لا أبالغ إذا قلت إن جميع مدن العالم لها سماتها المشكّلة والمنعكسة على سلوك الفرد بتفاصيلها العامة والخاصة من حيث الرؤية المتبناة وطبيعة الأجواء المتوائمة والمتفقة التي تقوّم الإنسان وتصيّره تبعاً للإرث والأثر الذي يكنّه إليه، ليكون بهذه الصورة التي ألفناها وتماهينا معها، ولو تتبعنا سير المدن الدافئة التي تتخللها الأنهار والمحملة بكثيرٍ من الشجر لوجدنا أن ثمة علائم ومزايا تعنى بالما حول تتسلل في أدق الجزئيات المتعلقة بتكوين شخوصها، وهذه حالة تراتبية غير قابلة للدحض تبعاً لحيثيات البنية النسقية المتصلة وهاجس إنسانها.
وهنا نستطيع القول إن عنصر المكان من العناصر المهمة التي تسهم في ترميم الفرد وتربيته وفقاً لمعطيات اعتبارية مهمة وإن حاول الفكاك منها أو الانعتاق من ضروراتها قصداً أو من دونه ستظهر ارتساماته المتجذرة سواء كانت في انسيابية التعامل من حيث اللهجة أو طريقة التصرف أو في تبنيه لمشروع جمالي يعنى بالأدب والفن والموسيقى، فالمكان له وقعه حال اكتشاف الفرد لنفسه ومن غير الممكن أن يستورد ذاتاً مغايرة عن واقعه وهو المشتق من هذا الواقع.
أشير هنا إلى فاعلية العدة الغنائية في هذه المدن ومدى حيازتها من لدن المتلقي ليصبح لها دعائم وركائز متعشقة ومتداخلة بهموم الناس ومستقرة في هواجسهم، ربما هي لسان حالهم الذي يلخّص أقدارهم في التعبير عن كم الحيف والغبن ومراحل الفقد التي أصابتهم على مر الأزمنة، واقعاً، إن ثمة حفنة من الأسئلة التي راودتني حال استماعي ومتابعتي لعدد ليس بالقليل من الأطوار الغنائية العراقية المصدّرة لنا من مدن العراق كافة على اختلاف أعراقها وأنساقها الاجتماعية وتكوينها المعرفي، أتساءل في سري، لماذا ولد طور (المحمداوي) في محافظة ميسان وطور (الشطيت) في محافظة ذي قار أو طور (الحياوي) في محافظة واسط، هل ثمة عوامل أسهمت في خلق هذه الأطوار فضلاً عن رواجها على مدى الفترات التي نشأت فيها واتَّسقت مع مصائر أبنائها وأصبحت هوية فنية مهمة تنعم بها هذه المدن. برأيي أن هناك عوامل عديدة اشتركت في ظهور هذه الأطوار، كان أولها هو الطبيعة المسترسلة غير المتكلفة التي اجترحت قاعاً عفوياً فطرياً دفعت لولادة هذا النوع من الغناء، فالمدن التي يحدها النهر والمفتتنة بالنبت والطلع تكون مؤثثة بمشغلٍ متنوع له عوالمه المدهشة، إذ إن نزوع الحضارات وما وصلنا من إرث معرفي وفني على مر السنين جاءنا من الأرض اليانعة المخضرّة مكونة لهذه المدن ذخيرة ومحصلة جمالية مهمة، ما أعنيه أن هذه الأطوار كانت مؤرخة ومدونة مع بزوغ أرضها الأولى التي ولدت منها بملامحها الفتية ونضوجها فيما بعد لتتوالى عليها الريح وجريان الماء وتزاحم اللهجات واتساقها بحقيقة الناس ومستحدثاتهم اليومية لتصل إلينا بهذه الحلة، وصار لها تأسيس وحاضنة ثقافية فنية لها لوازم معينة عرفت من خلالها مكنتها من الثبات وفرض إيقاعها النغمي الصرف، فمن المستحيل أن تكون هذه الأطوار وليدة الصدفة بل إنها أتت مركبة ومزدوجة كحال جميع الفنون التي تبعت خطى الإنسان وسارت معه والتزمت بطقسه وواكبت تطوره وانصهرت بجميع تمشكلاته الإنسانية والمجتمعية وقد مرت بمناخات متناوبة عديدة لها أثرها الفاعل في الوصول إلى هذه الهيكلية، ومما لا شك فيه أن دلالة المساحة المنبسطة تعطي قدرة شاسعة لفضاء الصوت تغني الجملة الموسيقية والتي بدورها تتسق والحالة الشعورية التي صاحبت ولادة الطور الغنائي وهنا تصبح عملية تلاقح صرف تأتلف بها الطبيعة بتوافقية شخوصها لتحتشد عوامل عديدة تكمل وتعضّد وهج الطور، وتظافرت عناصر أخرى في هذا المنحى منها عامل المقبولية، وقد تجسّد هذا العامل على مسارين أولهما مدى فاعلية واستجابة الخامة الصوتية لمثل هكذا أطوار مما أصبح هناك أمارة بالفطرة شاركت بصورة كبيرة في إبراز حلاوة الطور وإبراز انزياحاته النغمية التي فتحت مشارب عديدة في كيفية استطالته وتمكين مقدرته التي أتت من خلال مؤديها، ربما ثمة فعل وراثي خالص تناسل في هذه المدن ليكون أشبه بالعُرف الذي اتسمت به الكثير من المدن، فما وصل إلينا أن هناك قبائل معينة عُرفت بفخامة الصوت وقدرتها العالية على إيصال الجملة الغنائية بصورتها الصحيحة، كذلك الحال إلى أن هنالك قبائل أخرى امتازت بأصواتها الدافئة وجمالية التنغيم وهذه صفات لها خصوصيتها في تفرد الإنسان كحال السحنة وطول القامة ولون العيون ومزاجية الشخص نفسه والتي بنيت على إثرها الكثير من الأمور التي تعنى بطبيعة المجتمعات، المسار الآخر هو استجابة أذن المتلقي وانجذابها لمدونة غنائية كهذه ليصبح لها مقبولية كبيرة في هذه المدن، وهذا لعمري من أهم العناصر التي حفّزت على ديمومة هذا النوع من الغناء واستمراره، الشيء المهم الذي علينا أن نعيه (إن أي فعل جمالي له خزانته المستوحاة والمستخلصة من صورة المكان والمشتغل عليه فيما بعد إمعاناً لظروف إجرائية عديدة تصاحب هذا الفعل ليصدر لنا ويصبح هوية فنية تعرف من خلاله المدن فمن غير الممكن أن يكون طابع التأسيس لا يحتكم لسياقات لها أرثها وأثرها على مر العصور).