مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

زكي طليمات.. قراءة في سيرة عميد المسرح المصري

فنان مصري من الزمن الجميل، استطاع بذكاء وفطنة أن يصل للعالمية ويُحقق شهرة واسعة في مجال العمل المسرحي بوجه خاص، إنه الفنان الراحل زكي طليمات، فهو بالفعل ممثل مسرحي شامل، حيث جمع بين التمثيل والتأليف والإخراج المسرحي وأيضاً الترجمة المسرحية والصحافة، ويُعتبر أحد الرواد العمالقة للمسرح المصري، وقد تخرج على يديه الكثير من أهم الممثلين في السينما والمسرح.

وُلِدَ أستاذ المسرح العربي زكي طليمات، في حي عابدين بالقاهرة، في الثاني والعشرين من أبريل عام 1894م، أما والده فينتمي لأسرة لها أصول سورية، حيث كان جده من عائلة معروفة بالوجاهة بمدينة حمص بسوريا، والذي سافر إلى القاهرة للإقامة بها، والعمل بالتجارة، وأما والدة زكي طليمات فهي مصرية، ولها أصول شركسية.
حصل زكي طليمات على البكالوريا من المدرسة الخديوية الثانوية، وبعدها التحق بمعهد التربية، ثم أُوفِدَ في بعثة لفرنسا لكي يدرس فن التمثيل بباريس في مسرح الكوميدي فرانسيز و(مسرح الأوديون)، و(معهد مدجييس لحرفية المسرح) ورجع لمصر حاملاً دبلوماً في الأداء والإلقاء، وشهادة في فن الإخراج، كما حصل على شهادة المناظر المسرحية وحرفية المسرح، ومن ضمن أوجه نشاطه المسرحي هو اشتراكه في مؤتمر المسارح القومية الدولية بباريس من عام 1931م، وحتى عام 1937م.
تزوج فيلسوف المسرح زكي طليمات من السيدة فاطمة اليوسف، التي أسست مجلة روز اليوسف، واستمر زواجهما عشرين عاماً، وبعدها تم الانفصال بسبب انشغال فاطمة اليوسف بعملها، وقد بدأ زكي طليمات مشواره الفني بالانضمام لفرقة (عبدالرحمن رشدي) المسرحية عام 1917م، ثم انتقل لفرقة (جورج أبيض)، ولكنه تركها بعدما وجه انتقادات لصاحب الفرقة في أحد مقالاته الصحفية النقدية.
وللراحل زكي طليمات، تاريخ مسرحي حافل، فهو الذي أسس المسرح المدرسي عام 1937م، وظل مُراقباً له حتى عام 1952م، كما عمل مديراً فنياً للمسرح القومي منذ عام 1942م، وحتى عام 1952م، ويعتبر طليمات هو العميد الأول والمؤسس للمعهد العالي للتمثيل، وقد ظل عميداً له من عام 1944م، وحتى 1952م، كما عمل طليمات مديراً عاماً للمسرح المصري الحديث منذ عام 1950م، وحتى عام 1952م، وقد سافر زكي طليمات لدولة تونس ليُصبح المشرف الفني العام لفرقة البلدية هناك وذلك عام 1954م، وشغل طليمات وظيفة المشرف الفني العام لفرقة المسرح العربي بالكويت منذ عام 1961م وحتى عام 1963م.
ومن ضمن الأنشطة المسرحية للرائد المسرحي الكبير، هو كتابته مقدمات فنية لعِدة مؤلفات ومسرحيات، كما كان له سلسلة مقالات رائعة في صحف ومجلات عديدة مثل الهلال والمقتطف والفكر العربي والرسالة والعربي، إضافة لتأليفه للعديد من الكتب القيمة عن فن التمثيل الراقي.
امتاز الإخراج المسرحي لزكي طليمات بالدراسة العميقة والتناسق بين الملابس والمناظر والحركة المسرحية، وكذلك توزيع الإضاءة، وقد أخرج طليمات ما يقرب من مئة وخمسين مسرحية جمعت شتى الألوان المتنوعة كالكوميدي والتراجيدي وكذلك التاريخي، ومن أشهر المسرحيات التي أخرجها طليمات (مُضحك الخليفة أبو دلامة، صقر قريش، عمارة المعلم كندوز، آدم وحواء، يوم القيامة).
كما قدم فنان المسرح الموهوب، أكثر من 350 عرضاً مسرحياً، أبرزها (غادة الكاميليا، أهل الكهف)، إضافة لترجمته لبعض المسرحيات العالمية، منها مسرحية (الجلف) لتشيكوف، ومسرحية (الوطن) لسارود، ومسرحية (المعركة) لفروندي، كما قام طليمات بإخراج فيلم (من أجل امرأة)، وذلك في عام 1959م.
والجدير بالذكر أن زكي طليمات كان عضواً للجنة المسرح بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، كما انضم سُلطان المسرح المصري لجمعية رقي الأدب والتمثيل وقدم من خلالها مسرحيتين هما (قصة مدينتين - شاترتون)، وكان هو بطلهما، كما قام أيضاً بإخراجهما.
وأيضاً شارك الفنان الراحل في حوالي 12 فيلماً سينمائياً منها: (ابنتي - يوم من عمري - بهية - أرض النيل - خالد بن الوليد - الناصر صلاح الدين)، وقد قام بدور الفتى الأول في فيلم (نشيد الأمل) أمام السيدة أم كلثوم، وأيضاً قام بدور الزعيم الثائر في فيلم (الله معنا)، وقد أسند لطليمات إخراج أول أوبريت للفنون الشعبية (يا ليل يا عين) وقدم أيضاً استعراض (موال من مصر).
وقد عُرِفَ زكي طليمات لدى الجمهور من خلال دور (الدوق آرثر) الشهير في فيلم (الناصر صلاح الدين)، حيث علقت بأذهان المشاهدين جملته الشهيرة للفنانة الراحلة ليلى فوزي، (في ليلة أقل جمالاً من ليلتنا ستأتين زاحفة إلى خيمتي يا فرجينيا)، كما عُرِفَ طليمات لدى مشاهدي السينما من خلال شخصية المليونير والد زبيدة ثروت، والتي قدمها بمهارة، وذلك في فيلم (يوم من عمري).
وقد حصل عميد المسرح المصري زكي طليمات على جوائز عديدة، منها جائزة الدولة التشجيعية في الفنون عام 1961م، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون أيضاً عام 1975م، وكلتا الجائزتين من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، كما قام الرئيس الراحل أنور السادات، بتكريم الفنان زكي طليمات بمنحه درجة الدكتوراه الفخرية، وأيضاً تم تكريم فيلسوف المسرح بنيل جائزة التفوق المسرحي، إضافة لحصول الفنان المسرحي على نيشان الافتخار من درجة كوماندور من الحكومة التونسية عام 1950م.
رحل زكي طليمات عن عالمنا في الثاني والعشرين من ديسمبر عام 1982م، بعد أن أسس مدرسة شاملة في فنون المسرح، تاركاً خبراته ومؤلفاته وترجماته المسرحية لتلامذته ومحبيه، كما أنه أثرى المكتبة المسرحية والسينمائية بالعديد من الأعمال الرائعة، التي شهدت تاريخاً فنياً كبيراً لفنان  موهوب بقيمة زكي طليمات.
ذو صلة