مجموعة صغيرة من اليافعين أو هم أقرب للمراهقة من سن الرشد. أظن أن أعمارهم ما بين الرابعة عشرة تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً. نظروا باتجاهي وأنا القادم إليهم، حيث تحلّقوا على إحدى الطاولات الدائرية بصخب المراهقين المعتاد، وأنا غريب السحنة (من وجهة نظرهم) قد اقتحمت عالمهم في قاعة التفكير والحوار في المكتبة العامة تلك التي ستكون المحور الأساس في مقالتي هنا.
إذاً، سيبدأ حديثي من هذا السطر على غير العادة كما هو حال المقالات العربية. أعني بأنني سأبدأ ليس بسرد ما حدث مع أولئك المراهقين، بل عن المكان وهو أساس الحكاية وصلبها. هل تخيلتم معي قرّاء المجلّة العربية أن هناك مكتبات عامة مازالت على قيد الحياة تؤدي أدوارها وبشكل فعّال، في زمن اعتقد فيه الناس أن الكتب والرفوف وأمين المكتبة وكل من يعمل فيها بين ممرات تلك المصنفات وفرض الهدوء كمعتاد المكتبات في أي مكان بالعالم قد انتهى.
أكتب لكم من هنا في المكتبة العامة في إحدى مدن المملكة المتحدة وهم أهل عراقة في العلم والمعرفة، إذ بدأت جامعة أكسفورد في التعليم الجامعي عام 1096 تلتها جامعة كامبريدج 1209 ثم كرّت سبحة جامعاتهم العريقة. أقصد بهذا التوضيح أنهم لم ينجرفوا وراء تيار سيادة الرقمي وتبجيله ومحو كل ما كان قبله، على الرغم من أنهم لم يقفوا ضد التحديث، بل طوّعوا ما أمكن تطويعه رقمياً لصالح المعرفة والتنوير الذي هو الأساس الذي تقوم على بنيانه المنشآت الفكرية والثقافة ومنها المكتبات بمفهومها الشامل عالمياً.
أذكر جيداً تلك المكتبة العامة بمبناها المهيب بالقرب من تقاطع شارع الوزير وشارع الخزان في العاصمة الرياض إبّان السبعينات الميلادية وما قبلها وما تلاه من زمن وجيز. معظم مثقفي تلك الحقبة يذكرون جيداً كيف كان ذلك المكان بمثابة الرافد الأساس للمعرفة لديهم من خلال قراءة المطبوعات بمختلف أشكالها وما تحتويه من أفكار ومفاهيم قد تكون جديدة كل الجدّة عليهم آنذاك.
كان رواد الفكر والثقافة في بلادنا وقت التكوين والتأسيس يتحملون وعثاء السفر لبلدان العالم كي يطّلعوا على مخطوطة مهمة أو نسخة نادرة تُحقق معلومة مدار البحث لديهم، فيحتفلون بعدها بإنجازهم، بينما المكتبات في العصور اللاحقة قد كفت من تلاهم من الأجيال تلك المشاق.
شخصياً سمعت باختفاء المكتبات العامة في بلادي وفي غيرها مع أني لا أؤكّد ذلك المصير الحزين لكنني رأيت بعيني مآل إحدى تلك المنشآت التي سادت ثم بادت.
دار كل ما سبق في ذهن كاتب هذه السطور وأنا بين ثلّة من المراهقين من مختلف الأعراق التقيت بهم في المكتبة العامة بمنطقة (هارينقي) في لندن التي تعد في حكم المركز الثقافي، العلمي، الفني، الاجتماعي، فهل يصعب علينا، ونحن في زمن المشاريع الثقافية النوعية في بلادنا، أن ننسى المكتبات العامة؟