مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

severance.. هل تضحى بنصف ذاكرتك لتتخلص من آلامك؟

هل سبق لك أن ذهبت للعمل وأنت تحمل معك همومك الشخصية من المنزل، وهو ما أثر بالسلب على تركيزك وكفاءتك في تأدية وظيفتك؟ وعلى الجانب الآخر، هل عدت يوماً لبيتك وذهنك مشغول بمشكلة حدثت في ساعات العمل، مما خصم من اهتمامك ورعايتك لأفراد أسرتك؟ لا بد أنك مررت بشيء كهذا من قبل، وربما طالبك مديرك أو زوجتك أن تترك هموم العالم الآخر من حياتك عند عتبة باب العمل/المنزل، هل تمنيت لو كانت لديك أداة سحرية تجعلك تنسى نصف يومك النهاري أو الليلي لتصب تركيزك على النصف الذي توجد فيه؟ حسناً، هذه هي بالضبط فكرة المسلسل، حيث نتابع إحدى الجهات التي تدعى (لومون)، ولا نعرف طبيعتها على وجه التحديد، سواء أكانت خدمية أم مُصنّعة لمنتج ما أو حتى جهة مؤسسية، المهم أن لديها طابقاً يعمل به عدد من (المشطورين)، الذين وافقوا على انشطار ذاكرتهم إلى ذاكرتين مختلفتين، فكيف يمكن أن يؤثر ذلك في حياتهم داخل وخارج العمل.
تبدأ الأحداث مع (مارك)، الذي يقود فريق تدقيق البيانات بالمؤسسة، حيث يشرف على تعيين موظفة جديدة تدعى (هيلي)، تتسم إجراءات التعيين بغرائبية شديدة، تتضح تدريجاً لنتعرف على عالم المسلسل وقواعده، فالموظف المشطور يُجري جراحة دقيقة، عبارة عن زرع كبسولة في دماغه، تتحكم من خلالها لومون في ذاكرة الموظف بشكل كامل، فهي لا تفصلها نصفين فحسب، بل يكون لديها القدرة على اختراقها والتحكم فيها عن بُعد عند الضرورة، وهكذا تتكون داخل بيئة العمل شخصية لا تبارحه أبداً، خاضعة لقوانينه بشكل مُطلق، ولا يحق لها الاعتراض أو الاستقالة، فكل المحاولات لإيصال أي معلومة خارج المبنى محكومة بالفشل.
الهوية الشخصية هي موضوع حاول البشر فهمه منذ القدم، وليس من المستغرب أن يكون من أوائل الموضوعات التي بحثتها الفلسفة ثم علم النفس، وأن تكون مادة للبحث لكثير من العلوم لاحقاً، ومما لا شك فيه، أن الهوية الشخصية للفرد وذاكرته مرتبطة ارتباطاً وثيقاً، فالشخصية في أحد تعريفاتها هي سلسلة الذكريات والخبرات التي يكونها المرء، تخيل أن تستيقظ يوماً وأنت تجهل كل شيء عن نفسك، اسمك، وظيفتك، عائلتك، مهاراتك، خبراتك، طموحاتك. كيف يمكن عندئذ أن تضع أولويات وتتخذ أي قرار وأن تحدد اتجاه بوصلتك الأخلاقية؟
ولذلك فإن الذات الداخلية للموظف المشطور داخل العمل، لا تعرف أي شيء عن العالم الخارجي، مسلوبة الإرادة، مطيعة بالكلية لأرباب العمل، حتى وإن بدت الوظيفة التي تمارسها سخيفة، والأخطر من ذلك لا معنى لها. وبهذا الشكل يكون الموظف المثالي في الشركة، بكونه مجرد ترس في آلة كبيرة، لا يعرف دوره فيها ولكنه يستمر على أية حال، وهو نقد فعال للغاية للرأسمالية وآليات العمل التي تعامل الإنسان معاملة الدواجن، عليه فقط أن يبيض في صمت دون تفكير، وليس من قبيل المصادفة أن يستخدم السيناريو رموزاً تدلل وتؤكد على هذا المعنى، مثل أن يجد مارك وهيلي أثناء تجولهما في ممرات البناية قسماً متخصصاً في الرعاية بصغار الماعز، رغم أن الطبيعة الإجمالية للمكان لا تشير أنه يقوم بتصنيع اللحوم، ورمز آخر متمثل في احتفال البيض الذي تقدم فيه للموظفين مائدة مفتوحة لوصفات مختلفة من البيض المسلوق، احتفالاً بتحقيق الأهداف الربع سنوية للقسم، وتلك هي ثيمة فرعية يطرحها السيناريست دان إريكسون في باكورة أعماله، من بين ثيمات أخرى.
من بين الأشكال الأخرى لقهر الموظفين التي تمارسها لومون، هو عدم إظهار أدنى احترام لموظفيها مهما بلغوا من مناصب متقدمة، فمديرة المكان (هارموني كوبيل) لا تتوانى عن التعامل مع مارك داخل المؤسسة بكل صلف وتعالٍ، ويصل الأمر في لحظة غضب أن تلقي بكوب قهوتها في وجهه، رغم أنها عندما تتقمص شخصية جارته الطيبة السيدة (سيلفنج)، تعامله بكل أدب واحترام، تلك الطريقة المتضاربة في معاملته تظهر أكثر وأكثر تجريده كموظف من كل تقدير.
وهناك طريقة لتأديب الموظف المتمرد تسمى (غرفة الاستراحة)، وهي مكان أشبه بزنزانة انفرادية، يسجل فيها للموظف بصوته اعترافه بالذنب وطلبه للصفح عنه، ولكن الأمر ليس بتلك البساطة، فالتسجيل لا يتم الاعتراف به، إلا عندما ينجح الموظف في اختبار كشف الكذب أثناء الاعتراف، حتى لو اضطروا إلى إعادة الأمر أكثر من ألف مرة، حتى يتأكدوا أن الموظف أصبح صادقاً تماماً فيما يقوله، مما يعني أنه سُلبت إرادته بشكل كامل.
المسلسل لا يتطرق لسلطوية الرأسمالية فحسب، بل يتطرق للسلطوية السياسية في أشد صورها قِدماً باتباع إستراتيجية (فرق تسد)، ففريق قسم تدقيق البيانات العامة، لا يعرف أي شيء عن فريق قسم البصريات والتصميم، والعكس صحيح، فالبناية شديدة الاتساع والأقسام بعيدة كل البعد عن بعضها البعض، وهناك أقسام أخرى مجهولة لا يعرف أحد عنها شيئاً، ولا أحد يعرف المحصلة النهائية لنتاج عمل كل تلك الأقسام سوياً، حيث يبدو كل قسم يعمل في مجال يختلف جذرياً عن الآخر.
ولأن ظروف العمل غير آدمية، ولأن البعض لا ينفع معه التأديب في غرفة الاستراحة، ولا الاستشفاء مع المعالجة النفسية، ولا حتى المكافآت الساذجة مثل حفلات (كعك الوافل) والبطيخ والسماح بالاستمتاع بالموسيقى والرقص لدقائق معدودة؛ فيبدو أنه حدث تمرد أكثر من مرة، اجتمع فيه موظفو الأقسام المختلفة سوياً، وهاجموا إدارة لومون، مما دفعهم لاتخاذ تلك القرارات الاحترازية، ليس فقط بإبعاد الأقسام عن بعضها البعض، ولكن نشر إشاعات مخيفة بين أفراد القسم الواحد عن القسم الآخر، ودعمها بلوحات غامضة تؤكد تلك الإشاعات، كل ذلك يتم كشفه تدريجياً، عندما يكتشف فريقا القسمين أن كلاً منهما قد تعرض لنفس الإشاعات عن الآخر، ولديهم لوحات معاكسة ولكن بنفس المعنى، تؤكد أن أفراد أحد القسمين قد قام بقتل فريق القسم الآخر.
ثيمة أخرى يناقشها السيناريو شديدة الذكاء والارتباط بكل ما يطرحه العمل منذ البداية، وهي قوة المعرفة، فالذات الداخلية للموظف المشطور، لا تتعرض طوال فترة عملها لأي معلومات أو خبرات أو تجارب خارج نطاق العمل، فالكتب الوحيدة المسموح بتداولها هي عبارة عن مجموعة من قواعد وبروتوكولات العمل التي وضعها مؤسس لومون نفسه، الذي لم يظهر أبداً داخل الشركة، وكل ما يعرفه عنه الموظفون مجرد لوحة غير محددة الملامح، الأمر كله لا يزيد عن مجموعة من التعليمات التشغيلية، إضافة إلى عبارات رنانة فارغة من المعنى، تدور حول تفاني الموظف في تأدية عمله، وهو ما نتج عنه شخصيات جاهلة سطحية سهلة الانقياد.
ولكن كل ذلك يتغير فجأة، فزوج شقيقة مارك ألّف كتاباً عن الحياة والنمو الداخلي للإنسان، ومعاني الحياة الكبرى عن العمل والصداقة والحب، يضعه مغلفاً كهدية على باب منزله، ولأن مديرة مارك هي أيضاً جارته التي تراقبه عن كثب ومعها مفتاح منزله دون علمه، تأخذ معها الكتاب إلى العمل لفحصه قبل أن تقرر إن كانت ستعيده له أم لا، ولكن يقع الكتاب في يد مارك داخل العمل، وهكذا يقرؤه سراً بعيداً عن أعين مديريه، وتتفتح مداركه لأول مرة على حقيقة وضعه داخل المنظومة، ثم يقرأ زميله (ديلن) أيضاً بعض الفقرات دون معرفة أحد، وهي تغير نظرته للأمور بسرعة، خصوصاً بعدما أدرك أن له في الخارج ابناً لا يعرف عنه شيئاً، واجتمعت رغبته في معرفته، مع وعي مارك الجديد، ورغبة هيلي الأصيلة في الخروج من هذا المكان حتى لو اضطرت للانتحار كما حاولت بالفعل، على أن يغادروا لومون مهما كان الثمن.
العمل الأول للسيناريست دان إريكسون ذي التاسعة والثلاثين عاماً يستحق الاحتفاء والتقدير، وذلك لعدة أسباب، أولاً لبنائه شديد الإحكام لعالم المسلسل أو الإعداد بلغة الأعمال الأدبية، نحن أمام منظومة ضخمة لها تاريخ طويل، وتوالى على رئاستها عدد من المديرين، ولها أقسام متنوعة ونشاطات غامضة، وتفاصيل كثيرة جداً في طريقة التوظيف والعمل وآليات السيطرة على الموظفين، كل ذلك ليس نتاج كتابة تقليدية، بل يتطلب قدراً كبيراً من الصبر والتفاني في رسمه بدقة مهندساً معمارياً، لأن أي جزء مكتوب بتعجل كان ليفسد الثيمة والمعنى الكبير الذي يريد الوصول إليه، ومن الرائع أن اكتمل كل ذلك بتصميم إنتاج ممتاز، تمكن من توظيف المساحات والفراغات والألوان وقطع الديكور بطريقة ملائمة وفعالة لعالم المسلسل.
ثانياً هناك حرفية شديدة في رسم الشخصيات وتوظيفها لخدمة الثيمة على النحو الأفضل، مارك مدرس التاريخ الذي للمفارقة لا يتذكر تاريخه الشخصي، ورحلته طوال الأحداث من الولاء التام المطلق للمؤسسة، التي ينفذ تعليماتها حرفياً، ثم ذهابه في رحلة منطقية ومتماسكة للتمرد عليها لاحقاً، استخدام إريكسون تقنية المفارقة الدرامية لخلق التشويق، حيث نعرف كمشاهدين معلومات أكثر من المعلومات التي تعرفها الشخصيات، وهو ما يجعلنا من ناحية نتورط عاطفياً مع ما يحدث، ومن ناحية أخرى نترقب بشدة كيف ستعرف الشخصية المعلومة التي نعرفها، وكيف ستكون ردة فعلها، فمثلاً نحن كمشاهدين نعرف أن جارة مارك السيدة سيلفنج، هي نفسها مديرته في العمل السيدة كوبيل، وهكذا نكون متوترين بشدة عند كل لقاء يجمعهما خارج العمل، وبخاصة عندما تقتحم منزله وهو يؤوي فيه صديقه (بيتي) الهارب من جحيم لومون.
أضف لذلك اختيار إريكسون طريقة في السرد تشبه كثيراً أعمال (من الفاعل)، حيث يتحول مارك إلى محقق شخصي أو صحفي استقصائي، أمامه عدد كبير من الألغاز التي يريد حلها، كيف فعلها بيتي وخرج من المنظومة؟ كيف أبطل تفعيل الانشطار؟ ما هو نشاط لومون بالضبط؟ ولماذا هناك مطالبات واحتجاجات شعبية على وجودها، إضافة لتحفظ كبير من قبل الصحافة والإعلام، ما مدى لا أخلاقية نشاطهم على وجه الدقة؟ وهكذا نخوض رحلة مع مارك وذاته الخارجية لمعرفة ما يحدث، وهو ما يساهم بشكل فعال في تحول ذاته الداخلية وعلاقتها بالمؤسسة، فعندما يعثر على الطبيبة التي ساعدت بيتي على إعادة الدمج، يجد الوسيلة التي ستجعله يتمكن من الخروج، وهو يساهم في توحيد أهداف ذوات مارك لأول مرة منذ بداية الأحداث، مما يعني ويؤكد على اقترابه من الاكتمال.
يقابل سيناريو إريكسون إخراجاً ممتازاً من الممثل الكوميدي (بن ستيلر)، الذي أبدع من قبل في إخراج فيلمين ناجحين، ويضع في هذا العمل ثقلاً إخراجياً غير متوقع، خصوصاً أنه بعيد عن منطقته الآمنة (الكوميديا)، إلا أنه أكد أنه قادر على إخراج مختلف الأنواع، وأدار الممثلين ببراعة وبخاصة الوجه الجديد تراميل تيلمان الذي لا يمكن تخيل أي ممثل آخر يلعب دوره، وتمكنه من التلاعب بمختلف التنويعات الأدائية من الجدية والصرامة إلى الخفة والهزل، كما أتقن في اختيار أنسب ما يمكن من أدوات الإخراج من حجم كادرات تشعرك بضيق وكآبة بيئة العمل، وحركة كاميرا تخلق توتراً وتستغل التشويق إلى أقصى مداه.
ذو صلة