حوله، وتجد فيه مسحة من عقل كاتبه، ونفحة من روح صاحبه، ويجذبك إلى عالم الأدب وروائعه، وسموّ أغراضه ونبل مقاصده، ويظلّ ناضراً لا يبلى على الأيّام، فتسعى إلى إعادة قراءته، وتهفو كل حين إلى استعادته، كمن يهفو إلى روضة غنّاء.
ذو صلة