يعرف الفيلسوف الفرنسي المعمر إدغار موران الإنسان بكونه ذاتاً بشرية معقدة منقسمة متعددة الأبعاد (Homo Edgarus)، والإعلام أو الاتصال بعد من أبعاد وجود هذا الإنسان، بل إنه بعد يخترق بقية الأبعاد الأخرى، فوفق المدرسة التفاعلية الأمريكية لبالو ألطو (Palo Alto) لا يمكننا إلا أن نتواصل (One cannot not communicate)، وأنه كلما تواصلنا كان ذلك أفضل، وكان أنجع وسيلة لإيجاد حل للمشكلات الإنسانية، لذلك ستتعدد أنواع الإعلام والصحافة تبعاً لهذه الأبعاد، وستنتج أجناس صحفية عدة ومواد إعلامية متمايزة تستند إلى الطريقة التي يتم بها تقديم المعلومات وموضوعات التغطية منها: الصحافة الإخبارية، والصحافة التحقيقية، والصحافة الاستقصائية، والصحافة الرياضية، والصحافة العلمية، والصحافة البيئية، والصحافة الاقتصادية، والصحافة الثقافية، والصحافة السياسية، وصحافة الرأي، وغيرها، كما أججت الثورة الرقمية منافسة قوية بين المؤسسات الإعلامية والصحافية التقليدية فيما بينها، وبينها وبين وسائل الإعلام والاتصال الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تستحوذ على عائدات الإشهار والإعلان، حيث أصبح بإمكان أي مستخدم أن يكون ناشراً، و(صحفياً) وصانع محتوى إعلامياً.
وفي خضم هذه التحولات والتجاذبات، بين الوسيلة والواقع، سيبرز أيضاً نوع من الصحافة يسمى صحافة الحلول (Solution Journalism)، ويعرف بتوصيفات أخرى من قبيل: الصحافة الإيجابية (positive journalism)، والصحافة البناءة (Constructive journalism)، وصحافة الأثر (Impact Journalism)، وصحافة الأخبار السارة (Good News)، وصحافة نصف الكوب الممتلئ، وصحافة الدببة الطيبين (Care Bears journalism) أو صحافة النظارات الوردية، واختصاراً بصحافة (السوجو) (SOJO)، وكلها تحيل إلى توجه صحفي جديد يتقابل مع الصحافة التقليدية الإخبارية التي تنعت قدحاً بصحافة المشكلات أو صحافة فن عرض المشكلات (الحروب، الإرهاب، الفساد، القمع، الجرائم، التغير المناخي، الفيضانات، الجفاف، الأوبئة..)، وتتعارض مع صحافة الإثارة والفضائح، كما تتمايز أيضاً عن بقية الأنواع الصحفية: صحافة التحقيقات، الصحافة الاستقصائية، وغيرها.
يعود الفضل في ظهور صحافة الحلول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ففي عام 1998م نشرت مجلة (Columbia Journalism Review) مقالاً بعنوان: (صعود صحافة الحلول)، وعُرفت فيه بأنها: (الإبلاغ عن الجهود التي يبدو أنها تنجح في حل مشكلات اجتماعية معينة)، وتمددت حالياً لتخترق مئات من وسائل الإعلام والاتصال العريقة والمنصات الرقمية داخل الولايات المتحدة وخارجها، منها: الواشنطن بوست (The Washington Post)، وهوفبوست (Huffpost)، والصحيفة البريطانية العريقة (The Guardian)، وجريدة لوموند (Le monde) الفرنسية التي تضم ملحقاً لحلول الأرض، وباب (Demain) في جريدة (Le Figaro)، وجريدة (Libération) الفرنسية التي تصدر عدداً خاصاً (Libé) في الثاني من شهر يناير منذ عام 2014م (ويعد دائماً من أفضل مبيعات العام)، وهناك أيضاً مواقع إلكترونية ومجلات عدة متخصصة في هذا النوع الصحفي عبر قارات العالم، وتعد شبكة صحافة الحلول (SJN) أكبر منظمة صحافة حلول في العالم.
شكَّل ظهور صحافة الحلول -بوصفها عرضاً صحفياً جديداً- حلاً تنفيسياً لمآزق ولتحديات تواجهها الصحافة التقليدية بفعل وتيرة التسارع والسيولة وهجرة المستهلكين إلى الفضاء الرقمي، فدراسات أكاديمية وعلمية نفسية واجتماعية غربية عدة أثبتت تراجع نسب المقروئية والمشاهدة لصحافة المشكلات والإثارة والسبق الصحفي، فإذا كان علم النفس الاجتماعي يعزو سبب ارتباط وسائل الإعلام والاتصال بالمشكلات وبالإثارة إلى فرضية الانحياز السلبي (Negativity bias) لأن البشر مبرمجون غريزياً للانتباه إلى التهديدات التي تحيط بهم وتهدد بقاءهم، وبرغبتهم في معرفة أحوال الآخر، فإن قانون كوي بونو المعكوس (La loi de Cui bono)، توصل إلى أن نشر معلومات غير دقيقة أو غير صحيحة يمكن أن يؤدي إلى فقدان ثقة الجمهور بوسائل الإعلام والاتصال، ومنه التأثير سلباً في المجتمع، كما أن معاناة الجمهور من تخمة الأخبار السلبية بسبب هذا الطوفان اليومي من الأخبار السلبية المتكررة سيفضي إلى ما يسمى إرهاق الأخبار (News Fatigue) أو إرهاق التعاطف (Compassion Fatigue)، وإلى مختلف الإحباطات وأشكال القلق الوجودي، وسينجم عنه حالة عكسية من عدم الاهتمام وتراجع التعاطف الإنساني بسبب هذا القصف الوجداني (Emotional bombardment) الذي سيتضخم بالتغطيات المباشرة والمستمرة طيلة اليوم للحروب وللمآسي وللجرائم وللفضائح وللكوارث، وسينتهي إلى نوع من التطبيع النفسي معها لتتحول في نهاية الأمر هذه الأحداث الإنسانية البئيسة إلى مجرد أخبار عادية وأرقام إحصائية.
يتعرف الطالب الصحفي في كليات الصحافة والإعلام ومعاهدها على أسئلة هارولد لاسويل (Harold Dwight Lasswell) الخمسة الشهيرة (W5) (من، ماذا، متى، أين، لماذا) (Who، What، When، Where، Why) لتحرير الخبر وصناعته، غير أن صحافة الحلول ستضيف سؤالين آخرين (5W+2) متصلان بوظيفة صحفية جديدة هي البحث عن حل للمشكلة التي يعرضها: كيف؟ (How) وماذا بعد؟ (So what)، ولذلك لم يعد المثال الشهير (الرجل والكلب) الذي يقدم عن قيمة الخبر المختلف، والطريف، وغير الاعتيادي، وغير المألوف الذي ينقل حدثاً ما إلى خبر، غير مُجد دائماً، فسواء (عض الرجل كلباً) أو (عض الكلب رجلاً)، فكلاهما خبران سلبيان بالنسبة لصحافة الحلول، بل إن الزاوية في صحافة الحلول ستتجه إلى الكيفية التي يمكن من خلالها معالجة ظاهرة الكلاب المتشردة.
وإذا كان من مبادئ التحرير الصحفي التقليدي أنه إذا كان ينزف دماً فهو يتصدر (If It bleed، it leads)، وأن الصحفي الناجح هو من يجيد (النفخ على الجمر) حسب الصحافية الأمريكية أماندا ريبلاي (Amanda Ripley) في كتابها تعقيد السرد (ِComplicating the narratives)، فبالنسبة لصحافي الحلول ينبغي تناول الخبر بصيغة مقلوبة: فالأخبار السيئة هي أخبار سعيدة، ورب ضارة نافعة، وعلى الصحافي أن يجيد التسويق الاجتماعي لحلول مشتركة إنسانية مستدامة ومتكررة وواقعية ومبتكرة. وحسب شبكة صحافة الحلول المتخصصة (Solution Journalism Network) فصحافي الحلول هو من يحرر تقارير إخبارية تركز على استجابات الناس للمشكلات الاجتماعية، ويجيب عن سؤال: ما الذي ينبغي أن يفعله الناس حيال هذا المشكل؟ ومن منطلق: كيف ينبغي أن تكون شاهداً؟ سيضيف صحافي الحلول سؤالاً آخر: كيف ينبغي أن تكون فاعلاً؟ تنتقل صحافة الحلول، إذن، من وظيفة الإعلام والإخبار والرصد والنقل المجرد والحياد السلبي ومطاردة السبق الصحفي ومنطق الوسيلة الأداتية إلى وظيفة الفعل والتأثير الإيجابي والعمل الصحفي الفعال والالتزام بقضايا الوطن والإنسان ومنطق الغاية التنموية.
مازال الإقبال على صحافة الحلول ضعيفاً، ومازالت تجارب صحافة الحلول في العالم العربي محدودة جداً لإكراهات سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية، ولضعف التكوين والتأهيل المهني للعاملين بقطاع الصحافة والإعلام في هذا النوع الصحفي، غير أنه يمكن تطوير الاشتغال على ثلاثة مستويات تنموية فردية واجتماعية: معرفية، ووجدانية انفعالية، وسلوكية، وفي إطار سياق عام يقوم على الموازنة الحضارية بين الخصوصيات الثقافية من جهة، وبين الانفتاح الواعي على المشترك الإنساني من جهة ثانية، وباستهداف التأثير الإيجابي في المشاعر والاتجاهات والذائقة، وفي تكوين الاتجاه الفعال للتعامل مع المشكلات الاجتماعية، لتسهيل الاندماج والتماسك الاجتماعي، ولتصريف القيم الفردية والجماعية المرغوبة، ولتعبئة الموارد البشرية من أجل الانخراط في التنمية المنشودة في تجلياتها المتعددة.