في عام 2019، صدر الفيلم الأيرلندي (البروفيسور والرجل المجنون) (The professor and the madman)، من ﺇﺧﺮاﺝ: (فارهاد صافينيا)، تحت اسم مستعار P. B. Shemran، وﺗﺄﻟﻴﻒ: (جون بورمان)، و(تود كومارنيكي)، وطاقم عمله: (ميل جيبسون)، و(شون بين)، و(ناتالي دوريمر)، و(جينيفر إيهيل)، و(جيرمي إيرفين)، و(لوان جرفورد).. وغيرهم. وتستند قصته إلى رواية من (الكتب الأكثر مبيعاً) وهو: (جراح كروثورن) (The Surgeon of Crowthorne) للكاتب والصحفي البريطاني (سيمون وينشستر). اشترى الممثل الشهير (ميل جيبسون) حقوق الكتاب عام 1999، لكن الأمر استغرق نحو عقدين من الزمن لعرض هذه القصة المذهلة على الشاشة الكبيرة.
تبدأ مشاهد الفيلم ومدته 124 دقيقة بمطاردة في شوارع مظلمة، المُطَارَد يحاول الوصول إلى منزله، لكن مُطَارِدَه يلحق به على باب منزله، ويرديه قتيلاً أمام زوجته. وفي جلسة المحاكمة يتم التعرف على هوية القاتل فهو د.وليام مينور، الجرّاح في جيش الاتحاد الأمريكي، الهارب من مذابح الحرب الأهلية الأمريكية ليجد نفسه في فيكتوريا/ لندن. ونتيجة لما عاينه من فظائع شارك في بعضها يصاب الرجل بـ(اضطراب ما بعد الصدمات، والبارانويا، وجنون الاضطهاد). وفي إحدى نوباته يتعقب الرجل الخطأ وينهي حياته. لذلك يحكم عليه بالاحتجاز في مصحة عقلية ونفسية لعدم اتزان عقله وتفكيره.
وعلى جانب آخر يعرض الفيلم لسيرة ذاتية يؤرّخ فيها قصة الأستاذ اللغوي السير (جيمس موراي) (1837 - 1915) الذي أسند إليه عام 1857م إنجاز نسخة أولى من قاموس (أكسفورد) الإنجليزي الشهير، بعد أن أوشك المشروع على الفشل. ورأى (موراي) أن المشاركة الشعبية عبر إرسال الرسائل المتضمنة للكلمات والمفردات وشرح معانيها المتباينة وأصول تاريخها إلى فريق العمل؛ سيكون هو السبيل الأفضل لإنقاذ المشروع الضخم من الانهيار. ليس لدى (موراي) شهادات أكاديمية مرموقة، فترك دراسته في الرابعة عشرة من عمرهِ لعدم تمكن والده من دفع تكاليف الدراسة، إلا إنه استمر بالتعلم تعلماً ذاتياً مثابراً فيه حتى صار مثقفاً موسوعياً، وعالماً لغوياً فذاً يجيد بجانب لغته الأم العديد من اللغات الأخرى (اللاتينية والفرنسية والإيطالية والعربية والآرامية والبرتغالية والروسية). وهو ما أهله لتلك الوظيفة التي ستثير حسد علماء (أكسفورد) الذين سيحاولون بشكل أو بآخر عرقلة جهوده وإفشالها، حسداً وحقداً.
ويتعاطف السجّان (مونسي) مع دكتور (مينور) الذي أنقذ حياة أحد الحراس ببتر ساقه عند سقوط البوابة الحديدية عليها. ويحاول السجان مساعدته، فيذهب لمنزل أرملة القتيل لأكثر من مرة محاولاً إقناعها بقبول معاش (مينور) الشهري لصالحها وأطفالها الستة المُعوزين. ثم يدبر أمر لقاء بين الأرملة وبين د.مينور ليخفف عنه ما ينتابه من شعور مرير بالذنب، وتأنيب الضمير، والمسؤولية نحو الأسرة المكلومة. فترفض المرأة هذه الطلبات، لكنها تخضع أمام ثقل الفقر والحاجة، ومن ثم عبر عدة زيارات له تتعرف إلى شخصيته أكثر، ليتضح لها نبل أخلاقه، ورغبته في تعليمها القراءة والكتابة ومحو أمّيّتها، لتمحو بدورها أمّيّة أطفالها. يقول (ويليام) لـ(إيليزا): (دعيني أعلمك القراءة (...) أستطيع الطيران من هذا المكان على ظهور الكتب، لقد وصلت إلى نهاية العالم على أجنحة الكلمات، عندما أقرأ لا أحد يلاحقني، عندما أقرأ أكون أنا من يطارد، أطارد درب الرب، أرجوكِ، أتوسل إليكِ، انضمي للمطاردة). وتتطور العلاقة العاطفية بينهما! لتأخذ اللقاءات منحى آخر حين تصل إلى د.ويليام رسالة من زوجة القتيل تصارحه خلالها بحبها له، مما يوقظ داخله مزيداً من تأنيب النفس وجلدها، فالطبيب المريض يعتقد أنه لا يستحق الحب ولا يصلح له، وأنه بذلك يقتل القتيل مرتين: سلبه في الأولى حياته، وفي الثانية زوجته.
ومازال موراي مُنكباً على المهمّة الأثقل من بين كل المشاريع اللغويّة، (للمزيد راجع: د.ناصر أحمد سنة: (صناعة المعاجم.. مناجم اللغة، ومنابع الثقافة)، المجلة العربية: العدد (507)، ديسمبر 2018، ص: 92-96، السعودية)، وعلى تجميع مفردات قاموسه كأضخم مشروع لحفظ اللغة الإنجليزية وصونها من الانزياحات اللغوية. ويجتمع مصيره مع مصير مينور، وتقوم بين الرجلين صداقة متينة على شرف العلم وحفظه. بعدما بدأ مينور تطوعياً من محبسه في مصحة برودمور Broadmoor العقلية الجنائية؛ في إرسال مساهماته العلمية الدقيقة التي ستصل إلى عشرة آلاف كلمة بجذورها وأصولها واستخداماتها ومنشئها وشواهد صحة استدلالاته عليها في اللهجات الإنجليزية المختلفة، وبعد اللقاء الأول بين موراي ومينور؛ تنشأ بينهما علاقة صداقة وطيدة، ويستمر مينور في العمل على حل المعضلات التي تواجه فريق العمل في القاموس. ويعيش المتفرج مشاهداً تفاعلية تعاونية بين (العبقري) و(المجنون)، لإنتاج واحد من أهم مكتسبات القرنين العشرين والواحد والعشرين. لكن مينور يعرب لصديقه موراي عبر رسائله عن ضعف قدرته على الصمود، أمام ما يعانيه من آلام نفسية رهيبة، فيسعى موراي من خلال زياراته المتكررة له في محبسه إلى إخراجه من حالة اليأس التام التي وقع فيها.
الترحيل إلى بلده
في مقدمة المجلد الأول من القاموس؛ قدم موراي الشكر لـمينور على جهوده الإنقاذية لمشروع القاموس. لكن يُستغل أمرُ إسهامِ (قاتلٍ مختلٍ عقلياً) في إنجاز القاموس، بصورة انتقامية من جانب علماء (أكسفورد) الناقمين على موراي، ما يدفعه إلى مواصلة التحدي، وتبرئة ساحته والحصول على ثقة المسؤولين عن المشروع بعد تلك الهزة الشديدة التي أحدثتها تلك الوشاية. وبالرغم من ذلك فإن مجلس الجامعة منحه درجة (الدكتوراه الفخرية). وتتصاعد الأحداث، وتضع البروفيسور ومستقبله العلمي وصداقته على المحك، وعليه أن يختار، لكنّ اختياراً واحداً صائباً يفتح الباب على الكثير من الخيارات المحمودة العاقبة، والعكس بالعكس. فقرر تقديم استقالته من عملهِ على تأليف القاموس، لكنه عاد بطلب من الجامعة لإكمال عمله في إنجاز القاموس باثني عشر مجلداً، ومنحته الملكة لقب (فارس/سير) تثميناً لجهوده.
بينما تسوء حالة مينور في مركز الحجز، ويرفض الزيارات، ويرضى بالعقاب، ويطلبه لإسكات عذاب ضميره. فيندفع موراي للتدخل والسعي لإطلاق سراحه في سبيل إنقاذ حياته، وبقايا عقله. وفي النهاية يفلح في استصدار قرار من رئيس الوزراء بإعادة دكتور مينور إلى الولايات المتحدة بوصفه شخصاً غير مرغوب في بقائه بإنجلترا. بعد رحيل دكتور مينور يواصل موراي العمل بكفاءة ونجاح، حتى يُنجز الأجزاء التي كُلِّف بإنجازها من القاموس الذي استمر العمل فيه نحو سبعة عقود قبل أن يُنجز بشكل نهائي.
وقفات فنية
أعيد استحضار وتصوير (لندن الفيكتورية) بواقعية جميلة وبراعة فائقة، ونجح المخرج الإيراني (فرهاد سافينيا) في إدراك الأجواء الخاصة بتلك الفترة الزمنية، وإن بدا التباين واضحاً بين المشاهد الداخلية والخارجية، بسبب الصورة الضبابية التي غلفت معظم المشاهد الخارجية، لإضفاء الأجواء التاريخية لحقبة القرن التاسع عشر في إنجلترا. كذلك كانت الملابس في الفيلم على درجة كبيرة من الإتقان والملاءمة، مع الديكورات وأجواء الاجتماعات، والموسيقى التصويرية الرائعة للفنان (بير ماكريري). ولعب الفنان (ميل جبسون) دور العالم (جيمس موراي) باقتدار فاستعاد أمجاده التمثيلية. وجاء أداؤه منضبطاً ومتناسباً مع الشخصية الرصينة. أما الممثل (شين بين) فقد تألق بشكل لافت في أداء شخصية (الجانب المظلم) من الفيلم، وهو مأساة دكتور (مينور). فكان من نقاط قوة العمل، ويرجع ذلك لبراعة (شين بين) في أداء الدور، وتمكنه البارع عبر لغة الجسد والوجه، والاختلاجات والاضطرابات التي تنتابه، والجمل والعبارات والأفكار المُعبّرة عن شخصية مركبة فيّاضة بالمشاعر الإنسانية. فهو جراح ماهر، ومثقف باهر، ومحارب قديم محطم بروح معذبة يائسة واقعة في أسر الهلاوس (البصرية والسمعية). واستطاع (بين) الوصول إلى حد إبهار المشاهدين في العديد من مشاهد الشريط، حين كانت تنتاب (مينور) نوبات اليأس القاتل مع الشعور بالذنب، وانعدام أمل الخلاص، وبخاصة بعد تفاقم إحساسه بحجم الجرم المُرتكب بميله عاطفياً لأرملة القتيل، وقد أدت دورها بتميز واضح وأداء عميق الممثلة (ناتالي دوريمر). مع عودة الأضواء إلى نجوم (هوليوود) المشاركين بالعمل.
وقُيم هذا العمل ب 7.3 من أصل 10 نقاط على موقع IMDB، لنقد وتقييم الأعمال الدرامية والسينمائية. ورأى بعض النقاد أنه: (يؤخذ على العمل إقحام بعض مشاهد حوارية بين (موراي) وأبنائه، فهي ليست على مستوى ضخامة العمل الذي يعكف عليه الأب. كما بدا إظهار النزعة الدينية لدى الأب مفتعلاً في أكثر من مشهد، لكن ذلك لا ينتقص من جودة العمل. وربما كان من الأفضل الإكثار في إبراز بعض الجوانب اللغوية بشكل أدق وأعمق بوصف الفيلم يتناول قصة اللغة، ووضع أشهر قواميس العالم، فللغة حساسية خاصة في التعامل مع مفرداتها، وشرح معانيها، واستخداماتها واستعمالاتها في التعبير عن الأفكار والمشاعر، وعن الحياة والهوية. ومن المعروف أن لـ(ميل جبسون) بصمات واضحة على العمل، حيث يقول: (بعد عملي على نفس الفيلم أكثر من 20 عاماً، بدأت أشعر أنه ابني، وبدأت تصويره في سبتمبر 2016، ورغم أنني أمتلك حقوق ملكية الرواية منذ التسعينات، لكن تأجل العمل على هذا المشروع شديد الخصوصية بسبب انشغالي في مشاريع أخرى). وأثناء تصوير الفيلم دب خلاف بين المخرج و(جبسون) من جهة، وشركة Voltage المنتجة من جهة أخرى. وتتمثل أهم نقاط الاختلاف بينه وبين شركة الإنتاج في تصوير الفيلم في جامعة صغيرة في (أيرلندا)، بدلاً من تصوير إضافي في جامعة (أكسفورد) ببريطانيا، حيث دارت معظم أحداث الفيلم الحقيقية. لكن رئيس شركة الإنتاج (نيكولاس كارتير) دافع عن نفسه وشركته، بقوله: (تصوير الفيلم في أكسفورد، كان سيكلف الشركة 2.5 مليون دولاراً إضافياً، في الوقت الذي تجاوزنا فيه الميزانية المحددة). تطور الأمر لنزاع قضائي حُسم لصالح الشركة. مما جعل (جبسون) يقاطع الفيلم، لعدم رضاه عن صورته النهائية.