يبدأ التوثيق التاريخي للقصة بكلمة (سَفَر برلِك) التي تعني عند الأتراك في زمن حكمهم النفير العام للجهاد، وعند أهالي المدينة المنورة والحجاز الحرب عليهم من الأتراك بما فيه من ترحيل قسري لهم إلى بلاد الشام، أما أهل الشام ولبنان فالتجنيد الإجباري لجماعات من الشباب والفلاحين وتسجيلهم ضمن الجيش التركي، للزج بهم في جحيم الحرب، وعلى هذا المفهوم أُنتج فيلم لبناني بالاسم نفسه سنة 1966م من بطولة فيروز، ومحوره الرئيس ما فعله الأتراك من قطع للقمح عن لبنان بقصد التخضيع والقمع.
وعليه فـ(سَفَر برلِك) هو المسلسل العربي التاريخي الأبرز في رمضان 1444هـ، وهو يستعرض مرحلة الحرب العالمية الأولى وانعكاساتها على الجزيرة العربية على نحو خاص، وما حدث خلالها من دخول الأتراك حليفاً لألمانيا، ثم إعلان النفير العام، وهي مرحلة كبيسة من التاريخ العربي، إذ مارس الأتراك فيها أشد أنواع الظلم والقمع والاستنزاف -ولم يكتفوا بذلك- بل ارتكبوا الجرائم والمجازر والاستباحة. والمدينة المنورة حينها ما كانت إلا ورقة مهمة لكسب العاطفة الدينية، وعندما ازداد قلق المحافظة عليها أرسل وزير الحربية أنور باشا ووالي الشام جمال باشا فيلقاً بقيادة وكيل والي الشام فخري باشا بهدف تعزيز دفاعاتها. ومن أبرز الحوادث التاريخية لهذه المرحلة في تاريخ المدينة المنورة: حال أهل المدينة في عهد الأتراك والظلم الذي وقع عليهم من استغلال لشبابها، وتهجير قسري لم يسلم منه أحد يحكي إلى اليوم حكاية مأساة مؤلمة، ثم أحداث سرقة محتويات الحجرة الشريفة، ثم انتهت المرحلة بقيام الثورة العربية وطرد الأتراك.
والعمل توثيق تاريخي بصبغة درامية ابتداء بمشهد قتل (العم عقيل المدايني) على يد الأتراك في المدينة المنورة أمام جموع الناس ومن بينهم ابن أخيه (رضوان) عندما كان طفلاً، وهي شخصية بطولية حفرت مشهد قتل عمّه في ذاكرته ووجدانه، فصنعت منه مناضلاً يسعى للثأر، فينفذ خططه خفية مع من انضم إليه من شباب المدينة إلى أن يكشف أمره ويموت بطريقة مشابهة لموت عمه، فاختزلت تلك الذكرى حياته كأنما كان يركض إليها!
أما تنقلات شخصية البطل الرئيس (عبدالرحمن) في العمل من مرحلة السلام والانكفاء إلى الإدراك والمواجهة مثيرة للاهتمام، فشخصيته عكس أخيه (رضوان) تماماً بل إنه في حالة اختلاف دائم معه وتصادم مستمر، فهو يرفض الدخول في أي نقاش سياسي حتى ألقت به ظروف الظلم والقمع والتعدي إلى النقيض، فتأخذ شخصيته منحى مختلفاً يواجه فيها حقيقة أن الدفاع والنضال والمقاومة شكل من أشكال العبور الإنساني إلى كينونة الذات البشرية الحرة. والحدث المحوري الدافع لانتقاله من شخصية المسالم إلى شخصية المدافع/المناضل هو موت رفيقه (جلال). وفي هذا السياق فقد كان انتقاء شخصيات الأصدقاء الخمسة: (جلال)، (عبدالرحمن)، (يحيى)، (فريد)، (فايز) يتسق مع القصة والحبكة الدرامية وخصوصاً شخصية جلال التي لفتت النظر منذ عرض الإعلان الترويجي للعمل على الشاشة، ولكن للأسف لم يستمر (جلال) ولم نتشبع من ذلك الأداء الرائع، ففقدنا الشخصية بموتها قتلاً في الحلقة الثانية!
أما شخصية (فايز) فهي شخصية لئيمة متعالية، لها دور في الكيد لأصدقائه بإرسالهم إلى الحرب في القوقاز، ومع هذا فإنه يقع تحت وطأة الاستغلال من الأتراك ويفقد بوصلته معهم إلى أن تنتشله الصدفة من ذلك لاحقاً! وفي رحلة الذهاب للقوقاز في حلقة (أرض الموت) يقود اليأس (عبدالرحمن) ثم الاستسلام للتفكير بالانتحار، فلم تكن الرحلة إلا عبوراً للموت من شدة صعوبتها، وفي لحظة إخراج مسدسه يمسك به (فريد) فيتلقى الرصاصة عنه، وهذا المشهد يحث المتلقي على الاستغراق في حالة الحزن مع طرح الكثير من الأسئلة الوجودية التي تحْمل روحَ المسؤولية البشرية في تحديد مصير لا إنساني لواقع لا إنساني/الحرب، وهنا مدى ازدياد المآسي والأسى الفعلي في علاقة طردية، فبازديادهما تزيد احتمالية فكرة عدم إكمال الحياة على هذا النحو، فأحياناً يتمنى المرء الموت ولكنه لا يستطيع الخلاص الحقيقي من المعاناة، فيؤدي ذلك إلى أسى أكبر باستجلاب الأمر لتنفيذه! ثم يفاجئنا (عبدالرحمن) بعد ذلك بخوض الحرب بعد رحلة من التردد والإنكار في حوار ينطلق من فلسفة الموقف مع (يحيى) تمثّل في مشهد عميق جداً يحمل معنى أن تكون أو لا تكون! فيقول عبدالرحمن: (أنا ما راح أقتل أحد ولا بغدر بأحد) ليرد عليه يحيى: (بدنا نعيش).
ومع هذه الجلبة والأحداث الكبيرة إلا أن العمل لم يخلُ من قصص الغرام لتعزيز عملية التلقي والابتعاد به عن جفاف التاريخ فشاهدنا: (عبدالرحمن وهند)، (يحيى وسمر)، (فريد ومي) في قصص مليئة بالحب والتضحية، والتهجير والفقد، والمأساة والبطولة، والظلم والأمل، والتضحية والاستقلال، والفراق والتلاق، وكلها قصص كرّست معنى الحب في زمن الحرب وأن الحياة لا بد أن تستمر بحلوها ومرها.
وأخيراً، فإن تجسيد العمل في عشرين حلقة مترابطة أثرى الأحداث بعيداً عن الحشو، وبدا التكثيف من العنونة لكل حلقة: (ضيوف قتلة)، (الغيوم السوداء)، (سرقة التاريخ)، (فجر جديد) إلى آخره. ومن ضمن المتعة الحقيقية في هذا العمل رؤية شخصيات تاريخية -عربية وأجنبية- بتجسيد دقيق وتفاصيل عميقة، وهو تشخيص اتصل بممثلين أدّوا العمل على نحو رائع، يعكس روح المخرج حاتم علي -الذي أعدّ له ولم يتمه- بكل ما فيه من تفاصيل مبهرة، وخصوصاً درامية مشهد الختام بطرد الأتراك وانتصار أهل المدينة المنورة.