يظن من لا يعرف صناعة السينما، أن المنتج يعني الممول، أي الشخص الذي يمول الفيلم من ماله الخاص، حيث يدفع أجور الممثلين والعاملين وما يتطلبه تصوير الفيلم، والحقيقة أن المنتج يختلف عن الممول، فالمنتج في أحد أدواره أنه من يجلب التمويل اللازم لإنتاج الفيلم من مختلف الجهات، ويعمل معه عدد من الأشخاص، كالذي يضع الميزانية، والذي يدفع الأجور، والذي يدير موقع التصوير، والذي يبحث عن مواقع مناسبة ويتعاقد مع أصحابها، والذي يضع جدول مواعيد التصوير ويرسلها للممثلين... إلخ، فالمنتج بشكل أوضح هو المدير المالي والإداري للمشروع، ووظيفته أن يوفر الظروف المناسبة ليعمل المدير الفني للمشروع وهو المخرج.
يقول المخرج (محمد خان) في كتابه (مخرج على طريق): «في أغلب الحالات يفقد المخرج السينمائي 50 % من طاقته الإبداعية قبل أن يبدأ تصوير أول لقطة للفيلم، تلك الطاقة الضائعة تستنفد في كل شيء إلا الإبداع، الوحيد الذي يستطيع أن يخفف من تلك الأعباء الثانوية عن المخرج، ويمهد له مساحة أوسع للإبداع، هو المنتج الفني الحقيقي، وهو في وقتنا هذا عملة نادرة على ساحة السينما العربية ككل»، ولذلك يلقي هذا المسلسل الضوء على دور المنتج كما لم يظهر من قبل.
يتميز المخرج (فرانسيس فورد كوبولا)، بكونه صاحب المشاريع مستحيلة التنفيذ، فمثلاً فيلمه (القيامة الآن) بطولة (مارتن شين) و(مارلون براندو)، كانت كواليس صناعته حرباً حقيقية، وكأنها جزء لا يتجزأ من الحرب الأمريكية الفيتنامية التي تدور أحداث الفيلم خلالها، استحقت تلك الكواليس أن يصنع عنها فيلم تسجيلي بعنوان (قلب الظلام: سفر الرؤيا لصانع أفلام)، وهو الفيلم الذي أخرجته (إليانور كوبولا) زوجة المخرج بمعاونة آخرين، صدر بعد اثني عشر عاماً من عرض القيامة الآن، يجسد الفيلم الأهوال التي قابلت كوبولا وفريقه لصناعة فيلم يحقق رؤيته.
الفيلم أساساً مبني على رواية قصيرة بعنوان (قلب الظلام) للروائي البولندي البريطاني (جوزيف كونراد)، والتي تحكي عن رحلة قبطان سفينة عبر نهر الكونغو، بحثاً عن السيد (كورتز)، تاجر العاج الذي يعيش في عمق الغابة، والذي كان رجلاً متحضراً ويريد تنوير السكان البدائيين، إلا أنه أطلق للتوحش بداخله العنان وأصيب بالجنون، يبني كوبولا فيلمه على تلك الفكرة، بتحويلها إلى مهمة ضابط جيش أمريكي، مكلف بالبحث عن ضابط كبير ذهب إلى الحرب الفيتنامية، وبقي هناك وأصيب بالجنون.
الفكرة الأصلية كانت ستكون أول أفلام المخرج (أوسون ويلز)، وبالفعل بدأت التجهيزات للعمل، ولكن توقف كل شيء في مرحلة ما قبل الإنتاج، لأن التوقعات كلها ذهبت إلى أن عملاً كهذا لا يمكن السيطرة على ميزانيته، وبالفعل اتجه ويلز إلى صناعة تحفته (المواطن كين)، وظلت رواية قلب الظلام حلماً لأكثر من مخرج لم يستطع الاقتراب منها، من أمثال (جون فورد) و(ستانلي كوبريك).
ولكن بعد إخراج فرانسيس فورد كوبولا لثنائية (الأب الروحي) أصبح يملك ملايين الدولارات، التي ستساعده على تنفيذ العمل، الذي رفضته جميع أستوديوهات هوليود، اتجه كوبولا إلى تصوير الفيلم وهو مسكون بشكوك كبيرة وفكرة مرعبة، حول قدرته على تحقيق ما لم ينجح في تحقيقه أساطين السينما الكبار مع تلك الرواية، وهي فكرة كفيلة بأن تصيب أشد المخرجين ثقة واعتداداً بالنفس بالشك، إن لم يكن بالجنون.
رفض الجيش الأمريكي المعاونة في تصوير الفيلم، لأنه في حرب حقيقية ولا يعنيه أية أعمال فنية في تلك اللحظة، ولذلك اتجه كوبولا كمنتج ممول ومخرج الفيلم، إلى رئيس الفلبين في ذلك الوقت، والذي كان يدير حرباً مع المتمردين في جنوب البلاد، طلب منه فرانسيس مساعدة الجيش الفلبيني في مقابل تسديد النفقات كاملة، وبالفعل تم التصوير باستخدام الجنود والأسلحة العسكرية، ولكن وبسبب حرب المتمردين، كان يتم سحب طائرات الهليكوبتر أثناء التصوير، وإبدال الطيارين بآخرين غير مدربين، مما تسبب في إهدار عشرات الآلاف من الدولارات.
وبعد تصوير عدة أسابيع مع الممثل (هارفي كايتل) في بطولة العمل، تم استبداله بمارتي شين، ليكون أنسب لشخصية البطل، ولاحقاً أصيب شين بسبب ظروف التصوير النفسية واللوجستية بأزمة قلبية كبيرة، استدعت التصوير ببديل من الخلف لخمسة أسابيع، ثم جاء دور براندو ليرفض التصوير بجسده كاملاً لأنه ممتلئ الوزن، كما يرفض النص المكتوب ويصمم على الارتجال، كل ذلك في ظروف جوية دمرت مواقع التصوير بكاملها، وأعيد بناؤها مرة أخرى، مما جعل الصحافة تسخر من كوبولا الذي تجاوز مائتي يوم تصوير ولم يستطع إنهاءه، ولكن عادت وردت له اعتباره بعدما حصد السعفة الذهبية وجوائز الأوسكار والجولدن جلوب، إضافة إلى أرباح تجاوزت مئة وخمسين مليون دولار حول العالم.
حسناً، ماذا لو أخبرتك أنه على الرغم من كل ذلك، تظل كواليس تصوير فيلم (الأب الروحي) لا تقل صعوبة ومخاطرة، واستحقت هذه المرة أن يصنع عنها مسلسل كامل مكون من عشر حلقات! فقط تخيل أن تصور فيلماً عن المافيا، في مكان تسيطر عليه المافيا!
يتتبع (The Offer) تولي المنتج (ألبرت رودي) عملية إنتاج فيلم الأب الروحي، وسيكون هو بطل المسلسل، وهو ما استنكره البعض لأنهم توقعوا أن يكون كوبولا نفسه هو البطل، ذلك الاستنكار نابع من التعامل مع المخرجين من طينة فرانسيس بالذات، أنهم يتبعون مدرسة (المخرج المؤلف)، وأن جميع الأفلام التي صنعوها هي بالضرورة كانت من بنات أفكارهم، ولكن الواقع أن حتى مخرجاً بحجم (مارتن سكورسيزي) يرى أن فيلمه الخالد (الثور الهائج)، كان مشروع (روبرت دي نيرو) بالأساس، هو من قرر تمثيل الشخصية وهو من أقنع سكورسيزي بإخراجه.
ويقول في ذلك المخرج محمد خان عن نفس المصدر السابق: «الأب الروحي مثال لروعة الإخراج، ومن الطريف أن كوبولا لم يكن الاختيار الأول كمخرج للفيلم، وهذا يثبت أنه ليس من الضروري أن يكون المخرج المبدع هو صاحب الفكرة الأصلية التي تؤرقه مدى حياته قبل أن يحققها، وربما الفضل هنا يرجع إلى المنتج، الذي كان في رأيه أن فيلماً عن المافيا في أمريكا، في حاجة إلى مخرج من أصل إيطالي، ليستطيع أن يعطي الفيلم طعماً ولوناً مناسبين».
نعود إلى المنتج (آل رودي)، الذي كان حتى وقت توليه إنتاج الفيلم، مجرد شخص باع فكرة مسلسل لإحدى المحطات التلفزيونية، وقبلها كان يعمل موظفاً في إحدى الشركات، مما يعني أن خبرته في الإنتاج السينمائي صفرية، وهذا بالضبط هو الجزء المثير من العمل، فكيف سيتحرك شخص بتلك الخبرة المعدومة إلى إنتاج واحد من أعظم الأفلام في التاريخ، في ظل ظروف ضاغطة من المافيا؟
يستعرض السيناريو برشاقة ثلاثة خطوط درامية متوازية، سوف تمثل العوائق التي سوف تقف في طريق رودي، أولها وأهمها هو المافيا، البداية كانت مع الرواية التي كتبها (ماريو بوزو)، والتي استقبلتها المافيا بسخط وغضب، واعتبرت ماريو خائناً، من ناحية أفشى أسرار شعبه من المهاجرين الأمريكيين من أصل إيطالي، ومن ناحية أخرى شوه صورتهم وبالأحرى أكدها وهم يحاولون نفيها، وثالثاً أظهر تورط المطرب (فرانك سيناترا) مع تلك العصابات، وحجم الروابط التي تجمعهم، ودورهم في منحه الفرص الفنية ليتألق ويبزغ نجمه، وهو ما يهدد مصداقية فنه بالكامل ويجعله موضع مساءلة، ولذلك كان من الطبيعي مع خروج الأخبار حول نية هوليود بتحويل الرواية إلى فيلم، أن تكون ممانعة، وأن تسعى بكل قوتها لإيقاف التصوير، بالطبع فالمسلسل كعمل فني خيالي في المقام الأول وليس توثيقياً، لم يلتزم بحرفية الأحداث الحقيقية، وإنما عالج الموضوع درامياً بشكل يناسب مسلسلاً ذا عشر ساعات عرض، فنجد في ذلك الجزء الذي يخص المافيا، أنهم أرسلوا إلى رئيس قسم الإنتاج في أستوديوهات باراماونت (روبرت إيفانز) فأراً ميتاً وملفوفاً في غلاف الرواية إلى فراشه، في محاكاة لمشهد رأس الحصان الشهير في الفيلم، كما أنهم حطموا زجاج سيارة رودي، وكلا التصرفين كانا من باب التهديد والإنذار لإيقاف التصوير.
تعامُل رودي مع كل ذلك كمنتج يريد لفيلمه أن يُنفّذ، أنه اتجه إلى عضو كونجرس من أصل إيطالي ورفض التصوير، مما وضعه وجهاً لوجه أخيراً مع (جوزيف كولومبو) رجل المافيا القوي، الذي يأمر رودي بإيقاف التصوير، ولكن رودي يصل معه إلى تسوية تجعل المافيا توافق على التصوير بل ويتم التصوير تحت حمايتهم، وتنص التسوية على ألا تذكر كلمة (مافيا) أبداً داخل الفيلم، وأن يتقلص دور شخصية (جوني فونتين) في الأحداث، وهي الشخصية التي ترمز إلى فرانك سيناترا، فتواجدها في الرواية يصل إلى ثلث الأحداث بالكامل، بينما في المعالجة السينمائية لن يتجاوز ظهورها مشهدين، وهي الشخصية التي كان يخشى جميع الممثلين في البداية تأديتها خشية على حياتهم، وهكذا تم الاتفاق على إكمال التصوير، وبالطبع لم ينس المسلسل سرد الصراعات الداخلية داخل المافيا، والتي انتهت بمحاولة اغتيال كولومبو.
ثاني تلك العوائق هو العقلية التي تدير أستوديو باراماونت، والصراعات الداخلية بين كل من الرئيس التنفيذي للأستوديو (تشارلي بلوهدورن) ورئيس قسم الإنتاج (روبرت إيفانز) والمدير المالي (باري لابيدوس)، والأخير شخصية خيالية أضيفت للضرورات الدرامية، ومحاولة رودي في المفاوضات مع ثلاثتهم للحصول على ما يريد لصالح الفيلم، لابيدوس كان يريد تخفيض الميزانية إلى أقصى حد ممكن، وألا يتم التصوير لا في نيويورك ولا في صقلية، فتلك مصروفات زائدة يمكن التخلي عنها ويتم التصوير في الفناء الخلفي للأستوديو، بينما رأى بلوهدورن أن الفيلم في حاجة إلى اسم ممثل محبوب وسهل في التعامل، وليس إلى شخص مزعج كبراندو، في حين أن إيفانز حارب وجود (آل باتشينو) بكل قوته، وهكذا ظل رودي يتلقى طلبات كوبولا، ويدخل في نزاعات مع رؤسائه ليحقق للمخرج رؤيته كما يتمنى، كل ذلك في ظل أزمة مالية طاحنة تضرب باراماونت، وتصبح مسألة بيعها في طور المفاوضات.
العائق الثالث أمام رودي كان التحديات الإبداعية واللوجستية التي تقابل أي منتج، مثل إقناع كاتب الرواية أنه أفضل من يكتب لها السيناريو، لأنه هو من خلق ذلك العالم الخيالي ويستطيع سرده إلى الصورة السينمائية، ثم مساعدة ذلك الكاتب في التخلص من قفلة الكتابة التي يعاني منها، وفي حالة بوزو الحرص على صحته بسبب إدمانه الحلويات رغم مرضه، ثم جلب سيناريست ومخرج متمكن مثل كوبولا ليساعده على كتابة السيناريو من ناحية، ويتولى إدارة المشروع فنياً من الناحية الأخرى، والتوفيق بينه وبين مدير التصوير الذي يريد أن يجعل الممثلين يقفون عند علامات معينة، بينما يريد المخرج أن يوفر لهم حرية الحركة، حتى لو أثرت على المستوى الجمالي للصورة، والتصرف في إيجاد ممثل بديل لممثل آخر توفي ولا يمكن إعادة تصوير مشاهده، تلك النوعية من المشاكل التي لو سألت عنها أي منتج لسرد لك منها قصصاً لا تنتهي.