لحضور الحزن والمأساة إيقاع آسر في الوجدان الجمعي للإنسان لما من شأنه أن يكون وثيق الصلة بدواخل النفس البشرية المعذبة وهمومها المعقدة، ومن فيض هذه الأحاسيس الكامنة نشأت التراجيديا منذ غابر الزمان مؤصلة لميلاد فن المحاكاة المسرحية بشقيها المأساة والملهاة، فالمأساة من أقدم أساليب رواية القصص بالتاريخ، وشدة إقبال الناس على المأساة يفسرها تنقية النفس الإنسانية من المشاعر السلبية الكامنة في زوايا النفس، ولكن ليس كل حدث مأساوي هو تراجيديا، فالتراجيديات كمفهوم اصطلاحي ارتبط بالأعمال الفنية وخصوصاً المسرح وتقاليده الضاربة بالتاريخ، فقد تميزت المآسي التي كتبها إسخيلوس وسوفوكليس، ويوربيديس باعتبارهم آباء التراجيديا الإغريق بسمات الطابع الأدبي واعتمادها على الأسطورة والتاريخ اليوناني أكثر من طابعها الديني المتعارف عليه.
التراجيديا
التراجيديا نوع من المأساة والمعاناة الإنسانية يعيشها الفرد أثناء مواجهة أحداث رهيبة لم يحتسب لها أو يفكر بحدوثها، وغالباً يكون البطل في غاية النبل والشهامة والسمو الأخلاقي مما يفترض ردود أفعال من الجمهور تولد مشاعر قوية متعاطفة معه وخائفة عليه، التراجيديا كمصطلح يوناني بالأصل يرجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد حيث ارتبطت بالاحتفالات الدينية المدعومة من طبقة الكهنوت، ويرى أرسطو أن المحاكاة نزعة فطرية تولد مع الإنسان منذ نعومة أظفاره، وأن الإنسان هو أكثر الكائنات الحية براعة في هذا المضمار، حيث إنه ينال تعليمه ومعارفه في طفولته عن طريق المحاكاة، وأن البشر جميعاً يجدون متعة كبيرة في المحاكاة. كذلك نجد أن الكلمة التي استخدمها الإغريق للدلالة على الشاعر هي Poietes وهي كلمة لا تعني شخصاً يخلق من عدم، بل تعني الشخص الذي يؤلف ويركب وينظم الأجزاء التي نقلها عن طريق المحاكاة وهذا النقل يتضمن تغييراً وإضافة ذاتية ممن قام بها إلى جانب أنها تحمل معنى الإضافة والابتكار، وهذه المحاكاة هي أي حدث يثير انفعال الألم، حيث يكون بطل هذا الحدث شخصاً ذا مكانة عالية، وحيث تؤدي عاطفتا الخوف والشفقة إلى تطهير النفس من هذه الانفعالات، وربما اشتملت في العصور المتقدمة على بعض التنويعات مثل المشاهد الهزلية أو الحكايا الثانوية، توخياً للمغايرة، أو التخفيف عن التوتر والقلق العاطفي.
في كتابه فن الشعر يعرف أرسطو التراجيديا: «هي محاكاة لفعل جاد، تام في ذاته، له طول معين، في لغة ممتعة لأنها مشفوعة بكل نوع من أنواع التزيين الفني، كل نوع منها يمكن أن يرد على انفراد في أجزاء المسرحية، وتتم هذه المحاكاة في شكل درامي، لا في شكل سردي وبأحداث تثير الشفقة والخوف وهكذا يحدث التطهير من مثل هذين الانفعالين، وأعني هنا باللغة الممتعة اللغة التي بها وزن وإيقاع وغناء وبعض الأجزاء يمكن أن يعالج بالشعر وحده وبعضها الآخر باستخدام الغناء».
وقد وضح نظريته عن التنفيس فنحن عندما نمضي بالحياة نقوم بتخزين الكثير من المشاعر السلبية دون أن ندري ومشاهدة هذا النمط من الأعمال يؤدي إلى تفريغ هذه المكبوتات عبر محركي العمل الأساسيين وهما الفكر والشخصية حيث الحبكة تتضمن ترتيب الأحداث أو الأشياء التي ترد في القصة، فكل تراجيديا كوحدة كلية لها عناصر مؤلفة من:
1 - الحبكـــة، 2 - الشخصيـــــة، 3 - اللغـــــــــة، 4 - الفكر، 5 - المرئيات المسرحية، 6 - الغناء.
إلا أن أكثر تلك العناصر أهمية هو كيفية بناء الأحداث أي الحبكة أو الحكاية لأن التراجيديا لا تحاكي الأشخاص وإنما الأفعال المشتقة من الحياة بما فيها من سعادة وشقاء والقدرة على قول ما يمكن قوله، فبدون الفعل لا يكون ثمة تراجيديا وما يتلوها من تحول واكتشاف بعد تراكم مبرراته، فالحبكة للتراجيديا كالروح من الجسد وفق تعبير أرسطو وهذا يتم عبر الحوار الذي تنطقه الشخصية، فالشخصية هي التي تقوم بالفعل، فإن كل وحدة بالعمل الفني من الضروري أن تكون مفسرة للسلوك الإنساني الذي تفعله الشخصية، ولماذا يأخذ منحى معين دون آخر، وهذا لا يتم إلا من خلال فهم الدوافع الإنسانية التي تقود إلى ذلك السلوك دون سواه، فعندما يستحكم العداء والكره بين الشخصيات ضمن صراع ما، يجب أن يكون السلوك موضحاً لذلك الأمر، من خلال عدم إظهار أي نوع من التعاطف والمودة وعكس ذلك في حالة المحبة، مما يعكس التطور الدرامي الطبيعي للحدث فحالة حدوث فاجعة ما نتيجة تطرف في الكره أو المحبة، أو في حالة احتدام الغضب، فالمرء قد يقدم على فعل أهوج متهور يقوده ظن أو خديعة ما، مما يجعله منقاداً للوقوع في الإثم وقد حدد أرسطو أربع صفات من الواجب توفرها في الشخصية في المسرح الإغريقي وهي أولاً أن تتصف الشخصية التراجيدية بالسمو والرفعة وحتى تخلق بسلوكها المتميز ذلك تأثيراً بالنفس وهذا لا يتأتى إلا للأبطال العظام أو أنصاف الآلهة، والأمر الثاني ذلك التوافق بين الشخصية وصفاتها الفطرية الطبيعية فلا يصح أن تكنى المرأة بصفات رجولية كالبسالة والقوة، والرجل بصفات النعومة والليونة، وثالثاً التطابق بين فعل الشخصية وقولها مما يؤكد صفة الإقناع لديها، والأمر الرابع أن يكون بناء الشخصية متماسكاً أي ألا يحدث تحول بسلوكها ومواقفها بلا مبرر وكل ذلك خلال اللغة وكلماتها المعبرة عن أفكار الشخصية سواء كانت شعراً أم نثراً، ضمن خطاب سياسي كان أم خطاب بلاغي، ويرى أرسطو أن الفكرة تنحصر في المقدرة على إيجاد اللغة الملائمة والمناسبة للموقف، وأن هذه اللغة ذات التعبيرات المناسبة المجسدة للفكرة تكون بكل بساطة من خلال القدرة على التعبير باللفظ الذي يخضع لمعايير معينة أهمها الوضوح مما يجعل المتلقي مهيأً لمتابعة المسرحية دون إفلات خيوطها، والتفنيد أي قدرة الشخصية على إبراز موقفها بشكل حاسم وإضعاف مبررات الخصم كما يعني قدرتها كذلك على التنويع بين الإسهاب والإيجاز وفق ما يقتضيه الموقف من إثارة أحاسيس الشفقة أو الخوف أو الغضب أو التعاطف، أما الجزأين الأخيرين فالغناء أكثر التزيينات إمتاعاً لقدرته الفائقة على التأثير ويليه جاذبية المرئيات المسرحية لوقعها الانفعالي وهذا يعتمد على الإخراج المسرحي أكثر من مؤلف العمل، فالأغاني هي الأناشيد التي كانت تقوم بها الجوقة بين المشاهد التمثيلية، ووجود الغناء بالتراجيديا يهدف إلى تخفيف حدة التوتر وتحقيق الترفيه والمتعة للمتفرج في المشاهد العنيفة والقاسية، كما أن خروج الجوقة ودخولها يحددان بدء المشاهد وانتهاءها بالإضافة إلى أهميتها كرديف للحوار القائم.
التراجيديا الشكسبيرية
قد تكون أغلب أعمال وليم شكسبير تعكس طابعاً إنسانياً اجتماعياً وتاريخياً، لذلك حفلت نصوصه المسرحية بالمآسي التاريخية والمكابدات الاجتماعية، ولعل الحضور العالي والغزير للمعاني الإنسانية فيها جعلت أعداد مريديه من كافة أنحاء العالم في تزايد مستمر، لذا قل أن تجد معهداً أو فرقة مسرحية أو ريبرتوار في أي بقعة كانت إلا وأعادت إنتاج شيء من نصوصه تمثيلاً أو اقتباساً أو إخراجاً أو نسجاً على منوال.
في مسرحية روميو وجولييت وما عكسته من صراع بين قوى الخير والشر، الحب والكره، ورغم أن العمل ينتهي بموت الحبيبين، إلا أن فيوضات الحب الآسرة رفرفت فوق الجسدين الشهيدين لتؤكد أن الجمال الذي يأتي به الحب إلى الحياة لا ينتهي بانتهاء حامليه وتبقى أنفاسه تتردد بعد الموت بفعل تطهيري للنفوس المعذبة.
وفي الملك لير التي تراوحت بين التراجيديا والعبث والسياسة، وصلت تفسيرات النصوص الشكسبيرية لفكرة دخول الكوميديا السوداء في عباءة التراجيديا، وبخاصة عندما تجاوز العصر حالة الجلال التراجيدي للعروض، فعندما تواجهنا أقصى حالات العذاب والألم ولا تؤدي إلى التطهير والسمو بل إلى الهيستيريا والضحك اليائس في نمط تجريبي جديد للمحتوى التراجيدي، فالمأساة الشكسبيرية على خلاف ما عرفناه في المأساة القديمة فهي ليست دراما المواقف الخلقية إزاء آلهة خالدة وليست قدراً يقرر مصير البطل، فواقعية شكسبير تبدت في وعيه لمدى انخراط الناس في التاريخ، إذ إن بعضهم يصنع التاريخ وبعضهم الآخر يكون ضحيته وقد تتداخل هاتان المسألتان فمن يكون صانعاً مرة يكون ضحية مرة أخرى والعكس كذلك، شكسبير يمسرح التاريخ على الخشبة فهناك نمطان للمأساة التاريخية الأول مبني على اعتقاد بأن للتاريخ معنى وأنه يحقق مهماته الموضوعية ويقود في اتجاه محدد والمأساة هنا تتألف من ثمن التاريخ ثمن هذا التقدم الذي لابد منه والبطل الريادي من يقوم بدفع عجلة التاريخ الثقيلة إلى الأمام ومقابلها عليه أن يسحق بها، والنوع الآخر من المأساة التاريخية تقول إن التاريخ واقف لا يتحرك وأنه يعيد باستمرار دوراته القديمة القاسية والفرد يمضي باستمرار إلى حتفه في هذه الآلة الكبرى أي نظام التاريخ كما يراه شكسبير في عجلة التاريخ الضخمة التي تجبر الناس على العنف والقسوة والموت.
في هاملت النص الشكسبيري الأشهر في كثافة المواضيع التي يتطرق إليها في دراما السلطة والوراثة، ومن ذلك التضاد بين الأخلاق والقوة وبين النظرية والممارسة والدراما العائلية ومأساة الحب وغاية الحياة وقناع الجنون الذي يلبسه هاملت في صراع السياسة الذي ينفي الحب، ودراما وجوده المحير في أن يكون البطل في صلب الصراع بأن ينتقم لأبيه ويقتل ويثبت وجوده، أو أن يلغي ذاته وينأى عن الصراع كله، ولعل ثراء هذا النص في الإمكانية الواسعة لتوظيفه عبر مفاهيم متعددة في الأعمال الكثيرة التي جسدته، ولعل ماكبث من الناحية السيكلوجية من أعمق مآسي شكسبير في عرضه التاريخ كدراما كابوسية تختلف في فلسفة الفعل، فالتاريخ هنا قرار واختيار وفعل شخصي لا كرعب وحتمية فماكبث يقرر قتل غريمه بيديه للاستيلاء على الملك، يقول ماكبث:
«لقد خطوت في الدم
بعيداً، وحتى لو لم أخض المزيد
لكان النكوص مرهقاً، كما المضي».
ففي المأساة الحديثة استبدل القدر والآلهة والطبيعة بالتاريخ، إذ قلص التاريخ إلى أبسط أشكاله: القتل والقتلى، ماكبث قتل خوفاً ليكون الرجل الذي لا يخاف ويستمر بالقتل خوفاً كذلك مما جعل وجوده دائراً في دوامة كابوسية يحلم أن تتوقف في تناقض بين ذاته ودوره الذي قام به، مما يعني دورانه الجحيمي في غيهب الكابوس الأزلي.
التراجيديا والأسطورة
رغم أن الأسطورة تنتمي إلى عصر مضى ولكنها ما تزال حاضرة في وعي المجتمعات، لذلك استمد كتاب التراجيديا موضوعاتهم من الأساطير القديمة والتي كانت تراثاً معرفياً ومنهلاً خصباً لنسج أعمالهم على خلفية الحكايا القادمة من عمق المخيال الشعبي والأساطير المعروفة عند عامة الشعب، فالمسرح الإغريقي ارتبط منذ ظهوره ونشأته بالدين والعقيدة كطقوس وأساطير وأشكال التجسيد الإلهي، من هنا كان ارتباط التراجيديا بالعقيدة الإغريقية متمثلة في التراث الأسطوري، وقد تكونت هذه الأساطير عبر العصور الماضية عبر ذاكرة الشعوب الخصبة، معتمدة النقل الشفاهي المتواتر عن قصصهم وحكاياهم ومن المعروف أن الأساطير اختزلت فلسفة وحكمة وصراع الآلهة كانعكاس للعلاقة بين الإنسان والطبيعة من جهة وطقوس الموت والولادة والبعث من جهة أخرى، لذا من الطبيعي أن تكون مناخاً مواتياً استلهم منه الكتاب فحوى لمواضيعهم ورؤاهم الفكرية، فشخصياتها البطولية تصلح بأبعادها الميتافيزيقية المتباينة لتصوير الصراع في التراجيديا، حيث إن الشخصيات العادية لا تعطي التراجيديا عمقاً أو صراعاً أو دهشة، حيث الفعل الدرامي ليس فكرة داخل ذهن الإنسان لا تبعات سلوكية ناتجة عنها، بل هي حضور وتصرف وفعل إنساني يظهر وينمو ويتعدى حدود الفردية ويؤثر في الآخرين ويتحمل صاحبه نتائج عمله لأنه واعٍ ومدرك لما يفعل، مما يجعله في صدام وتحاكٍ مستمر مع الآخرين، فالتراجيديا ذات مغزى أخلاقي من أهدافها التطهير الناجم عن وطأة المأساة المرتبطة بفكرة أو عقيدة، والنهايات المأساوية لأبطالها مرتبط بالعقيدة من ناحية تطهير النفس من شرورها، وهذا نجد ظلاله مستمرة في الأساطير التي تحتل الوعي الجمعي في مرحلة ما كإرث ثقافي ثري يخصب الذائقة بالمزيد من جماليات الفكر والإبداع.
.