مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

القثامي.. فنان يبحث عن الأطر ليغادرها ليكسرها

استطاع فهد القثامي المزاوجة والتنويع والابتكار في المشروع والخامة والأسلوب والفكرة والأداة، بفضل التزامه الفني ومواظبته على التجريب والتمرن والتعمق في محتويات الأشياء وكائناتها ومكوناتها، والشجاعة والجرأة مشحوناً بحس المغامرة الخلاقة والمفكرة والواعية بكيفية مشروعها. هكذا تمكن القثامي من أن يتجرد من نمطية سادت الفن ويجرد عمله من توقعات ما سيؤول إليه؛ إذ حرر أعماله الفنية لترغب في الحياة من خلال ابتكاراتها التي قد تفاجأ فنانها قبل متلقيها.
الفنان فهد القثامي هذه المهارة المفاهيمية التي تغريك بالاصطدام بما في الواقع من مكونات مألوفة وإعادة تبديل أدوارها وتغيير مفاهيمها التقليدية في الواقع، بمفاهيم حداثية أعني هذا التجريب الجريء الناتج عن وعي، متفكر واستقراء متأمل هو دور شبه مفقود عند ‏التشكيليين إلا فيما ندر، فكيف استطعت أن تخوض ما ليس مألوفاً ومستساغاً ونجحت باستمرار؟
- في الحقيقة لا أدري.. ربما يعود هذا لمراحل الطفولة التي عشتها غير آبه بما يحدث مهتماً فقط في إسعاد مخيلتي. فقد بدأت مراحلي الفنية عام 2004 وكانت أول مشاركة في معرض جماعي آنذاك نتج عن ذلك صداقات ولقاءات عديدة مع فنانين وشعراء كان محور هذه اللقاءات حب الفن واستكشافه، وساهم هذا بلا شك في تطور تجربتي.
وعلى سبيل الذكر، بداية مشاركاتي الفنية انعكست بشكل أو بآخر على طرق التفكير لدي أذكر منها في معرضي الشخصي الأول في الطائف في العام 2006 قدمت مجموعة فنية مزيجاً بين الأخشاب والمسامير والصفيح الصدئ، وتشكل خيالات لنساء يرتدين البراقع. هذه المجموعة كانت الاختبار الأول لردود الفعل تجاه طريقتي الفنية في التعبير. وحقيقة صدمت بالكم الهائل من الإعجاب والتساؤل. بدأت حينها في قراءة ردود الفعل، والتركيز على استمرار هذا النهج وتطويره وصقله ليصبح جسراً ينقلني لفضاء جديد أبدأ فيه من حيث أحب.
كان معرضك السابق (خرائط صلبة) في أبو ‏ظبي اختبار ذكي لعلاقات زمنية متراكمة فيما بين المواد ومظاهرها، هذا المزج الفكري الفني بين التاريخي والمادي والوجودي ما القيم الجمالية التي استنتجتها منه‏؟
- خرائط صلبة (العمل) نتج من خلال تراكم سابق في التعامل مع مادة الحديد ومحاولة مني في دراسة هذا التفاعل الكيميائي بين المعدن والهواء والماء بطريقة فنية وخلال عدة محاولات بدت لي خرائط تتشكل من تلقاء ذاتها وترسم حدوداً. ومساحات أمام عيني. في هذه اللحظة أدركت أنني أمام عمل فني مختلف في ما يشبه ظاهرة الديجافو ولكن هذه المرة أنا من يقوم بتغيير السيناريو وفق رؤيتي. خرائط صلبة كانت عبارة عن مربعات مصفوفة من الصفيح قمت بتسخينه ومن ثم غمره في الماء البارد وتركه مصفوفاً يتفاعل بعضه مع بعض. وبمرور الوقت تبدأ هذه الخرائط بالتشكل تدريجياً.
تمتلك نمطاً من التفكيك للرموز باستمرار لا يخلو من تلك الإنسانية الاجتماعية المفعمة بملامح الفرد وانشغالاته الذاتية البحتة رغم خصوصيتها ولا يتأتى ذلك الاقتدار الإبداعي الفني إلا عن خبرة شخصية بالعزلة ونوع من الصفاء الذهني غير المسبوق. فماهي الأدوات الضرورية لذلك التمكن مع كل ما يعيشه الفن والأدب من زحام وعوز وهواجس؟ وما هي السبل المتاحة للحفاظ على ذلك التصوف التشكيلي واستمرار وجوده لتجاوز نوبات الإحباط بالواقع الحياتي المعاصر بكل تناقضاته؟
- العزلة لم تكن خياراً ربما في فترة ما من حياتي كانت طابعاً عاماً أعيش فيه رغم محاولاتي للإفلات منها بلقاءاتي بالأصدقاء هنا وهناك ولكن ظلت هي الثوب الذي أرتديه. لقد مارست مفهوم العزلة بطريقتي في التفكير في كل الأشياء المحيطة بي. وأستذكر قصصاً ومواقف عشتها في طفولتي ابتداء من زهرة رسمتها على الأسمنت في مزرعة جدي وأنا في المرحلة الابتدائية، مروراً بأحلام وخيالات ذلك الطفل حتى آخر تجاربه. أفكر في هذا السياق وأتعجب أحياناً، وأحياناً أتجاهل كل ذلك، وأعود من جديد كل ما زاد الحنين. وجدت أيضاً في الموسيقى عزلة أخرى داخل العزلة وهذا وإن لم أقصد قد يزيد الأمر تعقيداً حيث من الممكن أن يكون الإحباط والعزلة في آن معاً وهذا شعور مخيف.
أظن التخلص من العلاقات الاجتماعية وبرامج التواصل الحديث بشكل مؤقت وليس بشكل دائم، ضرورة ملحة لكل من يمارس الإبداع بشكل عام.
‏(حكاية مسامير).. ‏معرضك الذي ضم اثنين وخمسين عملاً، وثلاثين لوحة فوتوغرافية، وعرضاً ‏سينمائياً يعد تجريباً فريداً في خامات ربما لا تتماشى مع بعضها (حديد وأسلاك ومسامير قديمة ‏وأخشاب).‏ كما أن استخدامك للصورة، بأسلوب لا يخطر على بال وإخفاء بعض الكلمات وبعض ‏الأحرف. ماذا أردت أن تحكي من خلاله؟ ولماذا اخترت أن تكون حكايتك عن المسامير وليست عن الأسلاك أو الأخشاب مثلاً؟
- من خلال تجربتي في معرضي الأول، وذكرته سابقاً في السؤال الأول، كان المسمار أحد الأدوات التي استخدمتها في تجميع الأعمال وتعليقها. هذه المصادفة كانت مربكة بالنسبة لي وجعلتني أعيد التأمل في هذا الشيء. لا أخفي عليك انبهاري السطحي في البداية بالشكل الفني للمسمار من حيث التصميم. قررت العبث قليلاً والتجربة ربما أصل لشيء جديد. ولكن لم تكن هذه التجربة سهلة أبداً. بدأت أحس بمشاعر مختلطة. استدرجتني هذه التجربة إلى العمق دون قصد ولم أقاوم. لقد انسقت طواعية لأرى أين أتجه.. بدأت في فكرة الشكل ولم يخطر في ذهني أهمية الوظيفة للمسمار. كانت مثل الأحجية. بدأت أجمع الأشياء وأتأملها أثبتها وأتعايش معها. أحياناً أحزن وأحياناً أكون فرحاً سعيداً دون سبب. عندما انتهيت من الأعمال كعادتي أتفحصها كمستقبل لها، خلال هذه العملية أحسست أن القصة لم تنته. أرى تفاصيل من زوايا ضيقة جديرة بالتوثيق. قررت التقاط هذه الصور وعند جمعها حدثت مصادفة أخرى زادتني تعجباً. بدا لي أن هناك مادة جاهزة وقصة مترابطة لإنتاج فيلم سينمائي. وكان فيلم حكاية مسامير رغم بدائيته وبساطته وفقر أدواته إلا أنه كان جسر عبور لمنطقة جديدة ومعرفة جديدة.
احتلت الصورة حيزاً انفعالياً كبيراً ما جعل المتلقي يشي بأنها عبرت إلى جانب فنيتها نموذجاً إبداعياً حداثياً جامعاً بين المعنى الشعري والمعنى التشكيلي بفضل دلالاتها البصرية المركبة، هذه الشاعرية المفرطة والتكلف في سرد التفاصيل، ألا ترهق مفهوم الفن ونظرة المتلقي إليه؟‏
- مفهوم الفن متجدد ومتغير، والصورة الفوتوغرافية تعتمد على أداة وظيفتها التوثيق، وهذا في ظني يبرر التكلف في سرد تفاصيل النتيجة أحياناً. ومن ناحية لا يتراءى لي خلفها عذابات واشتغال ذهني مرهق يوازي فكرة إنشاء عمل فني من اللاشيء على الرغم من وجود تجارب فوتوغرافية مختلفة اقتربت من رسم صورة حول مفهوم الزمن وحيزه تثبيته ومحاولة إيقافه. وهذا بلا شك يستحق الوقوف والتأمل. أما بخصوص نظرة المتلقي عن مفهوم الفن تحديداً فهذه تخضع لمقاييس تبنى على قراءات مختلفة لأوجه فهم المصطلح وخصائصه.
‏تجاوزت الثورة الرقمية الحدود والزمن وأنتجت كثيراً من التجارب الثقافية الفكرية والأدبية والفنية المتطورة، ما دور التقنية في أعمالك الفنية؟
- للتقنية أدوار كبيرة ومؤثرة ليس على الفن وحده ونتفق عليها جميعاً بحكم وجودنا ومعاصرتنا لنشأتها وهذا ساهم بشكل كبير في ظهور تجارب ثقافية فنية مختلفة وفي إطار متطور وأكثر حرية. نحن أيضاً اندمجنا معها وأصبحت نافذة لفهمنا للحياة المعاصرة. لا يمكنني الجزم بالاعتماد عليها في كل شيء ولكن هي آلية معززة ومسرّعة للعمل بشكل كبير وتختصر الكثير من الوقت إذا حَسُن استغلالها. وهي بلا شك تتنوع أدوارها، في تجربتي الفنية على سبيل المثال في معالجة الرسوم والصور والتصاميم ثلاثية الأبعاد وعروض الفيديو أعتمد عليها بشكل كبير، لكن أحياناً فرط التعامل مع هذه البرمجيات يكون مملاً ما يجعلني أتوقف عن الاستمرار في العمل بها، والعودة إلى الممارسة اليدوية التي لها طابع خاص لا يمكن أن توصل إحساسه الآلة، هذا يدفعني إلى استمرار البحث والتعلم ومحاولة الاستفادة من هذه الأدوات وهي تدهشنا في كل يوم بشيء جديد. أستطيع القول إنها باتت من الأسس المهمة لكل فنان معاصر أن يجيد التعامل مع أدوات الفن الحديثة ويكون بارعاً متمكناً فيها.
تحاول أن تجعل للمتلقي حيزاً غير قليل في أعمالك. فما دور المتلقي لأعمالك، وكيف يتشارك معك فيها، ما هي الأدوار المفاهيمية المتاح له الوعي بها فنياً؟
- لا أعتقد بوجود أدوار مفاهيمية، وصدقاً لم أعد أؤمن بهذا التصنيف. الفن يجب أن يظل حراً. يحتمل كل شيء. أنا أميل جداً إلى تبسيط الأمور. وهذا يريحني. أحب أن أسمع وأحاور وأستمتع في الحديث حول العمل دون الاستفزاز أو حتى استعراض أي مهارات نقاشية. أنا أعتقد بمجرد انتهائي من العمل الفني ينتهي دوري حينها، أصبح من الجمهور، ويحق للمتلقي وقت العرض أن يقول رأيه كيفما يحب دون تكلف أو تحديد أدوار. لحظة العرض هي لحظة احتفال، ومنطقة لقراءة الأثر الفني بجمال.
ذو صلة