منذ أن وعيت على الحياة مبكراً وأنا مهتم بالقراءة، حيث كانت فترة الطفولة والشباب، مسرحاً لمنشورات وكتب ثقافية، تصلنا من مختلف البلدان العربية (ورقياً)، من مصر ولبنان وسوريا والأردن والعراق وغيرها.
فكانت هي زادنا المعرفي في مختلف الفنون والآداب، فعرفت (المنهل) و(القافلة) السعوديتين، و(مجلتنا العربية) التي أتمت خمسين عاماً الآن، و(العربي) الكويتية، و(الدوحة) القطرية، وإصدارات (الهلال) المصرية، وغيرها كثير من بلدان عدة.
إضافة للملاحق الأسبوعية والصفحات اليومية التي خصصت للحدث اليومي والقراءات النقدية، وما يجري من تنويهات عن الإصدارات الحديثة من الكتب والكتاب، وما تفرزه دور النشر السعودية والخليجية والعربية.
فكان لها الفضل بعد الله، في علاقتي مع اللغة العربية ومفرداتها القوية، وسردها الجميل.
إضافة لكل الإصدارات الورقية حينها، كانت الإذاعة السعودية في عز نشاطها، حيث البرامج الحوارية، والثقافية، والتمثيليات بالفصحى التي كانت أفضل ما يكون جودة كتابة، وأداءً وإخراجاً، وبنت علاقات واسعة مع المستمعين السعوديين والعرب في كل مكان يصل إليه البث الإذاعي.
ولم يكن التلفزيون بأقلّ شأناً من الإذاعة، حيث البرامج الثقافية مع الكتاب والأدباء العرب، وأخرى وثائقية تقدم معلومات عن الطبيعة والتاريخ وجديد العلوم والمعارف.
ولذلك كله، تجد الجمهور في تلك الفترة ما قبل 2000م، بالرغم من قلة المصادر، إلا أن ثقته في وسائل الإعلام حينها كانت قوية، ويستمد معلوماته منها، ويقيم علاقة شبه يومية معها، ويحفظ العاملين فيها والكتاب، وينسب إليها مصادره في الأحاديث الثقافية اليومية، وما يجري من حوارات اجتماعية حول الشأن العام.
ويفزعني بشكل خاص، توقف مطبوعة ثقافية ورقية أو إلكترونية، وكذلك أي برنامج إذاعي أو تلفزيوني له علاقة مباشرة بتنمية الوعي، وفهم الحالة الاجتماعية، وقراءة المستقبل قراءة فاحصة ومتوازنة في الآن ذاته.
وأرى كما يرى غيري، أن هذا النوع من النشر الثقافي بحقوله المختلفة، يجب ألا يتوقف، ويدعم من قبل الجهات المختصة مثل وزارة الثقافة وهيئاتها المتعددة، لاسيما ورؤية ولي العهد، جعلت من الثقافة والفنون والآداب ركيزة أساسية في بناء المستقبل، وراهنت على أجيالنا القادمة.
كما أحث العاملين على المجلات الثقافية المتخصصة، على فتح المجال أمام الأجيال الجديدة للكتابة، والدفع بالموهوبين منهم، في كل حقل ثقافي، ومسايرة الجديد في العالم، ونحن نشهد تطورات مذهلة في كل المعارف والعلوم، واستكتاب المتخصصين في كل حقل، لمنح رؤيتنا مجالاً أوسع نحو فهم ما يجري وربط المتغيرات، والتعامل الواقعي مع الراهن استعداداً لمستقبل نعرف بعضه ونجهل الكثير منه.