تجذبنا الفنانة التشكيلية التي درست الفن في جامعة تورنتو الكندية (بونيتا سيلفر) (Bonita Silver) نحو جيومترية بصرية فيزيائية في معطياتها الانعكاسية لما لها من أهمية في تجسيد لكل فعل رد فعل يسمح بتوليد الشعور بقيمة الفن والعمارة بشكل عام، وبمنطق الجذب والسقوط والارتفاع كجوهر متغير يحتل فيه المكان والزمان بُعداً افتراضياً، باختصار هي رؤية فنية لا يمكن إلا أن تضعنا أمام المقاييس الهندسية الناتجة عن معادلات هي في غالبيتها تفضي إلى ترجمة قوة الشكل الهرمي هندسياً في الفن التشكيلي المثير برموزه الفيزيائية والمرتبط بتشابك العلاقات التي تخضع لتأثير الضوء إذا جاز التعبير ولمفهوم البنائية. أو الأصح لرؤية مستقبلية في الفن تحمل في طياتها العديد من المعادلات في تحليل أبعاد الأهرامات المصرية وفيزيائيتها والسمة الموضوعية في حقيقة التوليف بينها، وبين الأشكال المتألفة من خطوط قائمة على نقاط أساسية لا يمكن تجاهلها لتؤكد أن كل شكل معقد يتكون من عدة أبعاد هي في الأساس تهدف إلى التشكيل والتحليل لوجود رياضي.
إذ تنشئ الفنانة (بونيتا سيلفر) الأسس الجيومترية في رسومات تصنفها إهرامية مستمدة من الآثار المصرية وعلوم الهندسة البصرية الخفية بين نقاط ضوئية مدروسة بدقة شديدة لا متناهية، وهي قادرة على التأليف الجيومتري المرتبط بالمفاهيم الفيزيائية في النحت الثنائي الأبعاد، والثلاثي الأبعاد، وغيره مما يتمثل في قواعد ثابتة يمكن لها أن تتغير طبقاً للمعادلات المبنية على مساحة معينة. أو حتى عبر الفضاءات المتحركة أكثر من الثابتة. إذ تميل الخطوط في رسوماتها إلى ربط كل ما هو متخيل بالكون بشكل عام. وبثوابت العالم الأرضي الذي يتطور جيولوجيا، فتتغير المقاييس فيه تبعاً للعصور القديمة والحديثة مرة بعد أخرى. فتؤلف من المقاييس الجيومترية هندسات فرعونية إن صح التعبير بمعنى النظام الكوني الموحد جيومترياً، والمتآلف مع الفيزياء ونظريات التغير والتغيير في الأمور الثانوية التي من شأنها خلق خوارزميات نشهد من خلالها على التطور الهندسي بتفاصيله الهيكلية والإدراك التمثيلي للأفقي والعامودي المنبثق من انعكاسات الألوان كالأسود والأبيض قبل الألوان الأخرى. فما قدمته (بونيتا سيلفر) في مجموعاتها الفنية أو الهندسية بمعناها الواسع هي مفاهيم بناء بصري يمكن اعتباره إحدى القوى الرئيسة لمفهوم البناء الفرعوني حيث نشأت الأهرامات بأبعادها المتحركة، ولكن في العصر الحديث أو الأحرى العصر الذي تتبنى فيه (بونيتا سيلفىر) قوة الجيومترية في التتابع والتكاثر والتماسك، وحتى التلاشي في فضاءات ترتكز على نقاط هندسية متينة، وهي بالنسبة لها تعني نظاماً فلسفياً فيزيائياً تتعرى من خلاله التوليفات الفريدة في الأشكال بين دائرة ومربع ومثلث وسداسي ومعين وغير ذلك، ما يجعلنا نعيد التفكير في العصور كافة.وبقوة الأفلاطونيات في المفاهيم الهندسية. وبالتالي فإن عمل (بونيتا سيلفر) هو رؤية هندسية نابعة من الرسومات الفرعونية، وأخرى الكونية غير المعروفة بشكلها المادي، وإنما معروفة على صعيد الكونيات والجاذبية وقوة النقاط التي يمكن من خلالها إنشاء عدة خطوط لكل منها إيقاعات مختزلة، وترجمات فيزيائية ناتجة من حركة الخطوط وموازنتها مع الخطوط الوهمية في مجموعات أخرى تطلق عليها اسم (التركواز) أو الفعلي بمعنى الانعكاسات اللونية، وما ينتج عنها فيزيائياً من اختلاط اللون التركوازي مع الضوء، لتتشكل الخطوط في مقاطع تسبح وفق خطوط غير مرئية، كأنها تعيد اللحظة التي تتشكل فيها الأزمنة العابرة في فن العمارة من هندسيات فرعونية إلى هندسيات مختلفة تتآخى مع الأهرامات وغيرها. فهل تتلاءم التقاربات الهندسية بين مجموعاتها من الأهرامات وصولاً للتركواز وغيرها؟ أم هي هندسيات ذات سياقات جمالية مختلفة تندرج تحت مصنفات الرسم الهندسي وارتباطه بالخوارزميات، وبالأفكار الجيومترية وحساسيتها التي تتجاوز الحدود الواقعية، وترتفع بصرمة نحو فضاءات مختلفة على سبيل المثال الرموز المشبعة بخطوط هندسية في القطع الأثرية التي تمر عبر ضوئيات ترمّزها بلغتها الخاصة؟
تتنامى الخطوط في رسومات الفنانة (بونيتا سيلفر) المرتبطة بالتطوير البصري الفعلي في الشكل الهندسي، ومعنى كل خط يحتفظ بأبعاد تتشكل من خلالها القيمة التأملية لفرض نوع من الاستبصار التأويلي، وكأنها تضع الأسس لنظريات معمارية نستكشف من خلالها المفاهيم التي استنتجتها من الخطوط المختلفة في كل قطعة اثرية تراها، لتعيد الشرارة الأولى التي انبلجت عنها الفكرة النحتية، وإن كانت في لوحاتها ترسم من النماذج ما يمكننا من خلاله إدراك التأثيرات لخلايا نحتية تتكاثر من خلال الخطوط الوهمية قبل تلك التي تكتنز على أسرار الطول والعرض والارتفاع، وحتى الوزن في فراغات تمدها بنظريات مختلفة لتنافس ذاتها، وتثير جدليات متعددة تنبث من الفن الذي نحتاج من خلاله إلى إعادة تكوين المفاهيم الجمالية في فن الأهرامات تحديداً الذي تشكل بداية واستند على قوة محاكاة الأزمنة بشكل جيومتري فيزيائي تتفاعل معه التوازنات الكونية من كواكب وغيرها. لتتعايش مع معادلاتها في لوحات تحاول من خلالها فك أسرار المنحوتات المصرية من خلال إعادة تكوين الخطوط بميزة أساسية تتمسك بها، إذ تشكل كل لوحة من لوحاتها معادلات بصرية تجذب البصر نحوها، وكأنها تشكل عدة تحديات فنية ومعمارية إن صح القول. فالفكرة الهندسية هي مقاييس نسبية مدروسة نسبياً ومفتوحة على فكرة التأملات الغارقة بأسرار الكون ولا محدوديته، والنتائج المرتبطة من ولادة كل خط. فلكل خط مسار وإن انقسم إلى اشكال واتجاهات مختلفة، إذ يمكن أن يتشكل تباعاً للحس الكوني أو بشكل أدق للحس الوجودي بشكل عام، وكأنها تريد التأكيد على أن فن الأهرامات يتجدد تلقائياً عبر الأزمنة، لأنه نابع من حركة فيزيائية لخطوط تم وضعها بشكل غير مرئي يتولد منها الرموز المختلفة التي تسمح بالكثير من الاستنتاجات الفيزيائية والأخرى الهندسية، ولا تستبعد بمجموعتها الأخرى المسماة (تركواز) الألوان وأهمية انعكاساتها لم يتشكل من خلالها من خوارزميات أيضاً تنبع من الضوء والظل أو الأحرى من خطوط الضوء الذي يخترق الألوان بفن ينمو كلما أمعنا النظر في تفاصيله. فهل المعادلات الجيومترية في رسوماتها يمكن أن تكون منحوتات مستقبلية تحمل الكثير من الحداثة التي يتشكل عنها نظريات أخرى؟ أم أنها ترى بصمة الجمال من المعايير الهندسية في رموز فرعونية؟ وهل تطغى الخطوط على ما تعكسه من شفافية في التوازن بين الأشكال والخطوط والفضاءات المتحررة من كل ما هو ثابت في النظريات الهندسية؟
ترتبط الحركة في لوحات (بونيتا سيلفر) بشكل أكثر تحديداً بديناميكيات الوظائف الحيوية للأشكال من الناحية الجيومترية، وضمن مزيج من منظورات دقيقة تقوم عليها الخطوط التي تحرك مستويات الإدراك الفعلي للربط بين القيم الفنية والجيومترية وطبيعتها من حيث إبراز أهدافها المتناقضة بما هو بعيد وقريب وقوة الجذب بينهما، لتبرير القوة الهندسية الملموسة في الدوائر خاصة أو تلك التي تعتمد على نمذجة نظامية في التشكيل الذي تصاحبه رؤية نحتية الأبعاد، بمعنى قوة المعالجات الهندسية القادرة على إيجاد تصميمات هي لوحات، وفي نفس الوقت هي رسومات جمالية يتناغم معها البصر، ويستلذ بها الفكر لما تحتويه من تناقضات لواقع الرسم الجيومتري، ومتداخلاته المشبعة ببعض الالتزامات التي تفرض نفسها على الحركات الأخرى الملموسة ضمن الفضاءات المفتوحة على المعنى الإيحائي الذي نجده في الآثار غالباً. فالرموز في الآثار المصرية تحديداً تعتمد على الخط وقوته، وبشكل أصح على النقاط التي تتشكل منها الخطوط، والتي يمكن من خلالها تأليف شبكة بصرية في مساحات تتشكل تخيلياً بمعنى المرونة التي تصاحب الأشكال، ومؤثرات الألوان التي تستخدمها فيما بعد. لتحاكي كيميائيات الألوان وتربطها بانعكاسات الخطوط الناتجة عنها من خلال الخط والشكل، وبهذا هي تشكل مقطوعات هندسية يمكنها أن تصبح فيما بعد رسومات لبناءات خيالية حديثة تتماشى مع العصور كافة، وإن بدت في ذلك نوعاً من الرسم الهندسي الجيومتري الأبعاد. إلا أنها تفك شيفرة الرموز فيما تراه من خلال ما ترسمه في لوحات تشير السمات الهندسية الفاعلة في جوهرية الخصائص التي نراها في النقوش والآثار القديمة. فهل تتشكل الأفكار سواء كانت الرسومات الهندسية ذات توليف مدروس أو توليف مخطط له لتوضيح فهم الفكرة التي انطلقت منها بونيتا سيلفر في رسوماتها؟ أم أن إحساسها القوي بالفن الهندسي تحديداً ينم عن قوة التحديث المستقبلي في كل شكل هندسي نراه؟