عدة نصوص مسرحية خطها الكاتب المسرحي الإسباني (فيديريكو غارثيا لوركا)، والذي حدد وبدرجة كبيرة وجه المسرح في القرن العشرين. وكان معروفاً بأنه شاعر غنائي عاطفي، وقد أبدع في مسرحياته، فاشرأب قمةً شامخةً جال نجم تأثيرها المسرح العالمي، لما تنطوي عليه من أسلوب فني وموقف فكري، إذ بنى مسرحياته الدرامية (عرس الدم، بيت برناردا ألبا، يرما، روزيتا العانس.. وغيرها) على تحليل القضايا الاجتماعية الرئيسة، ووضعنا في جو (إسبانيا) آنذاك، كالثأر للدم، وجو العائلة القاسي والتقاليد البالية، كذلك مبادئ الشرف القوية والحب والموت، والتي تشكل تاريخاً يتحول بريشته إلى حقيقة تراجيدية أولوية، ناقلاً الصورة الواقعية بكل دقة.
وقد عرضت على خشبة مسرح قصر الثقافة السوري 2021م، إحدى المسرحيات بعنوان (نساء لوركا) ضمن أعمال المسرح القومي في مدينة (حمص)، أوصل خلالها المخرج والمسرحي السوري (حسين ناصر)، المعاناة التي عاشتها المرأة الإسبانية في ثلاثينات القرن الماضي، باحثةً عن الحرية، وما يماثلها من التقييد والتسلط الاجتماعي الذي أجهد المرأة العربية، ووضعها في دائرة الضعف والتعسف، وقد اعتمد العرض المسرحي على نماذج نسائية من نصوص لوركا المسرحية، وضعت ضمن أحد الأمرين، إما أن يتحطم منطق حياتها وتخضع لمن حولها، أو تتدمر شخصيتها وحياتها نتيجةً للتسلط والتقييد، فـ(أديلا) تنتحر، و(ماريانا بيينيدا) تعلق نفسها على حبل المشنقة، والعروس تنهار بعد موت عشيقها، وتعيش حياتها ضمن عذاب ولوم من المجتمع، والجدة (ماريا خوسيفا) تدخل دائرة الضياع وتخرج عن منطق امرأة في عمرها، وفي كل توليفة اعتمد المخرج على رمزين، وهما (القمر) و(الحصان)، لكن القمر هنا ليس دائماً الذي نعرفه، ما يجمع حوله أضواء الحب والسعادة، ففي عرس الدم يكون القمر شاهداً على إراقة الدماء، ويسهل للعريس الوصول إلى ليوناردو، وتنتهي حياتهما بقتال عنيف بينهما، كذلك (أديلا) التي أرادت من القمر أن يغيب، ليتمكن (بيدور) من الحضور إليها، فلا يراه أحد، أما الفرس فهي مستوحاة من مسرحية عرس الدم (فرس ليوناردو)، التي يمتطيها إلى بيت العروس (حبيبته)، ومن سماع صهيلها تعرف أن ليوناردو يحوم حول بيتها، وهي ذات الفرس التي هربا عليها. أما في مسرحية (ماريانا بيندا) فتكون الفرس رمز الحرية الذي يمتطيه (بيدور) ليحرر ماريانا. كذلك الحصان المسجون في الإسطبل، والذي يضرب بحوافره الأرض، يشير هو الآخر إلى الرغبات الدفينة والمكبوتة لبنات برناردا حبيسات المنزل، وفيه إشارة إلى اضطراب الصراع السيكولوجي النسائي، والتوق إلى الحرية.
يبدأ العرض بصوت أجراس وصهيل، وبقعة إضاءة على الفتاة التي تمثل الفرس، ثم حزمة إضاءة زرقاء على الفتى الذي يمثل القمر، فيظهر لوركا ويقول:
يا أجراس الفجر التي تقرع في غرناطة، إن العذارى يرقبنك وهن يسفحن الدمع على الشمس التي تلفها العتمة، إنهن عذارى إسبانيا، ذوات الأقدام الصغيرة، يا أجراس الفجر التي تقرع في غرناطة، إن العذارى يرقبنك.
ثم يقترب القمر من لوركا وينظر إليه نظرةً غامضة، وتتسع الإضاءة فنرى نساء لوركا على الأرض وقد غاب وجههن، فيقوم الفتى (القمر) والفتاة (الفرس) برقصة مشتركة، وكلما اقتربا من شخصية تنهض ويظهر وجهها، ثم يهمس اسمها برقة وعذوبة، وعندما تنهض النساء جميعهن، يجتمعن حول لوركا.
وبذلك تشرح مسرحية نساء لوركا الظلم والكبت الذي عصف بفتيات إسبانيا، فيرينا إحدى العائلات التي تضيق الخناق على بناتها، كالأم برناردا التي يموت زوجها -والد فتاة واحدة من بناتها- فتعلن الحداد، وتفرض قسوتها، فتمنعهن من الخروج، وتعاملهن بقسوة، حتى أنها كانت سبباً بمنعهن من الزواج، إذ اشترطت ألا يتقدم لهن إلا الأثرياء، لكن محصلة هذا الانغلاق هي خسارتها لابنتها منتحرةً في آخر مشهد من مسرحية لوركا (بيت برناردا ألبا)، وبذلك يضع المخرج لوحة من هذه المسرحية، وفيها إحدى عبارات بيرناردا التي تحمل طابعها ومواصفاتها فتقول:
لتعلمن جميعاً أن الحداد لدينا ثماني سنوات، ينبغي ألا يدخل خلالها من أبواب هذا المنزل ولا من نوافذه حتى الهواء، اعتبرن نوافذ هذا البيت مسدودة، لا مخرج منها ولا مدخل، وليس لأحد في هذا البيت أن يعمل إلا ما آمر أنا به، أما النساء فلا عمل لهن سوى خيط وإبرة.
وتكون ابنتها أديلا مستاءةً جداً من هذا الحداد، تعيش في حالة حب سرية، تتمنى أن تكون مخفية عن الأنظار لتخترق الجدران كالأشباح، وتراقبها أختها (مارتيرو) وهي تشعر بأن أختها تخفي شيئاً. ثم تعرض مقتطفات من مسرحية عرس الدم، التي يحصل فيها أن تنسحب العروس من عرسها، لأنها مجبرة على الدخول في هذا الزواج، وقلبها معلق بحبيبها (ليوناردو)، الذي يأتي إلى منزلها في يوم عرسها على فرسه، وحين تسمع العروس صهيل الفرس تغادر الزفاف، وتذهب إليه، فيخوضان في حوار مطول، ينتهي بموافقتها على الهروب معاً، لكن أهل العروس وغضب العريس يحولان عائقاً أمام ذلك، فيلحق العريس بهما، ثم يتعارك مع ليوناردو ويحتدم القتال إلى أن يقتلا بعضهما، وبذلك تقضي العروس بقية حياتها تلام من المجتمع، وتذوق ألوان الألم.
في اللوحة التالية تظهر (ماريانا بيندا) التي امتازت في مسرحيات لوركا بنزعتها إلى الحرية، وأراد جعلها أيقونةً إسبانية لا تنسى، وهي التي تضحي بحياتها في سبيل المثل والقيم العليا، كونها شخصية تاريخية دفعت ثمن تطلعاتها، تطرز الراية البيضاء، وعندما تسمع صهيل الجواد تهب مفزوعةً، فتقول:
- إنها الراية التي سيرفعها بيدور ورفاقه، في كل خيط في هذه الراية تهرب قطرات من دمي.
كذلك تستمر اللوحة التالية بتوضيح صورة آلام النساء، فيترك (ماريانا) تتكلم بحرية، كذلك الجدة -أم برناردا- التي كانت تحلم بالفتى القادم من البحر، ثم يخرج الغضب والتمرد من قلب أديلا، فتظهر قويةً لا تخشى شيئاً، تجاري الفتاة الفرس بحركتها، بينما برناردا تتابع ذلك.
وبذلك ينتهي هذا العرض المسرحي، الذي حاز على شهرة واسعة، وقد قدم كوكبةً من الممثلات الموهوبات، كذلك كان حضور الرجل جلياً من خلال الممثل ستيفان برشيني، واختتمت المسرحية باحتفالية يوم المسرح العالمي، التي أقامها فرع نقابة الفنانين في حمص، على خشبة قصر دار الثقافة في المدينة. ففكرة العناصر النسائية من مسرحيات لوركا، جعلت الجمهور يسافر بخياله في المسرحيات الثلاث للوركا، وهو الذي تفنن بإظهار هذه التراجيديا، وحقق غاية (رومان رولان) في خلق فن مسرحي منطلق من المسرح الشعبي الحقيقي، والذي ولدت منه الحياة المسرحية في ذلك القرن، وقد ربط مسرحياته بمفتاح انفعالي واحد، متحاشياً المشاهد المضحكة والكوميدية، ليكون إنتاجه المسرحي مادةً غزيرة غنيةً للمخرج ذي المخيلة الشاسعة، كما فعل المخرج حسين ناصر، من خلال هذا العرض المبهر، والذي جذب الحضور وأدهشهم، بل حفر في ذاكرتهم حقبةً كاملةً من صور معاناة الأنثى الإسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي.
حسين ناصر، كاتب ومخرج مسرحي، له أكثر من (18)عرضاً مسرحياً، حاز معظمها على جوائز محلية ودولية، وهو مدير ومخرج المسرح الجامعي في حمص منذ عام 2003، أسس فرقة المسرح الجامعي في مدينة حمص منذ تسعينات القرن الماضي، والتي شاركت بالعديد من المهرجانات الدولية منها: مهرجان المنستير للمسرح الجامعي في تونس، والذي ترشح لأفضل إخراج وأفضل ممثل عام 2003، وفي مهرجان طنجة الدولي للمسرح الجامعي بعرض (نساء لوركا)، كذلك ترشح لأفضل إخراج وأفضل ممثلة، ونال جائزة لجنة التحكيم عام 2010.